احسان الفقيه: لماذا نصطف مع أحد طرفي النزاع؟! (قطر في الحصار وحزب أردوغان.. نموذجين)

12 فبراير 2018 14:22
أردوغان يشكر قطر أميرا وشعبا لوقوفهم إلى جانب تركيا

هوية بريس – احسان الفقيه

لماذا نُلزم أنفسنا أن نظهر مصطفِّين مع أحد طرفي النزاع (على اعتبار انه أقل سوءا من الآخر) إن كان الطرفان على باطل؟ (الانحياز الى قطر بعد الحصار عليها، والاعجاب بتجربة حزب العدالة والتنمية بتركيا، نموذجين)..
بعث إلي أخٌ كريم أحترمه وأقدّره (بل وطلبتُ منه رأيه بما أكتب لثقتي به)، بهمسة عتاب مُزيّنة بجميل الأدب..
هو يراني أقف بخندق بعض أطراف النزاع في مواجهة أطراف أخرى، يرى أنها، أنه ليس بين تلك الأنظمة اختلاف أو فرق في نأيها عن تطبيق الشريعة وفي تبعيتها للغرب، وحجته في ذلك أنها (شرعنة) للباطل ومعارضة لما ينبغي أن نكون عليهم من إنكار بالقلب لتنحية الشريعة.

فكتبتُ إلى أخي ردّا يحمل إليه قناعاتي ومنهاجي، أحببت أن يُشاركنا القارئ قراءته، فقلت بعد ردّ التحية والسلام:

أُثمّن لكم رسالتكم المُفعمة بالحرص على الدين والأمة الإسلامية، وعلى العين والرأس ما تفضلتم به من إبداء وجهة نظركم تجاه الواقع الحالي والتعامل معه، فأحببت أن أبادلكم الحروف، وأبعث إليكم بردي المتواضع الذي يعبر عن قناعاتي الشخصية.
ربما إذا أردت أن أختصر الفرق بيننا لقلت: أنت ترى اللونين الأسود والأبيض فحسب، وأما أنا فأُبصر بينهما ألوانا أخرى.

أوافقك الرأي في محورية مسألة تنحية الشريعة، وأن الأنظمة العربية والإسلامية نائية عن التطبيق المنشود للشريعة الإسلامية، وأنها غارقة في الانبطاح والتبعية للغرب، على اختلاف فيما بينها في قدر التقارب والتباعد، ولكن هل نتجاهل تفاوت هذه الأنظمة في مدى الانحناء للنظام الدولي الذي عبّرتَ عنه؟

لو نظرنا في كتاب الله سنجد أن اعتراف القرآن بنزاهة بعض اليهود في أداء الأمانات لا يفيد قطعا إقرارهم على باطلهم {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} [آل عمران: 75].

إني لأجد في التراث الإسلامي ما يبطل هذه النظرة، فشيخ الإسلام ابن تيمية مثلا رغم اختلافه مع الأشاعرة يرى أنهم يمثلون أهل السنة في الأماكن التي ليس فيها سواهم.
ألا يلهمنا ما سبق ضرورة التفريق بين الأنظمة بحسب قربها أو بعدها عن الحق؟
وهل تُعد نصرة المظلوم إقرارا له على ما يحمل من باطل؟
وهل يستوي نظام يحمل من القُصور ما يحمِل ويحتمي بغير المسلمين بسبب ضعفه، وهو مع ذلك يدعم بماله أهل غزة، ويستقبل المضيوم الذي تلاحقه بلاده، هل يستوي مع نظام له باعٌ طويل في كل أزمة تندلع في المنطقة، ويمول الانقلابات ويدعم الثورات المضادة، ويدير شبكة للتصوف السياسي لمواجهة السلفية، ويدعم الدكتاتوريات المختلفة في المنطقة؟

لقد أحسنت أخي في معرض حديثك عن أطراف النزاع قائلا: “في الصراع الإماراتي-السعودي –القطري…هل أيٌّ من الأطراف “على حق”؟ يقينا لا” ثم وضعتَ بين قوسين عبارة: (من وجهة نظري)، فالأمر كما تفضلتَ وجهات نظر، لكل منا رأيه ولكل منا حجته.

يا دكتور، أنت أعلم مني بفقه المصالح والمفاسد واختيار أهون الشرين وتحقيق المصلحة قدر الإمكان، وكل ذلك تدل عليه القواعد الفقهية، فإذا ما دعّمنا الأقرب إلى الحق في قضاياه العادلة، فلا أراه سوى الحق الذي جاءت به الشريعة، خاصة إذا تعلق الأمر بمصالح الشعوب، فهل ترى مثلا أن الحصار الجائر على قطر يُلزمنا بعدم نصرة القطريين لأن نظامهم داخل في منظومة الاستعباد وفق تعبيرك؟ وماذا عن الشعب
القطري المظلوم الذي تتخطفه الهواجس وتؤرقه مخاوف الغد الذي يتهدده الحصار؟

وهل يمكن أن نتجاهل حقيقة كوْن الحصار على قطر جزءًا من صفقة القرن؟ وهل يمكن تجاهل كوْن قطر بابا من أبواب الخير يتنفس من خلاله أهل غزة الصعداء؟

إن المساواة بين الظالمين جوْر، وحتى الجزاء الأخروي يختلف باختلاف الجرائم حتى مع الكفار، فالكافر المحارب لن يحاسب كالكافر الذي لم يُبد عداوة ولا صداقة، والاثنان لن يكون حسابهما كحساب الكافر الذي ينصر الحق والخير بدوافع إنسانية ونحو ذلك.

وأما النموذج التركي فأرى أنه يسدد ويقارب، ويسير بصورة تدريجية نحو إعادة فرض الحياة الإسلامية في تركيا وهذا مُشاهد لا يستطيع أحد إنكاره، وتعلمُ جيدا مدى سطوة العلمانية الأتاتوركية وذلك الميراث الثقيل الذي ورثه حزب العدالة والتنمية، والذي يقتضي التعامل بحكمة مع مظاهر الحياة العلمانية.

أستاذي لو ألزم الدعاة أنفسهم بتلك المفاصلة التي تحدثت عنها بتلك النبرة القاتمة، فماذا عن الجماهير؟ كيف سنضمُّهم إلى خندقنا ونحن نطالبهم بتلك المفاصلة التي لا يمتلكون مقوماتها ولا أدواتها ولا يملكون بالأصل تصورات صحيحة عن دينهم وتعاليمه؟

إنني ككاتبة ذات مرجعية إسلامية، (لستُ مفكرة ولا عالمة ولا طالبة علم ولا داعية)، لا همّ لي سوى عودة هذه الأمة إلى مجدها النابع من تمسكها بدينها، وليس التمحور حول تطبيق الشريعة وحده هو الطريق وإن كان أصلا وأساسا، فالغاية هي تعبيد الناس لرب العالمين، وتطبيق الشريعة وسيلة لهذه الغاية، بحسب دراساتي المتواضعة.

يا دكتور، كل ما أكتب إنما ينبثق من توجهي القائم على مواجهة أكبر خطرين يهددان الأمة، وهما خطر المشروع الصهيوني والمشروع الفارسي، وعملاء المشروعين من ليبراليين وعلمانيين يُجاهرون بعدائهم وبحربهم لكل ما هو إسلامي، وما من شيء أكتبه إلا ويصبّ في صالح هذه المواجهة بصورة أو بأخرى، فهما الأساس في معاركي الفكرية في تويتر وغيره.

وختاما: لم نختلف فيما أرى في ثابت من ثوابت الدين أو أصوله، ويبقى بيننا ود الأخوة، فكلانا حول كلمة الحق يدندن، وفقنا الله وإياكم إلى ما يحب ويرضى، ورزقنا الله واياكم الاخلاص في القول والعمل، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
ـــــــــــــــــــــــــ

أختكم الكاتبة احسان الفقيه

آخر اﻷخبار

التعليق

حديث الصورة

كاريكاتير