التحاق أستاذ الفلسفة بداعش.. ثنائية الجهاد والإرهاب!!!



عدد القراءات 1257

هوية بريس – إبراهيم الطالب

تابعت الكثير من ردود الفعل التي أعقبت التحاق أستاذ للفلسفة  بداعش، وأول ما أثار انتباهي هو هذا التعجب والاستغراب الذي عبر عنه الكثيرون، بحيث لم يتفهموا كيف يمكن لأستاذ فلسفة أن يلتحق بتنظيم إرهابي.

لكن في الحقيقة هم أحق بهذا الاستغراب لأمرين:

أولا: لأنهم يرددون كلاما كالببغاوات من قبيل: الفلسفة أم العلوم وتوفر آليات التفكير مما يجعلك تتصف بالحكمة والاتزان، فكيف لأستاذ الفلسفة أن يلتحق بداعش الإرهابية!!؟ وما إلى ذلك من الهذيان.

ثانيا: لأنهم لم يجدوا تفسيرا لهذا الحدث سوى في نفسية الأستاذ وظروف عيشه، التي قد تكون متأزمة سوداوية، نتج عنها يأس أدى إلى اتخاذ قرار الالتحاق بداعش، ما يعني أنه نوع من أنواع الانتحار.

ولعل أعجب العجب هو من هذا التسلط الفج المستبد الذي تمارسه على عقول الناس هذه التفسيراتُ الموجهة بالسياسة والإعلام وآلاف المقالات طيلة قرابة العقدين من الزمن، تريد أن تلبس الحق لبوس الباطل لتختل المفاهيم، وتطيش العقول، ولتخفي وراءها حقائق عظاما سنتطرق إليها لاحقا.

إن المقاربة الْيَوْمَ للفعل الجهادي يجب أن تتجاوز مثل تلك التحليلات التسطيحية التي هي أقرب إلى تأملات الأطفال في ملكوت الله سبحانه، حيث يحسبون القمر مماثلا لمصباح العمود الكهربائي في حيهم.

كما يجب علينا ونحن نناقش معضلة التحاق شبابنا بساحات القتال أن نتجاوز الارتهان إلى التخوفات الأمنية، وفلسفة قانون الإرهاب، إلى فسح المجال للقراءات والتحليلات الجادة وإن أغضبت الدول الغربية ومن يعمل بمنطق إما أن تكون معي أو تصنف عدوي.

كما لا ينبغي -على الأقل- للباحثين والعلماء والمثقفين أن يتماهوا بالكامل مع التحليلات والقناعات التي تمليها مراكز الدراسات الممولة من طرف واضعي سياسات القوى المتحكمة في مصائر الدول من خلال لعبة الأمم، والتي انخرطت فيها حكومات الدول الإسلامية تحت مسمى محاربة الإرهاب بقيادة أمريكا راعية الإرهاب “الحداثي” “الديمقراطي”.

فالغرب لن يغير موقفه من الإسلام العملي المتكامل الذي يعتبره عدوا لحضارته الليبرالية، ومهددا لقيمه الحداثية، ويوسوق له بين أبنائه على أنه يشكل خطرا على الإنسانية، بما يحمله من شريعة مناقضة في تفاصيلها لقيم حقوق الإنسان والديمقراطية، التي تضمن بقيمها التعايش والأمن والسلم الاجتماعي، وهلم جرا وسحبا وسحلا للشعارات والأماني، التي تُغتصب يوميا بأسلحة أمريكا وإنجلترا وروسيا والاتحاد الأوربي جميعه وكل دول الفيتو دائمة العضوية في مجلس الأمن، والتي لم تكتف بما سفكته من دماء شعوب العالم العالقة في بياض عيون ساستها ومفكريها الذين اكتسحوا العالم ونشروا فيه الحرب طيلة قرنيين كاملين وزيادة.

 إن الجهاد والإرهاب من حيث هما مفهومان مؤطران للفعل القتالي، لم يكونا أبدا غائبين على الساحة التدافعية الدولية طيلة قرون مديدة.

والباحث المستقل الذي ينأى بنفسه عن الاستئجار والاستغفال والاستحمار، يصل إلى حقائق موضوعية دون تأثير اصطفافه العقدي أو الإيديولوجي في صدقية بحثه.

ففي سنة 1914 وإبان الحرب العالمية الأولى كانت كل الدول الإسلامية محتلة من طرف الدول الإمبريالية، ونتيجة لاختلاف المصالح -كما هو الشأن الْيَوْمَ في العراق وسوريا-، ونظرًا لقلة العساكر وكثرة الجبهات، اضطرت الدول المحتلة إلى استغلال المسلمين من خلال تحريك حميتهم الدينية وتوظيف النصوص الشرعية الداعية إلى جهاد الكفار والمعتدين، فصنعت من أبناء الأمة الإسلامية جيوشا يقاتلون في صفوفها باسم الجهاد.

فالمغاربة والتونسيون والسنغاليون والجزائريون يقاتلون في صفوف دول الوفاق، والدول التي لا تزال تحت الحكم العثماني تقاتل في صفوف دول المحور، كل ذلك باسم “الجهاد”.

لم تكن وقتئذ فضائيات ولا شبكة عنكبوتية ولا فضاء أزرق ولا أخضر ولا أحمر، لكن كانت المجلات والخطب والاجتماعات والجرائد والمنشورات الدعائية حاضرة بقوة، حيث أسست ألمانيا في برلين “وكالة أنباء الشرق”، وأصدرت جريدةً سمتها “الجهاد”  كتبت تحت عنوانها عبارة مهمة وغزيرة الدلالة: “جريدة أسبوعية تخدم المسلمين الذين قاتلوا جبرا مع أعدائهم ضد محبيهم الألمان”، وعلى يمين العنوان كُتب جزء من الآية: “وقاتلوا” وعن يساره تتمتها “في سبيل الله”، وغيرها من الآيات المحرضة على الجهاد والإخلاص والتقوى.

في هذا الوقت بل قبله بسنوات قليلة قامت ألمانيا بدعم السلطان المولى عبد الحفيظ -الذي كان يسمى سلطان الجهاد-، لأنها رأت في ذلك تهديدا للمصالح الفرنسية في المغرب -كما يقول الشيخ المختار السوسي في معسوله-، وبعد فشله وعزله من طرف فرنسا، دعمت بالمال والسلاح والنصيحة حركة المجاهد ماء العينين -رحمه الله-، واستمرت في تأييد حركته الجهادية بعد موته داعمة ابنه أگليد(*) أحمد الهيبة، وذلك بوساطة القائد سعيد الگلولي ومِن بعده أخوه القائد عبد الرحمن، نظرا لكون القائدين يتوفران على الحماية القنصلية الألمانية.

في الآونة نفسها كان مفتي الخلافة العثمانية يفتي بالجهاد، رغم أن حركة الاتحاد والترقي العلمانية الماسونية هي من كان يباشر الحكم في البلاد بعد عزل الخليفة عبد الحميد الثاني، وكان الشيخ محمد الخضر حسين وشكيب أرسلان وكثير من الكتاب والعلماء يدعمون حملة الجهاد ويؤازرون المجاهدين ويؤيدونهم بكل وسيلة، في حين كان الجنرال ليوطي في جبال الأطلس الكبير والمتوسط والصغير يقاتل المجاهدين أمثال أحمد الهيبة في معركة بوعثمان، وموحا وحمو الزياني في معركة الهري، وموحا وسعيد الويراوي في معركة مرامان، وموحا أحنصال في معركة بويحي؛ بدعوى أنهم خوارج على السلطان مولاي يوسف، ويسوغ لجيوشه سفك دماء المغاربة وقتل الأطفال والنساء، وكاليوم تماما كانت جريدة  “السعادة” الناطقة باسم الاحتلال تنعت كل أولائك المجاهدين بالإرهابيين.

فهم مجاهدون عند الألمان وهنغاريا ويستحقون التأييد لأنهن وقفوا في وجه احتلال بلدانهم وأبوا أن يحكمهم الكافر، كما كانت تنشر جريدة الجهاد الألمانية، في حين هم مجرد  إرهابيين عند الفرنسيين والإنجليز همجيين متخلفين لأنهم يقاتلون من جاء لينشر العلم والحضارة في بلدانهم.

التحاق أستاذ الفلسفة بداعش.. ثنائية الجهاد والإرهاب!!!سيطول المقال، وهو طويل، إذا فتحنا ملف الجهاد الأفغاني الأول وتشجيع أمريكا للسعودية وتنسيقها الكامل معها ودعمها الكبير لحملتها الجهادية خلال سنوات القتال على الجبهة الأفغانية، وتوظيف كل أدبيات الجهاد وأحكامه في إرسال شباب الأمة إلى ملاحم أفغانستان لإيقاف التمدد السوفييتي في بلاد المسلمين، المهدد للمصالح الاستراتيجية الأمريكية فيها.

إن المطلع على تاريخ حروب الغرب في بلاد المسلمين بالأمس القريب، والمتتبع لما يجري على أرض المسلمين الْيَوْمَ، يوقن أننا ما زلنا نشكل حكوماتٍ وشعوبًا عناصرَ غير مؤثرة في مجريات الأحداث، حيث يتم توجيه طاقات الشباب المسلم المتطلع إلى الكرامة والعيش تحت راية الإسلام من جديد، واستغلالها لتشكل جيوشا تباد في أتون المعارك الخاسرة.

والتي هي في النهاية معارك بالوكالة عن القوى الغربية من أجل تغيير خريطة العالم الإسلامي وفق مستجدات المصالح الاستراتيجية للدول الإمبريالية.

فبؤرة القتال العراقية الشامية الْيَوْمَ تشتعل بين المسلمين بأسلحة الغرب، وتدار المعارك وفق مسارات ترسمها وزارات الدفاع ووكالات الاستخبارات الصهيونية والأمريكية والأوروبية.

فعندما اقتضى الأمر تجميع شباب المسلمين للقتال ضد النظام السوري، وفِي ذروة الحرب العالمية ضد الإرهاب التي تقودها أمريكا والغرب، اجتمع العلماء من كل ربوع البلدان الإسلامية في القاهرة بتيسير من دولهم واستخباراتها، وأفتوا بالجهاد، وفتحت بعدها الحدود في كامل ربوع المعمورة للشباب، مع تسهيلات كبيرة من شرطة المطارات، وتوالت أمواج المجاهدين لتملأ المعسكرات وساحات القتال يوميا، ولتنتج لنا في النهاية هذا الوضع المأساوي، حيث يقتل المسلمون بعضهم بعضا، بسلاح لم يصنعوه ولا يملكون قطع غياره، سلاح يصنع في أمريكا ودول الغرب الحداثية، المحاربة زورا للإرهاب، ويباع لمافيا السلاح المرتبطة باستخباراتها ويهرب بأمان ليستقر في أيدي داعش وغيرها، توزعه على شباب المسلمين ليتفانوا ويدقوا بينهم عطر منشم -على حد تعبير الشاعر زهير-.

كل يوم ناقلات السلاح تعبر الحدود والمياه الإقليمية والدولية نحو بلدان الإسلام المحترقة، تقابلها في الجهة الأخرى ناقلات النفط المسروق من ثروات الأمة ومن أرض المسلمين ليستقر في خزانات مصانع الأسلحة التابعة للدول الغربية.

ثم بعدها مباشرة تعقد هذه الدول المحبة للسلام مختلف الاجتماعات الاستخباراتية والمؤتمرات الفكرية والثقافية وتخطب أمام الشاشات منددة بالإرهاب؛ وضاغطة على الدول الإسلامية من أجل سجن أبنائها وزهرة شبابها؛ لأنها صنفتهم إرهابيين ومتطرفين؛ ثم تلح على علمائنا أن يعيدوا قراءة نصوص القرآن والسنة حتى نعطي اليقين لهم أننا نحارب الإرهاب، مشددة كذلك على ضرورة تغيير محتويات المقررات الدراسية في البلدان الإسلامية من أجل أن يسود التعايش وتقطع شعوبنا مع ثقافة القتل والدماء، وتعتنق الأجيال عقيدة تُسوي بين “الذين أنعمت عليهم” والمغضوب عليهم والضالين.

وللأسف الشديد، ستستمر الحال كما استمرت في بداية القرن العشرين حتى تنضج الظروف على الأرض لإرساء خريطة سايس-بيكو جديدة رسمت خطوطها مرة أخرى بدماء المسلمين.

ويعيد التاريخ نفسه؛ من العلامة محمد الخضر حسين رحمه الله الذي كان يخطب بالجهاد في صفوف ألمانيا إلى الشيخ القرضاوي الذي ترأس مؤتمر الجهاد بالقاهرة، ومن حملات أوربا العسكرية إلى حرب أمريكا على “الإرهاب”، بعد قرن من الزمن يعيد التاريخ نفسه، لنرى المسلمين مرة أخرى وقودا لنيران الحرب لا يعلم القاتل فيهم لِمَ يَقتل أخاه ولا المقتول منهم لِم قُتل.

إننا في حاجة إلى مثقفينا النزهاء وعلمائنا الشجعان العاملين بمساعدة الحكماء من الحكام والسياسيين للقيام بتخليص مفاهيمنا الشرعية من هذا اللبس الماكر الذي تمعن الدوائر المشبوهة في إلصاقه بها، نحتاجهم في توجيه بوصلة الشباب التائه الذي يتهافت كل يوم على حياض الموت كتهافت الفراش الحالم بالنور والدفء على ألهبة النيران.

نحتاج مجهوداتهم حتى لا تؤسس الدول الغربية على جماجم أبنائنا عروشا لرؤساء سيحكمون في مرحلة “ما بعد الحرب العالمية على الإرهاب”، بعد أن تتقاسم دول الفيتو دويلات الشرق الأوسط الكبير وتوزع دولنا مناطق نفوذ بينها مرة أخرى، تمامًا كما حكم أمثال بورقيبة والقذافي وبومدين مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

لست معنيا في هذا المقال أن أصنف الإرهاب أو أميزه عن الجهاد والمقاومة، ولست معنيا بتصنيف الجماعات المسلحة أو الحديث عن تواطئ الدول مع الغرب، لكن ما يهمنا هو تسليط الضوء على بعض الحقائق أهمها:

أ- أن شباب الأمة الذي يقتل ويسجن هم ثروة الأمة وأملها، لا ينبغي بحال أن نسلمهم لمخططات الغرب الذي لن يغير استراتيجيته في الهيمنة على الشعوب والدول الإسلامية.

ب- أن الغرب لن يكون أبدا حليفا صادقا للدول الإسلامية مهما قدمت هذه الأخيرة من التنازلات؛ بل يحرص على بقائها منخرطة في مشاريعه الحربية والاستراتيجية والثقافية لضمان عدم انفلاتها من قبضته، وبالتالي ضمان تبعيتها له في قراراتها السيادية، ما يعني تكريس تخلفها وضعفها وحاجتها الدائمة إليه.

ج- أن مفهوم الجهاد وأحكامه لا ينبغي التفريط فيه لا من طرف العلماء ولا الحكام، لأنه يمثل العقيدة الحربية لدى الشعوب الإسلامية وستحتاجه الأمة ودولها في مستقبلها كمخزون محفّز للمقاومة والدفاع عن حوزة البلاد والدين والمقدسات، فلا أمان لدولنا ولا شعوبنا من أطماع الغرب.

د- أن الفكر الحربي للأمم الغربية لا يتعامل مع الإرهاب بصدق، بل يصنعه ويحارب به الصادقين، ويهيئ بالمعارك المجال والظروف لإرساء مشاريعه في بلداننا.

وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.

——————

(*) وتعني بالأمازيغية السلطان، وقد بايعته فعلا قبائل الصحراء وسوس وبعض قبائل الحوز.

1 تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق