البوليساريو.. نيران إيران ودخان التشيع



عدد القراءات 3526

البوليساريو.. نيران إيران ودخان التشيع

مصطفى الحسناوي – هوية بريس

كان يا ما كان

في خضم الحديث عن قطع العلاقة مع إيران بسبب ما قيل إنه تدخل من حزب الله في قضية الصحراء المغربية.
تذكرت حدثا وقع معي نهاية سنة 2011، كنت حينها في مؤتمر بتونس، وطلبت مني قناة “المنار”، الإدلاء لها بتصريح عن القضية الصحراوية وجماعة البوليساريو، فتحدثت في كلمة مقتضبة عن الملف، من وجهة نظر تدين تقسيم المنطقة وتجزيء عالمنا العربي والإسلامي، ضمن سياسة تقسيم المقسم وتجزيء المجزء، وكان هذا هو خطاب الحزب وذراعه الإعلامية أيضا، أي وحدة الأمة والتصدي لكل مايقسمها.
قال لي الصحافي أن التصريح سيمر ضمن النشرة الإخبارية لذلك اليوم، فلم يمر طوال نشرات ذلك اليوم ولا اليوم الموالي، فتواصلت معه مستفسرا، فاعتذر أن التصريح لن يتم بثه لأسباب لايعرفها.
لم أفهم حينها أي وجهة نظر وأي علاقة مشتركة، يمكن أن تجمع جماعة دينية شيعية راديكاليا جهادية، مع تنظيم علماني شيوعي ماركسي ثوري، لدرجة أن تصريحا عاديا لم يتم بثه؟

بالمقابل بثت إذاعة تركية مقابلة لي معها مطولة، عن نفس الموضوع، في نفس اليوم.

نيران ودخان أم إيران ودخان؟

دائما ما توجه لإيران تهم من طرف خصومها، تتراوح بين تصدير الميليشيات وتصدير أدبيات الثورة مرورا بتصدير التشيع، عبر سوريا ولبنان وعشرات القنوات المتخفية تحت ستور الفكر والأدب والثقافة والفن والإعلام…، بعض تلك الاتهامات يكون صحيحا واضحا مثل شمس النهار، وبعضها يحتاج لتجلية حجب الضباب عنه، وبعضه مجرد تخمينات واتهامات، لكن لايوجد دخان من غير نيران كما يقال.

إعلان المغرب عن قطع العلاقة مع إيران، هو تلك النار التي اشتعلت فجأة بعد أن هدأت لفترة، لم تصرح السلطات بأي تفاصيل أو معطيات أو أدلة وبراهين وحجج، لذلك كل ماسنتحدث عنه هو من باب تتبع ذلك الدخان المنبعث.

لحد الساعة كل ماصرحت به السلطات، ممثلة في وزارة الخارجية، هو تورط “حزب الله الشيعي” في إرسال أسلحة إلى جبهة البوليساريو عن طريق “عنصر” في السفارة الإيرانية بالجزائر، تورط قال عنه وزير خارجية المغرب ناصر بوريطة، إن بوادره بدأت  منذ سنتين وبناء على حجج دامغة، وتحديدا عام 2016 حين تشكلت لجنة لدعم الشعب الصحراوي في لبنان برعاية حزب الله، تبعتها “زيارة وفد عسكري من حزب الله إلى تندوف”، ثم جاءت نقطة التحول حسب وزير الخارجية دائما، في 12 مارس 2017 حين اعتقل في مطار الدار البيضاء قاسم محمد تاج الدين بناء على مذكرة اعتقال دولية صادرة عن الولايات المتحدة تتهمه بتبييض الأموال والإرهاب، وهو أحد كبار مسؤولي مالية حزب الله في إفريقيا، ليختم الوزير لائحة الاتهامات الموجهة للحزب بإرسال صواريخ سام 9 وسام 11 أخيرا إلى بوليساريو.

ماذا حدث سنة 2016 في لبنان؟

أواخر 2016 كنت نشرت خبرا عن ندوة دولية، تم تنظيمها في العاصمة اللبنانية بتاريخ 25 نونبر 2016، بعنوان: “الصحراء الغربية آخر مستعمرة في إفريقيا”، واختياري لهذه الندوة للتمثيل بها سببه أولا: أني كتبت عنها في ذلك الحين، وثانيا لارتباط تاريخها بالتاريخ الذي ذكره الوزير بوريطة، وإلا فالندوات التي عقدت وتعقد قبل ذلك التاريخ وبعده، والأنشطة والمؤتمرات واللقاءات، في لبنان وبتنسيق مع نشطاء لبنانيين، لايمكن حصرها في نشاط وحيد كالذي نتحدث عنه.

البوليزاريو.. نيران إيران ودخان التشيعالندوة شاركت فيها الناشطة الصحراوي النانة لبات رشيد، ومن صفحتها اطلعت على النشاط ثم بحثت عن باقي المعلومات، وهي كالآتي:
الندوة نظمتها تمثيلية جبهة بوليساريو في المشرق العربي بتنسيق مع اللجنة العربية للتضامن مع الشعب الصحراوي ومتضامنين لبنانيين يشارك فيها وفد صحراوي يقوده عضو الامانة الوطنية والوزير المستشار برئاسة الجمهورية البشير مصطفى السيد الوفد يضم:

الكاتبة والناشطة النانه لبات الرشيد، التي شاركت بمحاضرة عن المرأة الصحراوية وثقافة المقاومة .

الوزير المكلف بالعلاقات مع العالم العربي الشيخ ماء العينين الشيخ لكبير

وممثل الجبهة في المشرق العربي مصطفى محمد الامين
حضر الندوة عدد من المثقفين والساسة في سوريا وسفيري الجزائر في دمشق وبيروت .
وقدمت الكاتبة والصحافية اللبنانية ليلي بديع عيتاني محاضرة بعنوان: التضامن المتواصل من لبنان مع الشعب الصحراوي.

هناك روايات تشكك في هذه الأنشطة التي تمارس تحت غطاء الفكر والثقافة، وتقول أن وراءها “حزب الله”، الذي يوظف وجوها فكرية وثقافية من أجل التموية.

من هي ليلى بديع (الزمان)؟

علاقة الكاتبة اللبنانية، ليلى بديع بالبوليساريو تتجاوز الأربعة عقود، فقد كانت أول من استقبل مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، الولي مصطفى السيد، في رحلته الشهيرة إلى بيروت سنة 1972، لحشد الدعم لجماعته، فأقسمت ليلى بديع أمام مصطفى السيد أنها ستدعم قضيته، وكانت حينها تشتغل بالصحافة فكتبت العديد من المقالات الداعمة، ومنذ ذلك الوقت وإلى يومنا هذا وهي صوت البوليساريو في لبنان.

البوليساريو.. نيران إيران ودخان التشيعوقد زارت المخيمات في تيندوف مرات عديدة، كان يستقبلها فيها عبد العزيز المراكشي شخصيا، وتم تكريمها من طرف البوليساريو، وكانت آخر زيارة لها لحضور فعاليات المؤتمر الاستثنائي للجبهة بعد وفاة محمد عبد العزيز المراكشي، وألقت كلمة بالمناسبة استهلتها بالقول:

أيها السادة والسيدات، مشاركتي في المؤتمر الاستثنائي للجبهة الشعبية، مفروضة علي بحكم استثنائية الوضع في الصحراء الغربية بعد رحيل الشهيد محمد عبد العزيز.

وتقدمت قبل شهر فقط مطلع أبريل الماضي، بالتعازي للشعب الصحراوي بعد وفاة الدبلوماسي في جبهة البوليساريو البخاري أحمد .

أي علاقة بين التشيع والبيضان؟

تنامت في السنوات الأخيرة موجة التشيع في الوسط البيضاني عموما، وفي صفوف الانفصاليين بشكل خاص، وتوجد حسابات عديدة على مواقع التواصل الاجتماعي لنشطاء صحراويين، يعلنون تشيعهم وولاءهم لإيران وتمجيدهم لحزب الله، بل اعترف أحد المتراجعين عن معتقدهم الشيعي وهو شاب صحراوي من مدينة الداخلة، أن هناك أشخاص وحسابات فيسبوكية مدعومة ماديا ومعنويا من إيران، وهذا المتراجع اسمه سيدي الداهي.

المدونون ونشطاء الفيسبوك من الانفصاليين الصحراويين سواء المتشيعين أو المتعاطفين مع الشيعة أو إيران أو حزب الله، كثر ولا ندري حجم التشيع هناك لدى البوليساريو ولا حجم الاختراق، وليست هناك أرقام أو إحصائيات عن ذلك، ولا مستوى التعاون والتنسيق، وتبقى هذه التدوينات التي يمكن أن توجد في أي مجتمع، مجرد إشارات ومؤشرات ودخان نحاول تتبعه، للاهتداء إلى تلك النيران التي تحدث عنها الوزير بوريطة.

نختم بتدوينات تصب في هذا الاتجاه للناشطة النانه لبات رشيد، كتبتها منذ اندلاع هذه الأزمة.

كتبت النانة مباشرة بعد قطع المغرب العلاقة مع إيران: “يقول المغرب أن حزب الله يدعمنا، ونقول نحن أن لارجال إلا رجال حزب الله”.

وفي تدوينة أخرى: “إننا نقض مضجع الطغاة، وهلع إسرائيل من حزب الله يعادل هلع المغرب من البوليساريو”.

وختمت بتدوينة أخرى: “ستنتهي حرب اليمن وعود سوريا شامخة كما كانت، وتظل إيران نظيرة أمريكا النووية في الشرق الأوسط، وتتآلف قلوب الفرقاء عند قبة الأقصى.. وتبقى صحيفة المغرب سوداء وأثره نتن عند كل هؤلاء”.

فهل حقا يراهن النشطاء الصحراويون على حزب الله والحوثي وسوريا وإيران؟ ولماذا؟

في البدء كانت ولا تزال إيران

بعد أربع سنوات من إعلان البوليساريو قيام “جمهوريتها”، اعترفت إيران بهذه الجمهورية فكانت القطيعة مع المغرب سنة 1980. وبقيت العلاقة بين المغرب وإيران في مد وجزر، كانت إيران في محطات عديدة، داعمة للمشروع الانفصالي، تارة بوضوح وجلاء، وتارة بالكثير من بهارات التقية.

في سنة 2009 وبعد قطع العلاقة مجددا بين البلدين، شنت إيران هجوما شرسا على المغرب، واهتبلتها فرصة للتدخل في قضية الصحراء.

وفي سنة 2012 عقدت جلسات لجنة تصفية الاستعمار التابعة للأمم المتحدة حيث ناقشت اللجنة تقرير الأمين العام للأمم المتحدة المقدم إلى الدورة ال67 للجمعية العامة حول آخر تطورات القضية الصحراوية، ودعا مندوب إيران السيد محمد خزاعي الأمم المتحدة تحمل كامل مسؤولياتها تجاه استكمال مسار تصفية الاستعمار من الأقاليم ال16 المدرجة ضمن جداول أعمال اللجنة الرابعة، وحث الدبلوماسي الإيراني  على استغلال العقد الدولي الثالث للقضاء على الاستعمار (2011-2020) لوضع حد للاستعمار، وشدد على أهمية التوصيات الواردة في الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة السادس عشر لرؤساء دول وحكومات حركة عدم الانحياز الذي عقد في إيران في شهر غشت، والوثيقة الختامية للاجتماع الوزاري السابع عشر في شرم الشيخ بمصر.

وفي أواخر سنة 2013، بثت قناة الميادين الشيعية، تقريرا مسيئا للوحدة الترابية للمملكة، واتهمت المغرب باحتلال، أسمته الصحراء الغربية.
وفي سنة 2015 بثت القناة الرسمية الإيرانية “بريس تي في (Press TV)”، فيلما وثائقيا قصيرا، بعنوان “نحن متمردون في الصحراء الغربية”، تم تصويره داخل مخيمات البوليساريو، ويتضمن شهادات لصحراويين ينددون بما سموه احتلال المغرب للصحراء.

ورغم تعقيب سفارة طهران بالرباط، على ما ورد في البرنامج الوثائقي بالتأكيد على: “المواقف الواضحة والشفافة للجمهورية الإسلامية الإيرانية تجاه قضية الصحراء”، مؤكدة دعم بلادها “لقرارات منظمة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن في نزاع الصحراء”.

إلا أن مواقفها اللاحقة والسابقة تنسف هذا التعقيب.

سنة 2015، أشاد سفير إيران بالجزائر، رضا عامري بـ”المواقف الثابتة للجزائر تجاه القضايا العادلة ومنها قضية الصحراء، لدعم الحلول السلمية لكثير من الأزمات”.

وفي سنة 2016، أصدرت منظمة “شيعة رايتس ووتش”، تقريرها السنوي حول ما تعتبره انتهاكات حقوقية تطال الشيعة في المغرب، وأوردت خريطة المغرب مبتورة.

ثم انتهت هذه العلاقة المتوترة، الأسبوع الماضي بإعلان قطع العلاقات مجددا، لتكون هذه المحطة حلقة في سلسلة أيهما السبب وأيهما النتيجة النار أم الدخان؟

 

لا يوجد تعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق