الدكتورة أزداد تكتب: الدكتور الشفعي.. هنيئا الاستقالة؟

31 يوليو 2018 10:41
الدكتورة أزداد تكتب: الدكتور الشفعي.. هنيئا الاستقالة؟

هوية بريس – إبراهيم الوزاني

عقب تقديم الدكتور المهدي الشفعي الطبيب الجراح أخصائي الأطفال بالمستشفى الإقليمي الحسن الأول بتيزنيت، استقالته من العمل والوظيفة العمومية لوزير الصحة الأسبوع الماضي، كتبت الدكتورة وداد أزداد اختصاص الأشعة، مقالا تضامنيا معه، جاء فيه:

“إذا كان هناك من شخص يشعر بحجم الضغوط والإكراهات التي يواجهها الزميل الدكتور المحارب مهدي فهو شخصي المتواضع، لأن بداية قضيته تزامنت مع تهديدات لي بالمتابعة والعقاب على إثر تصريحات كنت أدليت بها على جداري الفايسبوكي بعلاقة مع القطاع الصحي، بعدما يئست من جدوى المراسلات عبر السلم الإداري والتي لم تؤت أكلها ولو تم احترام المساطر المقررة في البداية.. فالأطباء مغيبون تماما عندما يتعلق الأمر باتخاذ القرارات ومنح الآراء وهو الأمر الذي لازلت أعاني منه لحد الاَن في خضم عملي الحالي.

فترة عصيبة، لم يكن لي فيها من عزاء وسند سوى تسابق النقابات للتعبير عن استعدادهم للدعم في حال طلبته، وتسلحي بأصدقاء صحفيين كانوا على أهبة الاستعداد لتحويل المشكل لقضية رأي عام عبر قصف عنيف في الصحف الوطنية والدولية بل والقنوات العمومية نظرا لبعض من الشعبية البسيطة التي أتمتع بها كمؤثرة فايسبوكية، فقط لا غير.. ولكن في الجهة المقابلة وبينما كنت أحاول شحذ الشهود وجمع الأدلة في المستشفى لتعزيز دفاعي في حال حاجتي لذلك، وجدت أنني وحيدة في الميدان، وأن أحدا من الزملاء أو المسؤولين على المصالح قد يشهد لصالحي خوفا من التبعات.. حتى أن البعض لم يجب على مكالماتي، في الوقت الذي اعتذر فيه البعض الاَخر ببساطة وهم يرتجفون خوفا.. لقد تنكر لي أقرب الناس.

كنت أشعر أنه لدي من الجرأة والمعطيات ما يمكنني من مواجهة أي كيان ظالم ومن الإيمان بالله ما لا يجعلني أخاف لومة لائم، خاصة وأنني كنت متسلحة بكلمة الحق.. ولكن لكل طبيب شريف غيور على الوطن نقطتا ضعف، ألا وهما أسرته وحبه لعمله.. وجدت أنه كان علي الاختيار بين التصعيد وإرضاء ضميري وبالتالي اشتداد نوبات فزع أمي الهستيرية خوفا علي، وتعريض قلب أبي لنوبات الرجفان الخطيرة وبين سلامتهما، فاَثرت صحة والديٌ لأن أحدا لا يمكنه إرجاعهما لي في حال وقوع مضاعفات صحية مهلكة لهما.. لأول مرة شعرت أن أسرتي تشكل لي نوعا من الإعاقة وأنني كنت سوف أبلي أحسن في وجه المافيا الإدارية لو كنت مقطوعة من شجرة.. ولكنني لازلت مستعدة لمواجهة كل الاحتمالات.

ثم كانت نقطة الضعف الأخرى ألا وهي الحمى الطبية الإنسانية.. فبالرغم من أنني أعلنت أنني لا أهاب الفصل ولا التوقيف، وسأسافر للخارج في حال حصل أمر كهذا، فلم أكن أعني ما أقوله.. أطباء مثلي ومثل الدكتور الشفعي، اختاروا وفضلوا القطاع العام على القطاع الخاص رغم مساوئ الأول، ولم يخضعوا لإغراء الهجرة لأنهم يحبون وطنهم ولا يجدون متعة ومعنى لحياتهم إلا في مداواة البسطاء من المغاربة من دون مقابل حقيقي (ماعدا راتب هزيل بالمقارنة مع حجم التضحيات).. لا يمكنهم اعتبار الهجرة أو بالأحرى التهجير القسري بحكم الحصار وتضييق الخناق إلا كنفي وإبعاد عن كل ما يشكٌل معالمهم وغاية طموحاتهم الإنسانية النبيلة.

عندما كنت أجد تعليقات كـ: “الهجرة هي الحل” أو “يجدر بك الاستقالة”، كان الأمر يثير أعصابي.. أما عندما كنت أقرأ تعليقات من قبيل: “لا تعتمدي على المغاربة ليدافعوا عليك، بالفعل سيطلبون منك كطبيبة الوقوف في وجه الفساد والخروقات، ولكن عندما سيقع مشكل ستكونين مضطرة لمواجهته لوحدك”، فكنت أجد ملاحظات كهاته مدمرة لنفسيتي لأنها بشكل ما كانت واقعية لحد كبير ومحبط.. في تلك الأثناء لا يمكن للطبيب إلا أن يشعر بالخيانة ممن دافع عنهم وعرض منصبه للخطر في سبيلهم.. نحن نتحدث عن مهنة أتت كحصاد لأكثر من ربع قرن من الدراسة والتضحيات لم يتجاوزها المرء إلا وهو في بداية الثلاثينات، وليس عن هواية أو نزوة يمكن أن يتخلى عنها الإنسان ببساطة، وبالتالي فتعليقات كهاته أعتبرها مستفزة.

طبيب يواجه الفساد هو شخص لا يدافع عن نفسه لأنه يشتكي من الجوع والفقر المدقع وإنما إنسان نبيل يعرض نفسه لمستقبل مجهول للدفاع عن أشخاص لن يؤثر مصيرهم ومعاناتهم على حياته بشكل مباشر، وبالتالي فهو ليس مجبرا على ذلك.. وإنما يقوم به من باب الإنسانية وعدم القدرة على إسكات صوت الضمير الحي الذي تستعر نيرانه في داخله.

عندما أرى أن الدكتور الشفعي قدم استقالته، لا أتقبل أن يقول له المغاربة “حسنا فعلت”، “الهجرة هي الحل”، “نتمنى لك مسيرة موفقة في دول المهجر”، فهذا ليس ما يود سماعه بالتأكيد.. إنني أرى في استقالته نداء استغاثة وطلب نجدة موجه لكل المغاربة الأحرار.. إنه استنهاض أخير للهمم النائمة والضمائر الغافلة.. إنها الرقصة الاحتجاجية الأخيرة لديك مذبوح.. الجواب المطلوب هو الدعم والتضامن لكي يتراجع عن القرار ويتم إحقاق الحق ولكي تنصفه العدالة ويتم ردع المفسدين الحقيقيين ليكونوا عبرة لغيرهم.. وحتى إذا خرج الدكتور من الوظيفة العمومية أن يفعل ذلك برضاه الشخصي وليس مجبرا إثر حكم جائر.. والجواب المراد أيضا لا يمكن أن يتمثل في التهنئة والتأييد أو الأدهى الاتهامات بالاستسلام والتخاذل والجبن.

لقد دافعت عن قضية الدكتور Mehdi Echafî عبر صفحتي الطبية (مضمار) وساهمت بقدر ما في إخراجها للعموم سواء في بدايتها أو الاَن وسأواصل بحول الله إلى غاية حصوله على البراءة، وذلك لأنني أعرف ثمن الشرف وحجم الحرب النفسية التي يتعرض لها كل من قاوم الفساد في هذا الوطن الحبيب.. لقد دافعت عنه كما كنت أنتظر من المغاربة أن يدافعوا عني وحتى لو لم أكن متأكدة أنه كان ليقوم بالمثل لو كنت مكانه، وذلك من باب تفريج كربة مسلم وزميل مظلوم حسب المعطيات المتاحة بغض النظر عن أي اعتبار.. إلا لو تبين أنه مخطئ وأن التهم حقيقية وأنه يريد فقط التملص منها بهذه المسرحية كما يقول البعض من زملائه، حينها سيكون لنا خطاب آخر، لأن الكذب والتشهير مرفوضان أيضا”.

يذكر أن الدكتورة أزداد كانت كتبت على حسابها وصفحتها بموقع فيسبوك فبراير الماضي منشورات حذرت فيها من الوضع الكارثي بالمستشفى الجامعي ابن سينا بالرباط، وبسبب ذلك تعرضت للمساءلة من طرف إدارتها.

آخر اﻷخبار

التعليق

حديث الصورة

كاريكاتير