احسان الفقيه تكتب: وقفة مع رحيل “سارة”، ابنة أخي الدكتور إياد قنيبي

13 يونيو 2019 12:47

هوية بريس – احسان الفقيه

(إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ)، فاضت تلك الكلمات النازفة من قلب الحبيب صلى الله عليه وسلم حين ذرف الدمع على فلذة كبده “إبراهيم” وهو يفارق الحياة، ليجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصبر والرحمة في آن واحد، ويُخلّف الحزن في أمته على ما أصابه، فما أشد فجيعة الأب بفقدان ولده.
إن أثقل حِمل على الإنسان هو نعش ولده، وأشد الطرق وعورة ذلك الذي يسلكه الوالد إلى مساكن الأموات ليوسد ولده التراب.
إِنَّـما أولادُنَا أكـبادُنا ………. أرواحُنا تمشي على الأرضِ
إِنْ هَبَّتِ الريحُ على بعضِهِمْ…امتنعتْ عيني عَنِ الغَمْـضِ
منذ أيامٍ ودّع الداعية الإسلامي الدكتور إياد قنيبي ابنته “سارة” ذات الـ 13 ربيعًا وواراها الثرى، بعد صراع دام عامين مع مرض السرطان حتى جاءها وعد الحق من الله {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185]، وقد رثاها بكلماتٍ عند قبرها تذيب الحديد، ومهما اختلف الناس مع د. قنيبي في قليل من توجهاته فلن يختلفوا معه في إنسانيته ومشاعر الأبوة التي ذرفت من أجل فلذة كبده.
لقد جاء مشهد الوداع – وتوابعه – محملًا بالعبر ومواطن إعمال النظر وسباحة الفكر، فما يرويه الداعية عن استقامة صغيرته الراحلة وحسن علاقتها بربها وحرصها على التعبد حتى في أحلك ظروف المرض وذكرها لله وصبرها واسترجاعها وحمدها لربها، يشير إلى أن الرجل لم يكن كأولئك الدعاة الذين يجوبون ميادين الدعوة ويجعلون حصونهم مهددة من الداخل، ويجعلون نساءهم وأبناءهم أبعد الناس عن التعرض لجهدهم الدعوي، فقد أحسن تربيتها على تعاليم الإسلام والالتزام بها.
والله تعالى يأمر نبيه بدعوة أولي القربى {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]، ويوصي بذلك أمة الإسلام، وهي أمانة في عنق كل رب أسرة كما جاء في الحديث (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا).
أعطانا إياد قنيبي درسًا في الصبر، فها هو في تلك اللحظات الصعبة التي يودع فيها ابنته في الحياة الدنيا، يحدث الحضور عن فضل الله ومنته على ابنته بأن توفاها على الخير إضافة إلى أنها ماتت قبل سن التكليف، وعن رجائه رحمة ربه في أن يُحسن هو فيما تبقى له من العمر ليرافق ابنته في جنات النعيم مصداقا لقول الله تعالى {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ } [الطور: 21].

وجدتني أستحضر مع هذه المشاعر التي تدفقت تجاه المشهد المهيب ذلك الحديث الذي يحمل أعظم البشريات للصابرين على فقدان الولد، (إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته : قبضتم ولد عبدي ؟ فيقولون : نعم فيقول : قبضتم ثمرة فؤاده ؟ فيقولون : نعم فيقول : ماذا قال عبدي ؟ فيقولون : حمدك و استرجع فيقول الله تعالى : ابنوا لعبدي بيتا في الجنة و سموه بيت الحمد). ألا فليبشر أخي إياد بفضل الله تعالى وعاقبة الخير للصبر على المكاره وفقدان الأحبة.
ولم يتخل عن مهمته في الدعوة إلى الله تعالى والوعظ والنصح، فوجّه الناس إلى العناية بتربية أبنائهم والأخذ بأسباب الهداية لهم باعتبارها أفضل ما يقدمه الوالد لولده.
تلك موعظة لكل داعية ومصلح، أن يكون العمل للدين همه الأول في أحلك الظروف، لا تبعده عن ذلك الطريق حالة ولا أزمة، وهكذا دعاة الرحمن قديمًا وحديثًا، فيوسف عليه السلام يدخل السجن فيكون همه الدعوة إلى الله فيتوجه بها إلى المساجين {يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [يوسف: 39، 40].
وسيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم لدى موته يغدق على المؤمنين بالوصايا في آخر أنفاسه كما تقول أم سلمة ” كان من آخر وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم , حتى جعل نبى الله صلى الله عليه وسلم يلجلجها فى صدره , وما يفيض بها لسانه “.
وعمر الفاروق رضي الله عنه عندما طعن في محرابه، كان همه أن يتم الناس الصلاة فقدم من خلفه عبد الرحمن بن عوف إمامًا، ويرى أحد الشباب مسبلًا إزاره فأرشده إلى رفعه قليلًا استنانًا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم فهو أنقى لثوبه أرضى لربه.
وحيا الله الرجل الذي كتب يشكر الناس على دعواتهم ويدفع عن أذهانهم سوء الظن بربهم، فما أكثر ما ابتهلوا إلى الله من أجل شفاء ابنته، لكنه لم يكتب لها الشفاء، بل أعطاها الله تعالى الصبر على البلاء والرضا بالقضاء والاستقامة على الطاعة في جميع الأحوال، والميتة الهنية على ذكر الله تعالى، واعتبر أن كل هذا من ثمرات الدعاء، حرصا منه على حسن ظنهم بربهم.
وصدق الدكتور إياد، فلا يشترط لإجابة الدعاء أن يتم حصول المطلوب بعينه والله تعالى أعلم وأحكم، وفي الحديث الصحيح (” ما من مسلم يدعو، ليس بإثم ولا بقطيعة رحم إلا أعطاه إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها).
وكأمٍ تعرف ما يعنيه غياب الولد، أذكر أخي الداعية إياد قنيبي بقول الله تعالى {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 – 157].
كما أوصيه ونفسي وإياكم بالاستعانة بالصبر والصلاة كما أمر ربنا عز وجل، روي عن ابن عباس أنه أُخبِرَ بوفاة ابنٍ له وهو في سفر فاسترجع وقال: عورة سترها الله، ومؤنه كفاها الله، وأجرٌ ساقه الله تعالى، ثم نزل فصلى ركعتين ثم قال: قد صنعنا ما أمرنا الله تعالى به، قال تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاة.
رحم الله فقيدة الصبا “سارة قنيبي”، وألهم أهلها الصبر والسلوان، وألحقهم بها في جنات الخلد، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
16°
20°
الأربعاء
20°
الخميس
20°
الجمعة
20°
السبت

حديث الصورة

كاريكاتير

كاريكاتير.. الأقلام المأجورة