التعريب ذلك البريء المتهم المجحود…



عدد القراءات 794

فن افتعال التهمة بين الافتراء والاجتراء

هوية بريس – محمد بوقنطار

ربما كان من المناسب أن أوطئ بين يدي الكلام عن قضية التعليم وإشكالية إصلاحه وهيكلة قطع غياره بدء بالمنظومات الاستعجالية المترادفة في نعي سابق وعبث لاحق، ومرورا بالمعلم والمتعلم ووقوفا على أسوار المدرسة التي لعب طلاء الصباغة المسترزقة والمستجداة على واجهتها ما تلعبه مستحضرات التجميل على وجه عجوز شمطاء قد رسمت الأيام على وجنتيها خطوطا وخيوطا وأخاديد ضاربة في العمق والتوازي والتقاطع، فكانت أي هذه العجوز تنظر في المرآة وتوجه النظر وتجيله في بقايا وأطلال معالم جمال وشباب ولّى مدبرا ولم يعقب…

قلت كان من المناسب أن أوطئ بين يدي الموضوع بقصة أرى أن لها إسقاطا وقياسا بغير فوارق مع إرسال التهم الثقيلة وترادف الإدانات بخصوص قضية تعريب المناهج التعليمية أو تدريس أمة بلسانها العربي المبين على أدق تعبير، في مقابل ذلك الوقوف على هذا التطفيف القديم المتجدد الذي يرفع لغة المستعمر إلى منزلة الترياق ومفعول العصا السحرية المتلقفة لكيد المعربين، ويمنحها في غير ذرة شك ولا مخامرة ريب أو احتمال غرو دور المفتاح الذي يملك فتح أبواب التفوق والتميز والتمكين…

إنها قصة حصلت لصديق قبل موفى صيفنا المنصرم، إذ فضل هذا الصديق قضاء عطلة عمله رفقة زوجه وأبنائه في مركب سياحي بمدينة مراكش الحمراء، حيث رفض المسؤولون على المسبح هناك السماح لزوجه العوم بلباس ساتر اشتهر في الأوساط المحافظة وغيرها بلباس “البوركيني”، وبعد معارضة لجوجة من صديقي وإلحاح قوي منه، وإصراره على معرفة سبب الرفض هذا، أسرّ له أحد العاملين بكون الإدارة اتخذت هذا القرار القاضي بمنع البوركيني، مباشرة بعد الذي حصل من خصومة وتلاسن وشكوى مرفوعة من جناب زوجة رجل ذي حجرة وازنة في عالم التجارة أو السياسة كانت ترتدي لباسا سافرا عبارة عن “بيكيني” ضد أخرى كانت ترتدي لباس العوم الساتر “البوركيني”.

ولسنا مع هذا السرد المبتسر لأحداث قصتنا الواقعية مهتمين كبير الاهتمام بمناقشة حل أو حرام رحلة صديقي، أو جواز من عدم جواز اختياراته في طريقة استهلاك أيام عطلته وهدر ساعات راحته السنوية، فهذا أمر على أهمية توجيهه تأباه شرطية المناسبة، سيما وأن حسنة ترتيب الأولويات والاستجابة لقرينة المناسبة والسياق تدعونا إلى التعريج عن ذكر ما أفضت إليه شكوى صاحبة البيكيني ضد صاحبة البوركيني وما ترتب على هذا من حجر ومنع واعتساف وتحيز لفئة ضد أخرى في دائرة مشترك المواطنة، ثم ربط النتائج والأسباب والمسببات وإعمال القياس للكشف عن علاقة التوطئة بقضية التعريب ومزاعم الإصلاح القائمة القاعدة المنبطحة المتسفلة الجنب.

 وذلك طبعا من جهة الوقوف بعجلة على ما آلت إليه القصة من أحكام مشمولة بالنفاذ المعجل انتصرت للسفور على الساتر والمستور، كما انتصرت بالقياس والمثال والمضارعة جهات جاوزت رضعاتها من لبان الاستغراب حد الشبع الموثق للأخوة والبنوة على غير وفق العرق والدم الدساس، انتصرت وانحازت لمشروع فرنسة منهاج المنظومة التعليمية ببلادنا وتبيئة لغة المستعمر القديم والتمكين لها ولأهلها وذويها من البعيدين والمحليين من بني الجلدة، من أولئك الذين يعتبرون أو ينطلقون في إطار رؤيتهم من قاعدة أن الوافد أو كل الوافد الغربي هو بمثابة المسلمات والقطعيات التي يجب التحاكم إليها، بل وأن يحاكم إليها كل وجود معرفي سواها خصوصا ما كان منه ينتمي إلى الماضي،  حتى وإن كان هذا الوجود المعرفي قرآنا يتلى بفرضية التلقي وواجب التدبر وحسنة التدارس وقداسة التنزيل وعلو المنزلة في وجدان الأمة من مليار المكلفين.

ولسنا في هذا الطرح أو غيره ننكر على أحد إقباله على تعلم الألسن الغيرية، والتبحر في فرائد اللغات المبنية، أو نحتج على اختيارات الدولة في مناهجها الأكاديمية إيثار تكريس مصاحبة ومرافقة اللغات الأجنبية ذات السلطان العلمي للغتنا الأم إن هي راعت الأصل والفرع وضبطت جرعات الحصحصات التعلمية بين هذا الأصل وذلك الفرع، وحددت من التابع ومن المتبوع، فلا شك أن ذلك من جنس ما كان ويكون وسيكون نفعه أكبر من إثمه، ولنا في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري بتعلم السريانية حتى يقرأ له الرسائل التي تأتيه بهذه اللغة، الدليل الأوفى على حسنة هذا الإقبال وما يلزم معه من نهل وتعدد روافد وترصد معرفة…

لقد نسي حاملو مشروع الفرنسة، وتبيئة اللغة الأجنبية خارج إطارها الجغرافي، أن مشروع التعريب لم يسبقه عدم، ولم تنبجس عيون مائه بغير ضرب بعصا على يد إتراف المنظومة الفرنسية لمناهج التعليم ببلادنا، بل لم يكن توطينه من باب العبث الذي تحكمه ارتجالية التجريب، بله هو عند من لا تزال باحات ذاكرته تحيِّن سوالف الأحداث والمحطات الجسام لم يأت إلا بعد فشل منظومة الفرنسة وتداعي جدرانها، والإعراض عن تأويل أضغاث أحلامها الكرطونية، وتهافت مقدمات نتائجها الكارثية.

ولكننا وللأسف قوم لا ذاكرة لهم ولا احتساب، احترفت طائفة منهم وتلبست بمشاعر ومبادئ استصغار واحتقار وتقويض الشيء المحلي لسانا كان أم دينا أو صناعة أو فكرا، فلا قبلة ولا صوب لرؤيتهم الصرفة إلا نحو ما تحسست أيديهم في جهته وذاته برودة الصقيع الغربي الوافد المتسلل لواذا إلى مختلف محاريبنا العلمية والمعرفية والأدبية في كل زمن وحين.

لقد نسي أو تناسى متهمو التعريب وملاسنوه ومخاصموه ومعادوه وفاتحو جبهات الحرب على تجربة أعوامه السمان، من الذين استمرؤوا جعله شماعة يعلقون عليها أسمال التهم المترادفة في غير انقطاع ولا نضوب، متى ما تحدثوا عن فشل التعليم وتداعي الجدران المعرفية والعلمية لمدرستنا المغربية والعربية على وجه العموم،  نسي هؤلاء أن تجارب عربية ناجحة أثبتت تميزها وتفوقها وتمكنها في مجال سبقها إلى تعريب مستوياتها التعليمية من الابتدائي إلى الجامعي، بل كان لها التفوق المعرفي والميداني حتى في مشروع وحسنة استعراب كليات الطب والهندسة والعلوم الإنسانية الأخرى.

وليس الكلام من باب الرجم بالغيب أو إلقاء الكلمة مجردة عن عواهنها وشواهدها المحسوسة، فقد أثنى وامتدح الدكتور لاليمان الأستاذ في كلية طب مونبيليه في تقييم طُلب منه في عام 1849 من طرف ابراهيم باشا والي مصر لطلاب مدرسة الطب المعربة والذين كان من بينهم الطالب ثيودور بلهارز مكتشف  طفيلي البلهارزيا في نفس الجامعة سنة 1851، كما اكتشف فيها الأستاذ كرايسنجر طفيلي الانكلستوما، بل تحكي نتائج دراسة الطب بالعربية بالأرقام والنسب حقيقة تحسن الوضع الصحي في البلد، بل النجاح في بناء تشكيلة من الكوادر الطبية الممتازة، ويذكر في هذا السياق أن هذه الكوادر قامت بتأطير وتكوين وتدريب 2500 حلاق مصري على تطعيم الأطفال وغيرهم في القرى النائية والمعزولة عن العمران ضد الجدري حيث سجلت الأرقام هبوطا محمودا لنسب الإصابة بهذا الداء الخطير.

 وليست مصر وحدها التي انفردت بهذه التجربة الناجحة للتعريب، بل نجد العراق والأردن والسودان كانت لهم البصمة ذات الأثر في هذا الشأن، ولنعرج على تجربة ناجحة في هذا المقام وهي التجربة السورية والمنتقلة من تدريس الطب باللغة التركية إلى تدريسه باللغة العربية وكان مهد واستهلال هذه التجربة الفريدة مبكرا، حيث أصر الأساتذة المؤسسون سنة 1919 على أن تكون اللغة العربية هي لغة التدريس رغم معارضة المستعمر الفرنسي.

وهكذا نجد أن التجربة السورية أغنت المكتبة العلمية العربية بمجموعة من الكتب الطبية والمعاجم العلمية المهتمة بالمصطلحات الطبية وتطورها، وقد تطور المستوى الدراسي إلى درجة تفوق فيها المتخرجون من الأطباء باللغة العربية، مقارنة مع خريجي بعض الجامعات التي تُعلم طبها باللغة الإنجليزية، وتمثل هذا التفوق وشهدت له امتحانات الدراسات الطبية العليا التي تجرى في انجلترا أو في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك بالنسبة للأطباء الذين يرغبون في مواصلة دراستهم المتخصصة أو ممارساتهم الطبية في انجلترا وأمريكا، ففي سنة 1983 بلغت على سبيل المثال نسبة الناجحين من الأطباء السوريين المعربين حوالي الخمسين في المائة، بينما لم تتجاوز النسبة الأربعين في المائة بالنسبة للأطباء المتمدرسين باللغة الإنجليزية، بل وجدنا أن هذه النسبة بعد مرور عام دراسي واحد أي في سنة 1984 قد شارفت بل تجاوزت الستين في المائة بالنسبة للأطباء السوريين، بينما تسفلت النسبة بالنسبة للدارسين الطب بالإنجليزية.

ولا شك أن فتح باب المثال في هذا الخصوص غني بالشواهد والأرقام والعموميات والتفاصيل التي تحكي بالصوت والصورة وتمثلات النجاح ومغانم التفوق والتوفيق، عن مشروع التعريب وأنه مشروع لم يفشل، كما أنه لا يتحمل وزر المسؤولية التقصيرية في كل ما حصل لتعليمنا المحلي من ترد وتسفل وعفونة، بل الصحيح الصريح يؤكد أنه كان للبعض المسؤولية الكاملة في وضع حجر العثرة والفشل أمام مشروع الوزير عز الدين العراقي رحمه الله، ذلك الوزير الذي ود كثير من هؤلاء لو أدخلوه إلى غيابات السجون.

 ولا يخفى أن أصحاب هذا الود هم الذين أوقفوا مشروع التعريب على أعتاب وأسوار الجامعة، فساهموا في تكريس ذلك الفصام النكد في نفسية طالب تلقى العلوم في مرحلة ما قبل الجامعة بلغته المحلية لغة الضاد، بينما أكره على المواصلة باللغة الفرنسية في كل المستويات الجامعية، وهو فصام سنقولها ونظل نكررها مقصود محمود عند من تولى كبره ممن له خصومة عقدية مع هذه اللغة ومع مشروع تحكيمها في نواصي ورقاب العلوم، محمود عند المغلوبين المولعين بتقليد الغالب واحتساب كمال النفع والتفوق والعصمة في كل ما قاله أو فعله أو قرره أو تركه أو…     

 med.boukantar@gmail.com

 

لا يوجد تعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق