الشيخ عمر القزابري: جُرْ يَا غُرَابْ…!!

27 فبراير 2020 15:43
الشيخ عمر القزابري: جُرْ يَا غُرَابْ...!!

هوية بريس – الشيخ عمر القزابري

بسم الله الرحمان الرحيم.. والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين..

أحبابي الكرام:
يقول شيخ المعرَّةِ.. أبو العلاء المعري رحمه الله:
جُرْ ياغرابُ وأفسِد لن ترى—إلاَّ مسيئا وأيُّ الخلق لم يَجُرِ..
هُمُ المَعَاشِرُ ضامُوا كُلَّ من صَحِبُوا—من جِنسهِم وأباحوا كل مُحتجَرِ..
لو كنتَ حافِظَ أثْمارٍ لهُمْ أيْنَعَتْ—ثم اقتربتَ لما أَخلَوْكَ مِن حَجَرِ…
أيها الحبيب:
دعْ حاسدَك لا تعاتبهُ وانصَرِفْ.. ولا تبحث عن معاذيرَ فما من لومه لك مفَرّ.. إن كان لا يرضيهِ إلا هلاكُك فكيف تستجلبُ رضاه..؟ وماذا تستفيد من رِضاه بل ومن رِضى العالمين.. إذا أرضيتَ ربك فلا تنظر إلى الناس رضوا أم سخِطوا.. فما رضاهم عنك بمُوصلِك غيرَ ما كتب الله لك.. ولا سخطهم يجلبُ عليك سوى ما كتبه الله عليك.. إن رضوا عنك ما بنوا لك قصرا… وإن سخطوا ما حفروا لك قبرا..

ونحن في زمان غريب عجيب.. يرى الناس البياض فيحلفون عنادا وإرصادا أنه سواد.. ويروْن السَّواد فيجادلون حتى يقنعوك أنه بياض.. فما ظنك أيها العبد بمن أسقطته نفسه بضرباتِ الحسد.. وطعناتِ الحقد.. وأعمت عينيه غشاوات البغض والكراهية.. كلٌّ على ليلاه يغني في سراديب هذه الحياة.. فامْضِ ولا تَلفِت إليهم جِيدَا.. وكن واثق الخُطى.. لا تبخترا ولا تجبرا.. ولكن ثقة بالله واعتصاما برُكنه.. فشتان مابين حجة تتبخترُ اتِّضاحا.. وشبهةٍ تتبخر افتِضاحا.. وتَيقَّن أنَّ حقيقة الفقر متجسدةٌ في الخلق.. فلا هم على حجب الرحمة عنك قادرون.. ولا هم على إنزال الضر بك مستطيعون.. فذلك ليس لهُم.. ومن ظنَّ أنه قادر على ذلك فإنما مسه كِبْرٌ ليس ببالغه.. أو اخترمه وَهمٌ ليس بتاركِه.. أم لعل الشيطان يتخبطه مِن المسّ (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها .. وما يمسك فلا مُرسل له من بعده) رُفعت الأقلام وجفت الصُّحف.. لماذا تخاف من عبد يأكل الطعام.. ويدخل الخلاء.. وتصيبه الأدواء.. ويصرعه النوم.. ويُنهِيه الموت..؟

العبد عبدٌ وإن كثر ماله وعلا منصبه.. واعلم أنك لن ترضي الناس ولو جعلتَ من أصابعك مَجامِرَ أَلُوَّةْ.. وأحرقتها تطييبا لهم.. فلماذا الاهتمام الشديد بالتراب.. من كان فاضلا راقيا عاليَ الروح فذاك السيد الذي محله فوق الرأس وفي سويداء القلب.. ومن كان غير ذلك.. فمحله غيرُ ذلك.. وسبحان من ساوى بين العباد في الاحتياجات.. ورفع بعضهم فوق بعض درجات في الهمم والأخلاق الزكيات.. فعبدٌ معلق بأستار العرش.. وآخر تحت الفَرشْ.. وآخر في مستوى النجمْ.. وآخر دون الفَحمْ.. ولا تفاضل إلا بالأعمال الزكية.. والأخلاق السوية.. وما سِوى ذلك فمتاعُ اغترار.. وسراب ليس في اتباعه إلا المَرار..

والحق يصحو وإن غفا.. والباطل ينطفئ وإن على السطح طفا.. وهذه المخاضاتُ اليوم جمعت الغث والسمين.. والكريم واللئيم.. فمن لان لك فكن له أليَنْ.. ومن جفاك وآذاك فقد عرَّف نفسه وفضحها.. فأمسك لسانك عنه وارمِه في جُبِّ النسيان.. وحدد هدفك.. وامض حيث تؤمر.. ولا تلتفت لا يصيبك ما أصاب الملتفتِين.. وكن عزيز نفسٍ من غير كبر.. متواضعا من غير ذلة.. واعلم أن رضى الناس أمرٌ لا يُدركْ.. ورضى الله غايةٌ لا تُترَكْ..

محبكم وحافظ عهدكم وودكم عمر بن أحمد القزابري.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
16°
20°
السبت
19°
أحد
18°
الإثنين
17°
الثلاثاء

حديث الصورة

كاريكاتير