إدريس الأزمي و”الديبخشي” والسياسة النجسة

14 أكتوبر 2020 16:37

هوية بريس – إبراهيم الطالب

مما يزهدني في السياسة هذا الفجور الذي يطغى على مشهدها، وتلك المزايدات الموغلة في السفه، التي يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويخوّن فيها الأمين ويؤتمن فيها الخائن.

جو مثل هذا قد يكون سائغا في دولة لادينية تسوسها العَلمانية التي لا تَرْعى خلقا ولا تصون ذمة، ويحكمها مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، والأصل فيها الاحتراب الإيديولوجي واستباحة الكذب والتزوير والتلفيق.

والعجيب أن هذا الجو في الدول العَلمانية الغربية يؤتي أكله سياسيا، لكن لا يؤثر على قسط كبير من الفاعلية في العمل، لأن الدولة في بعض تلك البلدان استطاعت أن تنظم كل شيء حتى الفساد الأخلاقي، كما جعلت المصلحة الشخصية والعامة يمكن الجمع بينهما في ممارسة السياسة، فترامب مثلا لا يستنكف أن يستغل جمعيات الشواذ اللواطيين كما يستغل الكنائس، لكن في الأخير يخدم مصالحه الشخصية المادية ويخدم مصلحة بلاده بالتوازي، ولو اقتضى الأمر أن يشهر سلاحه ويسطو على ثروات البلدان الخاضعة لقوته، كما يفعل قطاع الطرق، وقد رأيناه في الخليج كيف صنع.

للأسف أغلب سياسيينا من الفئة التي تجعل الفساد والكذب والفجور من عباداتها في محراب السياسة النجسة في سبيل إلهها الذهبي، فتعس عبد الدرهم وتعس عبد الدينار، كما قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.

وما نراه اليوم يمارس في الحملة التي تسعر للإطاحة بإدريس الأزمي في الانتخابات القادمة يندرج ضمن خانة الفجور السياسي، حسب تعبير الشيخ فريد الأنصاري رحمه الله تعالى.

الأزمي هو رجل نزيه، يشهد له الناس بالاستقامة والجدية، وهو مثال للموظف الجاد والمغربي العالم في ميدانه متنوع المعرفة والثقافة حصل في سنة 1989 على الإجازة في الكيمياء بكلية العلوم بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، ثم حصل سنة 1990 على دبلوم الدراسات المعمقة من جامعة بواتيي بفرنسا، وبعدها على شهادة الدكتوراه من نفس الجامعة سنة 1994، تخصص الكيمياء التطبيقية؛ مساره المهني يشي بأنه من رجالات المغرب الذين يساهمون في الإصلاح.

أنا لست من العدالة والتنمية ولا من التوحيد والإصلاح، لكنني مغربي متحرر من ضيق التحزبات ولا أومن بهذه المسميات الحزبية عندما تسود في خنادق التعصب والفجور في الخصومات.

قد لا يعجب كلامي هذا كثيرا ممن اغتاظوا من كلام الأزمي، لكن الباطل الذي يلتف بالحق لا ينبغي أن يسكت عنه، بل ينبغي تميزه، وإلا انتصر الباطل في النهاية. فالأزمي أخطأ في كلامه، ولم يراعي حساسية الموضوع ولهذا لَم يكن سياسيا بالمرة في تصريحاته، خصوصا وأنه برلماني سيستفيد من بقاء التقاعد، فلن ُيفهم كلامه إلا على محمل حب المال والحرص على الاستفادة من الريع السياسي، لذا فغيره ممن عششوا في البرلمان وأورثوه لأبنائهم لم يتكلموا ولَم يتكلوا نظرا لأنهم يعلمون خطورة الكلام على مناصبهم. هذا الواقع يجعلنا نتوخى العدل في الخصومة ونلتزم ما تفرضه الأمانة، من قول الحق دون مخافة رد فعل الذباب الإلكتروني، فأنا ضد تقاعد البرلمانيين إلا إذا أمضى الواحد منهم سنوات كثيرة تعادل ما يمضيه الموظف في وظيفته، أما تحميل الكلام ما لا يحتمل واستغلاله في تصفية حسابات السياسة النجسة، فهذا يعود بالوبال على السياسة برمتها وعلى مستقبل البلاد والعباد.
فلا بد للحكم من رجال نزهاء وسياسيين فضلاء، والنجس السياسي يجعل أغلبهم إما يفر أصلا من ممارسة السياسة، وإما يهدم في حروبها القذرة.
إن المغرب اليوم لا يتحمل الاشتغال بمنطق مسيرة ولد زروال، ولا بمنهج التقاطعات الحزبية، لقد استشرى الفساد والضعف في كل أنحاء الجسم المغربي، ونحتاج إلى كل قامة يمكن أن تضيف قيمة إلى مجالات الاشتغال العام.

الديون تتكاثر والمعضلات الاجتماعية والاقتصادية تؤثث كامل المشهد العام، في حين يحلو للبعض المتنفذ أن يرقص على أصوات الأنين الصادر من صدور الملايين الذين وإن كانوا يعانون في صمت لكنه صمت مشوب بالاحتقان قد ينفجر في أي وقت ودون موعد.

كلام الوزير حول تقاعد البرلمانيين لم يخرج مخرج المزايدات السياسية، بل خرج مخرج الواقعية وناقش بمنطق النزاهة لا بمنطق الشره وحب الاغتناء من المال العام.

قد لا أتفق معه في حق البرلماني في التقاعد، بل حتى تقاعد الوزراء كذلك، إلا إذا كان قد أمضى ما يمضيه الموظف في وظيفته التي يستحق عليها تقاعدا معقولا، لكون الوظيفة قد أخذت سني عمره النشيطة، وخرج منها في الغالب خائر القوى، هدفا لأمراض الشيخوخة، لا يستطيع كسبا ولا يقدر على مواصلة الكد.

لكن اختلافي معه لا ينبغي أن يكون ذريعة لهدمه والتشهير به، فالنخب المغربية النزيهة هي ملك جماعي للمغاربة يجب صيانتها من العبث والانتهاك، خصوصا في زمن الإفلاس السياسي والاقتصادي والثقافي والأخلاقي.

الجميع ممن يعلم ماجريات العمل السياسي في المغرب، يعلم أن الفساد ليس فوضى، بل هو مهيكل منظم بشكل يضمن استمراره، ويستغل الطبيعة السياسية التي تحكم المغرب، والتي لم تستطع لا الدخول بشكل كامل في النظام “الديمقراطي” ولا البقاء في نظام الحكم الشوري الأصيل، فصارت أقرب إلى الاستبداد منه إلى الحكم الشوري؛ وفِي مثل هذه الأجواء يحمي الفساد نفسه بالفجور والكذب والزور، ويتهيكل في دواليب الحكم حتى يصبح خادما ضروريا للاستبداد، يضمن له هدم منافسيه من المصلحين، لكنه في الحقيقة لا يهدم إلا نفسه والوطن والمواطن.

فيكون الخاسر الأكبر هو المغربي المقهور الذي يرتجي فجرا يعيش فيه كرامة النفس ويتلذذ فيه بلقمة عيش دون ذُل ولا هوان.

فهلا ارتقيتم يا من تحركون الذباب الإلكتروني، ضد مقدرات البلاد البشرية.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
20°
22°
الأربعاء
20°
الخميس
21°
الجمعة
21°
السبت

كاريكاتير

كاريكاتير.. لماذا هذا أفضل من هذا الذي يملك الكثير؟!

حديث الصورة

مظلات حديدية بثلاثة ملايير وسط الرباط تثير الجدل