الإنجيليون الأمريكيون.. السياسة الدينية للمال والقدس

07 يناير 2018 10:58

 طارق الحمودي – هوية بريس

ما السبب في إعلان ترامب “القدس” عاصمة لإسرائيل؟

ما الذي يفسر سرعة متابعة دولة مثل “غواتيمالا” للولايات المتحدة الأمريكية في إعلان نقل سفارتها إلى القدس؟

ما علاقة كل ذلك بشراء أحد الخليجيين للوحة “مخلص العالم” لدافينتشي؟

وما هي قصة “قلعة ماساد“؟ وما علاقتها بـ”الهرمجدون“؟

القدس عاصمة إسرائيل

‹‹إن الله يريد من الأمريكيين نقل سفارتهم من تل أبيب إلى القدس،لأن القدس هي عاصمة داوود››، هكذا صرح الكاتب اليهودي المتنصر”مايك إيفينز-Make Evans” في ثمانينيات القرن الماضي، واستجاب له “دونالد ترامب” قبل أيام،ولذلك لم يكن الأمر مفاجئا لمن يعرف حقيقة الأمر، فما فعله “ترامب” لم يكن إلا استجابة تدفعها عقيدة راسخة جعلها الإنجيليون قطب رحى سياساتهم في العالم، قيام إسرائيل،ثم استكمال القيام بجعل القدس عاصمتها،ثم بناء هيكل سليمان الثالث،والذي يعد المسمار الأخير في نعش الحق الفلسطيني على الأقل من وجهة نظر صهيونية، فهل ما نتج عن إعلان ترامب كان إعلانا من طرف واحد عن بداية النهاية؟ وهل كانت ردود الأفعال العربية والإسلامية دالة على ضعف في فهم طبيعة القضية الفلسطينية؟أوكان الأمر على عكس ذلك دالا على عمق في النظر ووعي دقيق بمجريات شريط الأحداث التاريخية والدينية؟

   هي القضية الفلسطينية، هي نفسها قضية عودة المسيح الثانية من السماء، والتي تعد أحد أعمدة الفكر الإنجيلي الذي تتبناه طوائف النصرانية الإنجيلية في العالم، وهي نفسها قضية المعبد الثالث الذي سيكون القفل الأكبر على القضية كلها، لقد كان بنيامين نتنياهو رئيس دولة إسرائيل دائم الحضور في المشهد الصهيويهودي العالمي،فحينما كان سفيرا لإسرائيل في الأمم المتحدة اعترف أمام الصهاينة الصليبيين بأن الحلم الذي راود اليهود 2000 سنة حققه لهم النصارى الصهاينة! وسيكون شاهدا على مراحله الأخيرة بإعلان ترامب القدس عاصمة لدولته، فمن هم هؤلاء نصارى الصهاينة؟

الإنجيليون الصهاينة   

تعد الكنيسة البروتستانتية حركة إصلاحية رافضة لما آلت إليه النصرانية على يد الأرثودوكسية والكاثوليكية على وجه الخصوص، وقد كان أهم ما يميزها استرجاعها للعمق التوراتي في الفكر النصراني،والعودة العنيفة إلى العهد القديم، والذي تطور إلى حال أعنف وأكثر تطرفا على يد طوائف منبثقة من الخط البروتستانتي ولدت في أحضان الفرع الإنجيلي، وستكون صورته الأكثر تطرفا في الولايات المتحدة الأمريكية، حيثستكتسحالنصرانية الإنجيلية70 مليون أمريكي بقدر ثلث السكان باختلاف ديانتهم وأعراقهم، وتقوم عقيدتهم على الإيمان الحرفي بما في العهدين،وتقام طقوس الصلوات عندهم في تجمعات كبيرة غالبا، يشبه أن تكون صلوات احتفالية مرافقة بموسيقى قد تكون من نوع “الروك” أحيانا،وتمتلك هذه الحركة قنوات تلفزية ومجلات بمداخيل خيالية من جيوب المنتمين إليها، وقد طبعت لها كتب بالمئات بل بملايين النسخ المبيعة!

غواتيمالا …بعد واشنطن

   لا تقتصر هذه الحركة على النشاط الطقوسي والدعوي في أمريكا،بل تجاوزته إلى دول أخرى قريبة وبعيدة، ومن المهم التنبيه على أن أكبر دولة انتشر فيها الفكر النصراني الإنجيلي هي “غواتيمالا“، حيث بلغ عدد الكنائس نحوثمانية عشر ألفا بمئات القساوسة الذين يعدون بمثابة الأنبياء الموحى إليهم، ولذلك لا يستغرب أن تكون “غواتيمالا” أول دولة تعلن نقل سفارتها إلى “القدس” بعد إعلان “ترامب“، وهو دليل على التأثير القوي لهذا الفكر في صناعة السياسة، مع التنبيه على أنهم يعدون “العهدين” كتابا سياسيا من الدرجة الأولى، وفيه كل الأجوبة التي تواجهنا اليوم كما قال “رونالد ريغن” الرئيس الأمريكي السابق!

لا سلام.. إلا بعد تنصر اليهود!  

يصدر “ترامب” إعلانه في وقت بلغت فيه “فكرة السلام” بين المسلمين والصهاينة أدنى مستوياتها، وليس ينقصها إلا الإجهاز عليها بالتصريح المعلن بكون السلام هرطقة وخرافةلا تحقق شيئا ما لم يعد المسيح الرب كما يقول الإنجيلي المتعصب “جيم روبيسون” ومثله “جيري فالويل“.

   يؤمن “الإنجيليون” بأن الرب المسيح سيعود في آخر الزمان،ولن يكون ذلك إلا بعد قيام دولة إسرائيل، حتى إذا عاد رفع إليه المؤمنون في السماء. وينظر لهذا كتابThere’s A New World Coming” لهال ليندسي الصادر سنة 1973م، والذي عرض محتواه في قصة مصورة قصيرة،وتقبله اليهود مسيحا مخلصا، ولذلك حث هؤلاء النصارى الصهاينة اليهود في العالم للاستيطان في فلسطين ومصادرة ما أمكنهم من أرض كما تقول “كريس هرسل“،وستكون حينها حرب نووية مدمرة،ينال ضررها اليهود أنفسهم كي يقبلوا بالمسيح مخلصا، ومن الجدير بالتنبيه عليه أن هؤلاء الصهاينة إنما يسعون لقيام الدولة الإسرائيلية بغض النظر عن موقفهم من اليهود، وليست إسرائيل ما يهمهم،بل المصلحة العليا لأمريكا الصليبية كما يقول “فالويل“،إضافة إلى أن قيام “دولة إسرائيل” عندهم دليل على صدق الإنجيل، والذي يعني أن إسرائيل لا بد أن تتمدد لتشمل مساحتها ما بين نهري النيل والفرات كما هو منصوص “العهد الجديد“.

الهرمجدون

هي “معركة هرمجدون” المذكورة في نبوءة “حزقيال” إذن، والتي ينتظرها الصهاينة بعد التمكين لليهود في إسرائيل كما في العهد القديم،فهم “كباش الفداء” لقيام مملكة الرب، لكن وفق ما جاء في العهد الجديد هذه المرة، فعلى اليهود أن يقاتلوا أعداء المسيح،ولذلك يجب تسليحهم حتى “مناخرهم” كي لا يكون مصيرهم مصير “يهود قلعة ماساد” الذين انتحروا بعد حصار طويل لهم من قبل كتيبة رومانية.

   لوحة”مخلص العالم”..يشتريها المخلَّص منه

في الخليج العربي،تشترى لوحة “مخلص العالم” لدافنتشي إن صحت نسبتها إليه بـ450 مليون دولار،المخلص الذي سيقود معركة هرمجدون،ويخلص العالم من الروس والصينيين والمسلمين، وفي الخليج العربي،تهدر الأموال،وتهدر معه قضية أرض فلسطين وبيت المقدس باعتبارها قضية ثانوية،وعدونا -على لسان “هال ليندسي-Hal Lindsey” في كتابه “The Late Great PlanetEarth“ص156من طبعة سنة 1980م- يعتقد أن “إسرائيل” ستكون القضية الأكثر تأثيرا في أحداث المستقبل.

الهيكل …الصهيوني

   لقد حاولت أن يكون المقال جامعا،لكن الموضوع أكبر منه بكثير،وفيه مسائل ومباحث وجزئيات جديرة بالتعرف عليها وقراءتها وتحليلها،فنحن أمام “صفقة” كبرى بين الصهاينة وبين أطراف ستفضح قريبا، لأن هؤلاء الإنجيليين لا يحسنون التكتم دائما، ولا الصبر على ما يريدونه صبرا دائما،فلهم فلتات في لحن قولهم وربما صرحوا لاستفزاز الآخرين،ولا يسعني قبل الختم إلا أن أذكر أن اليهود قد أعدوا أساسات المعبد السليماني،وهم يعدون أحبارهم ويعلمونهم طريقة التضحية بالخرفان على طريقة أجدادهم ويعدون لهم ألبستهم من الحرير الخالص في انتظار هدم المسجد الأقصى وقبة الصخرة لبناء الهيكل الثالث.

سؤال أخير..للموضوع التالي!

ولي سؤال أخير له أهمية استراتيجية واقتصادية ودينية كبيرة بالنسبة لكل دولة تريد الدخول إلى أفريقيا مثل المغرب وهو: ما هو حجم ودور الكنيسة الإنجيلية في كل من أفريقيا …وفرنسا؟ وللجواب عن هذا السؤال …أحتاج إلى مقال آخر.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حديث الصورة

صورة.. جماهير الرجاء تنتقد إدخال الدارجة إلى المقررات الدراسية بطريقتها الخاصة

كاريكاتير