الزمن في بعده الإيماني والذوقي

19 أكتوبر 2018 15:42
قراءة في الشخصية المستغربة والمنهزمة

د. عبد الله الشارف – هوية بريس

من المسلمات أو البديهيات العقلية أن الزمان ذو أبعاد ثلاثة : ماض وحاضر ومستقبل. وهي عبارة عن ثلاث محطات مرتبطة أو ثلاث حلقات في سلسلة واحدة. والإنسان لا ينفك متنقلا بوعيه بين تلك المحطات الثلاث. فبينما هو في حاضره إذا به منجذب نحو الماضي، أو هائم في فضاء المستقبل. فتجده لا يمل من اجترار بعض الأفكار المتعلقة بوقائع وأحداث معينة ماضية، لها علاقة بذاته؛ إما متلذذا بتذكرها إن كانت سارة، أو متألما إن كانت مقلقة أو محزنة.

كما تلقاه في لحظات أخرى قد ألقى بنفسه في بحر المستقبل، وأطلق العنان لخياله كي يداعب ما يجود به ذلك البحر من نسمات وأحلام. وقد يكون استدعاء الماضي واستحضاره أو التحليق في فضاء المستقبل، مما يعين الشخص على تحقيق هدف من الأهداف، أو وضع أسس لأفكار وتصورات بناءة، وهذا ما نلمسه في سير الأبطال والقادة، أو العلماء والدعاة. بيد أن عامة الناس ممن ابتلوا بهذا الأمر؛ أي استدعاء الماضي أو التحليق في المستقبل، لا يجنون أي فائدة، بل يلحقون الأذى بذواتهم، خاصة عندما يغدو ذلك الأمر وسواسا من الوساوس. وهنا تضعف شخصيتهم وإرادتهم، ويصبح وجودهم عالة على المجتمع.
ثم إن الشخص المريد البناء لا يلتفت إلى الماضي، أو يرنو إلى المستقبل إلا وهو مشدود بحبل متين إلى حاضره، بل تجده لا يؤمن ولا يقدس إلا الحاضر، بحيث أن الصور والمعاني الملتقطة من الماضي أو المستقبل، سرعان ما تذوب في اللحظة الآنية ويبقى الحاضر هو المهيمن والمطلق.

وعندما يستولي اليقين على القلب يمتلئ نورا وإشراقا ومحبة لله، ورضا وشكرا، وتنتفي عنه الشكوك والهموم والغموم. ومن ثمراته أنه يدعو إلى قصر الأمل والزهد والتوكل والصبر. ثم إن استحضار حال اليقين والتحقق به، وممارسته يجعلك ممسكا بناصية الزمن الحاضر أو اللحظة الآنية، أو الساعة التي أنت فيها. وما ضيع المسلم هذا الكنز إلا بضعف اليقين، ولذا تجده يحس بسرابية الزمن الحسي! الذي ينسرب من بين أصابعه انسراب المياه الجارية؛ فلا تكاد يده الإمساك بلحظة واحدة منه. إنه يفلت من بين يديه وهو في ذروة الاعتقاد بامتلاكه! يالها من مراوغة الزمن الحسي. ولو كان العبد من الموقنين بالآخرة لأفلح في إمساكه بلحظة الآن، ولاحتفظ بحضورها وعمقها وخصوبتها، بل وتجددها وتدفقها وحيويتها، لأن المسلم عندما يوقن بالآخرة فإنه يستحضرها في قلبه، ويتمثل عظمتها ومشاهدها، ويسيح في أرجائها ويشرب من رحيقها، ويتذوق نعيمها وحلاوتها، ثم يفيض على قلبه من معانيها وحقائقها ما يزيده ثباتا وأنسا ويقينا. إن الآخرة خارجة عن مفهوم الزمن الدنيوي، وبالتالي فإن المسلم الذي يستحضرها بعمق يسبح لا محالة في فضاء الزمن الثابت ،أو اللازمن، مما يجعله يحس ويشعر بثبات الزمن في دنياه فيمسك دائما باللحظة الآنية).
إن هذه المعاني والحقائق المتدفقة عندما تنسكب في شغاف قلبه ويرتوي بها كيانه، وتلهج بذكرها ألسنة خلاياه، تثمر معرفة لا عهد للعقل بها، أي لا تدخل في دائرة المعرفة العقلية، وإنما هي من ثمار المعرفة القلبية الثابتة واليقينية.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حديث الصورة

صورة.. معنى المواجهة بالصدور العارية تجده في غزة

كاريكاتير

إدمان فيسبوك