التصميم الذكي.. مدخل إلى قراءة إسلامية

07 أبريل 2019 11:36

هوية بريس – طارق الحمودي

وقعت عيني قديما على الفيلم الوثائقي “الكشف عن سر الحياة” (Unlocking the Mystery of Life Intelligent Design)، والذي كان قائما على رفع الستار عن نظرية علمية جديدة مزاحمة لنظرية التطور الداروينية الإلحادية، وهي نظرية اشترك في التأسيس لها علماء ذوو خلفيات دينية وملاحدة تطوريون سابقون تقوم على ملاحظة الكائنات وما فيها من تعقيد ودقة في التركيب والوظائف اصطلحوا على تسميتها “التصميم الذكي”،وقد وصف الدكتور محمد باسل الطائي أتباع هذه النظرية بـ”حركة التصميم الذكي” وعرفها بقوله: (حركة فكرية أمريكية تحاول فهم العالم بكونه قائما على أساس التصميم المبدع الذي يتطلب ذكاء مميزا، ولدت هذه الحركة في أعقاب الصراع المجتمعي والقانوني الذي حصل بين العلمانيين الأمريكيين والمؤمنين الكنسيين خلال العقد الأخير من القرن العشرين)، وعلى هذا ملاحظة مهمة وهي أن الصراع كان ولا يزال بين العلمانيين الملاحدة الأمريكيين وبين المؤمينين الإنجيليين لا الكاثوليكيين الذي يرجحون نظرية التطور الداروينية ومعهم ملاحدة سابقون تحولوا إلى نصراينة أو الربوبية وهي الاعتراف بوجود الخالق المدبر دون الإيمان بالوحي والنبوات.

كان أول ما أثار انتباهي حديث الدكتور مايكل بيهي (Michal.J.Behe) -والذي عرفت حينها أن له كتابا بعنوان”صندوق داروين الأسود، تحدي الكيمياء الحيوية لنظرية التطور[1]“- عن محرك دقيق جدا مع ذيل دوار مركبين على جدار البكتيريا (Bacterial Flagellar Motor)،وهي أجزاء لا ترى إلا بالمجهر الإلكتروني،وكان الحديث عن وجود “تركيب معقد خير قابل للاختزال“، فقد كان المحرك مركبا تركيبا منظما من نحو ثلاثين قطعة، وكان السؤال: أليس هذا تصميما من جهة ذكية؟

كان هذا السؤال كافيا لإثارة حفيظة أنصار “خرافة التطور” – كما يسميها الدكتور إياد قنيبي في سلسلته الرائعة “رحلة اليقين“، والتي أرجو الله تعالى أن يعاد نشرها مترجمة باللغات الأجنبية،وكان هذا السؤال بالنسبة لي شخصيا سببا لإعادة النظر في كثير من مواقفي- بل غلا الداروينيون في موقفهم المعادي إلى درجة ممارسة الإرهاب النفسي والقانوني على أصحاب نظرية “التصميم الذكي“..بل ربما التهديد بالاعتداء البدني.

بعد استيعابي لما وقفت عليه،حاولت استعادة خيوط المسألة في ذهني،كانت تترائى أمامي أسماء كتب ومؤلفين، وأحداث وشخصيات، وقضايا ونظريات لها علاقة من قريب أو بعيد بهذا الكائن النظري الجديد…التصميم الذكي، وفي هدوء يناقض حالة الاندهاش التي كانت تعتريني قصدت رفوف مكتبتي، وبدأت أبحث بين العناوين عن كتاب له محبة خاصة في قلبي…مددت يدي وأخرجته من موضعه …كان مكتوبا على غلافه “مفتاح دار السعادة ومنشور دار الولايةلابن القيم، وأسرعت أصابعي تقلب الصفحات بحثا عن موضع سبق لي مطالعته فيه وكان متعلقا بالحديث عن النظر في المخلوقات وصنعة الله فيها بدأ من الأفلاك والكواكب والنجوم والهواء والنار والأرض وما عليها من جبال ونبات وحيوان مع التنبيه على دقائق الخلق وعجائبه قاصدا جعل ذلك دلائل على وجود الخالق سبحانه وتعالى، كل ذلك في مائة وثنتي عشرة صفحة مليئة بأنواع من النظر العقلي المفضي إلى يقينيات كونية.

لم يكن ابن القيم بدعا في هذا فقد سبقه فلاسفة الإسلام ومتكلموهم إلى التنبيه على ذلك،بل كان المشروع الكلامي لأبي الحسن الأشعري قائما في أساسه على النظر في المسألة الطبيعية المتعلقة بالنظرية الذرية الموروثة عن الفكر العلمي اليوناني عن طريق المعتزلة، ولكن كل ذلك لم يكن له تأثير في نفسي بالعمق الذي أحدثه نظري الجديد في مبادئ نظرية “التصميم الذكي” التي أرغمت دموع عيني على تبليل لحيتي.

بدأت رحلتي في البحث عن مزيد من المعلومات المتعلقة بالموضوع،وراجعت كتابا سبق لي مطالعة بعضه وهو “الإسلام يتحدى،مدخل علمي إلى الإيمان” لـ”وحيد الدين خان”، وازداد تعلقي بالموضوع مع تجذر الفكرة في نفسي،إلى أن قدر الله لي ملاقاة أستاذ جامعي أمريكي نصراني فوجئت بكونه كاثوليكيا على خلاف المعهود عن النصارى الأمريكان،وكنت سألته عن نظرية “التصميم الذكي” ورأيه فيها في مراسلة إلكترونية، فكان من جملة ما راسلني به تساؤل يخص مدى ملاءمة هذه النظرية للوسط الإسلامي، وهو ما جلعني أحرص على لقائه شخصيا وكان ذلك، وفوجئت مرة أخرى أنه ممن يعتقد صحة نظرية داروين التطورية لكن بطريقة دينية،بحيث يعتقد أن هذا التطور موجه من الله تعالى، مع تشكيكه في علمية نظرية “التصميم الذكي“،فاشتبكت هذه المستجدات في ذهني،ثم سنحت لي قضية أرجو أن يكون له محل مقبول وهي: هل يمكن أن يكون لنظرية التصميم الذكي صياغة إسلامية؟

كنت محتاجا لمزيد من البحث والنظر،فوقع بيدي كتاب “التصميم الذكي،فلسفة وتاريخ النظرية” للدكتور ستيفينماير وترجمة محمد طه وعبد الله أبولوز، فرحت ألتهم صفحاته التهاما بعيون مركزة على السطور كحالة الذاهل، وهالني ما وجدته من معلومات وتحليلات ثقيلة ودقيقة،وزاد من تعلقي به وأنسي به أنني وجدت به تذكيرا بالفيلم الوثائقي الذي رأيته فرُدِدت إلى سابق،واندفعت بنهم محاولا أن لا أصل إلى نهاية الكتاب، والذي كان يبدو لي غير كاف بعد قراءة الصفحات الأولى منه وصغر حجمه بين يدي،ولكنني كنت عازما على أن أقرأه قراءة غائص ناقد…لكن ربما كان غير ذلك، فأسلمت نفسي له دون أدنى مقاومة.

كنت أسمع حديث كثير من الباحثين عن “علم الكلام الجديد” و”دقيق الكلام وجليله“، وكنت أستصحب دائما سؤال العلاقة بين هذا وبين نظرية “التصميم الذكي” إلى أن وقفت على كتاب الدكتور محمد باسل الطائيدقيق الكلام الرؤية الفلسفية لفلسفة الطبيعة“، فعلمت أن إمكانية الملاءمة بين النظرية والنظرة الإسلامية لحقيقة الخلق ودلائله الطبيعية ممكنة..بل واجبة.

ابتدأ ستيفينماير كتابه “التصميم الذكي“بالحديث عن “أنتوني فلو” الملحد السابق الذي تحول إلى مؤمن بحقيقة الخلق مؤلفا كتابه المشهور “THERE IS A GOD”مضربا على كلمة “NOT”،ثم أنهى ستيفين كتابه بأنتوني فلو أيضا مقتبسا منه عبارة: (اتبع الدليل إلى حيث يقودك) أي دون وضع قيود على ذلك مثل..أن لا يقودك ذلك إلى الإيمان بوجود خالق للكون..!

لقد دعانا الله تعالى في كتابه إلى النظر في الكائنات بعين التدبر والتأمل في مواضع كثيرة من القرآن للترقي الدلالي من مقام ملاحظة “الكائن” إلى مقام مشاهدة “المخلوق“، وهو الطريق الفطري الصحيح والوحيد الموصل إلى الإيمان بالخالق جل وعلا، بعيدا عن الطرق الكلامية المجردة القائمة على بعض القضايا والصور المنطقية الضعيفة أو غير المناسبة التي اقتصر على سلوكها كثير من المتكلمين المسلمين، وترفع عنها كثير منهم كما هو حال أبي بكر ابن العربي، وهو أحد المتكلمين المتحررين الذين لم يكونوا منتسبين إلى مدرسة كلامية معينة، فقد آثر النظر الفطري في المخلوقات وملاحظة دقة الصنعة وخصائصها التي حاول أمثال ابن رشد استنباطها مثل دليل الاختراع ودليل العناية وتابعه عليها ابن تيمية وابن القيم.

كان الإلحاد ولا يزال،سوى أنه يأخذ دائما شكل الإناء الذي يجعل فيه،فله مظاهر مختلفة وتجليات متنوعة،والإلحاد اليوم خلاف الإلحاد قديما يعيش أصعب مراحله،فقد كان علماؤنا السابقون يتكلفون الاستدلال لإبطال أقوال الملاحدة فتطيش كثير من سهامهم وتضل كثير من احتجاجاتهم،واليوم يكفي أن تضع أمام الملحد حقيقة من حقائق دقائق الخلق والإبداع في الكائنات وتسأله شرح ذلك ليخنس شيطانه منكمشا في خيبته، ويرجع إلى نفسه باللوم والتأنيب أو يندفع كهيئة الحيوان الجريح لا يلوي على شيء،وإن كلفه ذلك الإجابة بأسخف الخرافات كما فعل ريتشارد داوكينزإمام الملاحدة اليوم حينما سأله بين ستاين (Ben Stein) عن مصدر التصميم الذي أقر داوكينز بوجوده فأجابه بأنه من المحتمل أن يكون مصدرهكائنات فضائية..!!!

هناك موجة من الإلحاد تجتاح بلاد المسلمين نتيجة للزالزل التي أحدثها الإلحاد الأمريكي والأوروبي في الفكر الإنساني،وأزعم أن عندنا فرصة تاريخية لرد هذه الموجة وإضعافها إلى حد كبير إذا ما أعدنا النظر في خطاب النظر الطبيبعي في التراث الإسلامي وتطويره وملاءمة نظرية التصميم الذكي لمقتضيات المناسبة في الثقافة الإسلامية، سيكون علينا حينها وضع آليات قوية وصناعة أدوات وظيفية تمكننا من الفهم الصحيح والتبليغ السليم لتحصيل الأثر المراد برد الشباب خاصة إلى منطق التفكير الفطري وتحرير العقل من الخرافة الإلحادية.

ـــــــــــــــــــــــــــ

[1]ترجمه إلى العربية وراجعها مجموعة من الباحثين.

كلام لابن العربي في الأحكام (2/285) و(2/402)

مراجعة ما كتبه ابن القيم في مفتاح دار السعادة وما كتبه جمال الدين القاسمي في دلائل التوحيد.

ابن رشد الحفيد ودليل العناية والاختراع.

 

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
23°
21°
الأربعاء
20°
الخميس
20°
الجمعة
20°
السبت

حديث الصورة

كاريكاتير

كاريكاتير.. الأقلام المأجورة