الأساس الديني للأحزاب.. عندهم وعندنا



عدد القراءات 1173

الأساس الديني للأحزاب.. عندهم وعندنا

هوية بريس – جمال زويد (كاتب بحريني)
حققت في أواخر شهر سبتمبر الماضي المستشارة أنجيلا ميركل الفوز بولاية رابعة في سدّة الحكم في الجمهورية الألمانية. وبحسب النتائج المعلنة فإن تحالفها المكوّن من حزبين اثنين اكتسح الانتخابات بنسبة تقارب الـ(33%). مع ملاحظة أن مفهوم الاكتساح في عموم عالمنا العربي والإسلامي لابد وأن يتجاوز حاجز الـ(90%) إن لم يكن (99.9%).
المرأة الحديدية هو أحد الألقاب التي يطلقها الأوروبيون على المستشارة أنجيلا ميركل، لكن اللقب الأشهر لها بين الألمانيين هو (الأم)؛ تلقت التهاني من الجميع وأعلنت هي فرحتها بهذا الفوز، كما لم تخف أنها كانت تأمل في تحقيق ماهو أعلى من هذه النتيجة. لكن هذا هو حال الانتخابات في تلك الدول المتحضرة حيث يجري احترام شرعيتها ونتائجها والنزول إلى مخرجاتها حتى لو كانت بمثل هذه النسبة البسيطة التي تتيح لصاحبها تولّي الرئاسة في دولة عظمى في حجم ألمانيا لها مكانتها وثقلها وقوتها السياسية والاقتصادية والعسكرية المعروفة على مستوى العالم.
على أن قراءتنا لنتائج الانتخابات الألمانية لاتتوقف عند نسبة الفوز القليلة (33%) التي أفرزتها صناديق الاقتراع، وإنما هنالك شيء آخر لابد من التوقف عنده والنظر إليه بتمعن وتأمل، يتعلق بهويّة التحالف الفائز بهذه الانتخابات، المكون من حزبين: الأول هو الاتحاد الديمقراطي المسيحي. والثاني: الاتحاد الاجتماعي المسيحي. وهما الحزبين الدينيين الذين يشكلون كتلة شعبية واسعة في البرلمان الألماني (البوندستانغ) منذ عقود من الزمان.
الحزب الديمقراطي المسيحي تترأسه الفائزة الآن بولاية رابعة المستشارة أنجيلا ميركل. تأسس في العام 1945 بهدف “تجميع كافة القوى المسيحية الألمانية الخارجة من أتون الحرب العالمية الثانية في تجمع واحد”. ويُعد أقدم وأكبر حزب سياسي من حيث عدد المنتمين له بألمانيا، ويُعزى لهذا الحزب (الحزب المسيحي الديمقراطي) الفضل في ثلاثة تحولات تاريخية مرت بها البلاد، هي: النهوض بألمانيا، وإعادة بنائها اقتصاديا بعد خروجها مدمرة من حربين عالميتين، وتوحيد شطري البلاد عام 1990 بعد سقوط جدار برلين. وسبق لهذا الحزب أن حكم ألمانيا في فترتي حكم المستشارين كونراد أديناور (1949-1963) وهلموت كول (1982-1998) وها هو الآن يدشن ولايته الرابعة التي بدأت منذ العقد الماضي.
الحزب الديمقراطي المسيحي (الحاكم) يعرّف نفسه بأنه حزب ”يملك مفهوماً سياسياً قائماً على الديانة والقيم المسيحية وعلى مسؤولية الفرد أمام الله“.
وأما الحزب الاجتماعي المسيحي فهو يُعدّ الشقيق الأصغر للحزب الحزب الديمقراطي المسيحي؛ تأسس أيضاً في العام 1945 وبسط سيطرته على منطقة بافاريا التي صار يفوز على الدوام بانتخاباتها فيما ترك بقية مناطق ألمانيا للحزب الآخر. توجهه الديني المحافظ لايقلّ عن نظيره وحليفه، فهما -الحزبان- يجسدان تأثير الدين على السياسة بألمانيا التي تعطي للمذهبين البروتستانتي والكاثوليكي دور المرجعية ويشكلان في كثير من الحالات مواقفهما وتوجهاتهما السياسية.
الأحزاب التي تقوم على أساس ديني في أوروبا كثيرة، بعضها في مقاعد المعارضة، وبعضها تدير مؤسسات مجتمعها المدني، وأخرى على سدّة الحكم والرئاسة كما في هذا النموذج الألماني. ويحدث هذا بينما الإعلام الغربي ومعه بعض الإعلام العربي والإسلامي المنهزم يردد على مسامعنا مصطلحات (فصل الدين عن السياسة) ويروّج لها ويعمل على إشاعتها في مجتمعاتنا الإسلامية بغية أن تكون واقعا أو حقائق مسلـّم بها في التعامل والتداول. ويحذّر بعض الإعلاميين والساسة في عالمنا العربي والإسلامي من خطورة مايطلقون عليه مصطلح (الإسلام السياسي) وينشرون أن ساحات العمل السياسي والمشاركة في آليات اتخاذ القرار لاينبغي أن يلجها أحزاب لها أساس ديني باعتبار أن الإسلام -حسب الفهم الذي يروجون له- دين (دراويش) لايصلح للخوض به في غمار السياسة والاقتصاد و… إلى آخره بينما في أوروبا ديانتهم المسيحية تشكل عموداً فقرياً في أساسات ومنطلقات وممارسات وأهداف تكوينهم لأحزابهم السياسية المقرونة حتى أسماءها بمسمى ديانتهم (المسيحية) والتي بلغت أنشطتها وفاعليتها حدوداً كبرى في مجتمعاتهم أوصلتهم لقيادة بلدانهم، كما هو الحال مع المستشارة أنجيلا ميركل رئيسة الحزب الديمقراطي المسيحي في ألمانيا التي فاز حزبها مع حليفه –أيضاً– الحزب الاجتماعي المسيحي أواخر الشهر الماضي في انتخاباتهم للمرّة الرابعة على التوالي.
سانحة:

بأنفسنا نقزّم ديننا ونضعف هويتنا ونتخلّى عن لغتنا بينما الآخرون يُعلون من شأن هذه الثوابت.

لا يوجد تعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق