العلامة محمد بن الحسن الحجوي يكتب: “ما مس المغرب من مصائب الحرب” (1939م)

29 مارس 2019 18:51
العلامة محمد بن الحسن الحجوي يكتب: "ما مس المغرب من مصائب الحرب" (1939م)

هوية بريس – ذ. إدريس كرم

يعتبر العلامة محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي صاحب كتاب (الفكر السامي) -كاتب هذا النص-، من الذين عايشوا مجريات التحولات السياسية بالمغرب سواء من خلال اشتغاله بالتجارة أو الإدارة أو الوزارة مما يجعل شهادته هذه عن الأوضاع التي آل إليها المغاربة وخاصة الطبقة المتوسطة والقروية -التي تم تدميرها من قبل المستعمر-، توافق ما كان يقوله الوطنيون عن السياسة التدميرية للمجتمع المغربي نت قبل المحتل بأنها حقيقة لا مراء فيها.

هذا النص، ورد في كتاب “أهم الأخبار عن حرب الثار والاستعمار والمذكرات مما له اعتبار“:

“إن المغرب (إفريقيا) بعدما قدم نخبة رجاله وتأيمت نساؤه وتيتم أطفاله في حرب إسبانيا ثم في الحرب هذه (الحرب العالمية الثانية)، حتى كاد أن يصير عدد النساء أكثر من عدد الرجال بكثير، وما حاق بالمسلمين من الفقر والخوف والإقلال ونقصان الأنفس والثمرات، وتقديم الإكتتابات للحرب.

فقد ارتفعت الأسعار ارتفاعا مشطّا لم يعهد مثله ولا قريب منه في الحرب السابقة ولا سيما بعد الهدنة وإعلان حصار الإنجليز، فقد وقع ارتفاع آخر أن الملبوسات ومواد الحديد والمعادن والأصباغ والسيما والخشب وكل شيء يأتي من أوروبا بل ومن البحر تضاعف خمس مرات.

وهكذا كان قبل هزيمة فرانسا، أما بعدها حيث أعلن الأنجليز الحصار علينا فقد صار غلاء الأثمان يتضاعف كتضعيف بيوت الشطرنج وأعطيك أمثلة، أن نوعا من المرزاية يقال له الأفيال جابونية كانت عند إشهار الحرب تساوي 80 فرنكا لِلْبِستة أي 27 مترا فيها، هي الآن أول يناير 1941 تساوي ألف فرنك، ولا يوجد منها إلا القليل، السكر كان يساوي 02 فرنك للكيلو فها هو اليوم بـ06 فرنك، ولكن الدولة وضعت يدها عليه بشدة وحزم، ولولا ذلك لكانت نسبة أعلى من نسبة المرزايا، والأتاي كان يساوي 25 للكيلو فأصبح الآن بمائة فرنك، وأما الحرير الصناعي وغيره فالكل ارتفع ارتفاعا فاحشا رغما عن تسعير الحكومة وصرامتها وضربها الذعائر على من يحتكر.

وأقبح من ذلك وأنكى المأكولات كل جمعة ترتفع بتلك النسبة المتفاوتة ولاسيما بعد الهدنة وظهور المجاعة في فرنسا، وانتقال المواد من هنا إليها حتى السكر والملبوسات التي كانت تأتي منها، فاللحم بعدما كان قبل الحرب بفرنكين صار الآن بعشرين في فاس وفي غيرها يصل إليها بعض الأيام وينخفض إلى 14 وهذا هو الشيء الوحيد الذي ارتفع من محصولات البلد، وكذلك الخضر، فالبطاطا التي كانت بنصف فرنك صارت بأربع فرنكات، وهكذا غيرها من الخضر والفواكه على هذه النسبة تقريبا، الزبيب الذي كان بفرنكين صار الآن بثمانية وأكثر، والثمر كان بفرنكين إلى ثلاثة صار بـ12 وقس، ولم يبق رخيصا إلا الحبوب، كان الشعير بسوم 60 فرنكا للقنطار صار الآن 90، والقمح كان بسوم 100 صار الآن بـ180، ولولا أنه يوسق عن طريق الجزائر وتونس لكان أرخص، والحمد لله على الخصب في سنة 1939 قبل هذه السنة، ومن العجب ارتفاع الحوت بنسبة ما كان منه يوم 02 فرنك صار بسوم 12، ذلك لأنه بيد كبانيات أوربية ولو كان غير محتكر لما كان بينا ارتفاعه بهذه النسبة، كذلك الفحم كان بسوم 12 فرنكا للقنطار فصار بسوم 80 إلى 100، والحطب كان بسوم فرنك صار بسوم 28 لأنه محتكر أيضا بيد الكبنيات الأوربية ولو كان الاحتكار بين الأهالي لكان أرفق من هذا بكثير.

ولكن وقع ضرر للبوادي كثير بسبب رخص ما يأتي منهم وغلاء ما يذهب إليهم، فكم من باع نعجة بقالب سكر لأنه فقد، وإن جعل له المخزن 12 فرنكا للقالب لكنه لفقده يباع سرا بما بين 30/40 فرنكا والنعجة الآن تساوي 150ف والبدوي صعب عليه أن يكسو نفسه وأهله، فكم من رجل باع حمل بهيمة قمحا واشترى به إزارا لزوجته وقميصا لنفسه وهلم جرا.

وقد تضاعفت الأثمان بعد، فما دخل شهر مارس حتى زادت المأكولات بنسبة 25 في المائة فأكثر تقريبا، وفقد كثير من الخضر.

بعض غلطات السياسة الإستعمارية.. الترتيب بالمغرب

لكن الحكومة عوض أن ترفق بالناس في الترتيب تأليفا لهم وإظهارا لأعرافها بجميل إعانتهم في الحرب عكست، ففي سنة 1939 كان الترتيب يدفع فيه عن كل زوجة حرث من 200ف إلى 650ف وكان سنة خطب على وجه العموم، ومع ذلك فقد ذهب الترتيب بربح الحرث كله، وأبقى رأس المال فقط، أما سنة 1940 هذه فكانت سنة جذب مجحف وكانت الحكومة وعدت بالرفق فلاحقها أن لا تتناول فلسا واحدا على الحرث لا فلاحة العرب هي عشر فلاحة الأوربي، إذ ليست لهم قدرة على الآلات الأوربية وصوائرها، وأكثر الناس الذين لهم أرض مخصبة ردوا ما أخذوا من مطاميرهم للزريعة والعلفـ ومنهم من لم يرد شيئا إلا تافها، ومع هذا لزمهم الأداء مثل السنة الماضية بحجة أن الرفق يكفي فيه عدم الزيادة نظرا لارتفاع سعر الحبوب، وأين هي هذه الحبوب حتى يرتفع سعرها، وإني أخبر عما وقع في فلاحتي وفلاحة جيراني الذين لا أشك أنهم هذه السنة يبيعون دوابهم لأداء الترتيب، الذي لا إمهال فيه ولا هوادة ويصيرون خماسين إن وجدوا من يخمسون عليه والله يوفق الحكومة للرفق والعدل والإصلاح، فهذا أحسن مكافأة عن وقوف إفريقيا بجانبها في أحرج حالاتها منذ تاريخها القديمـ لاسيما والفلاحة هي عمارة المغرب الحقيقية ومادته الوحيدة، فإذا ضعفت ضعف.

والمعمرون الفرنسيون لا يمكن أن يقوموا بحاجة المغرب كلهـ وهاكم مثالَ هذه السنة أني حرثت حبوبا قمحا وشعيرا وذرة وفولا وحمصا في ضيعتين إحداهما باردة وأخرى حارة التربة، قصد إن خاب الظن في هذه لم يخب في الأخرى، وكل منها على الأسلوب المغربي القديم فكانت فلاحتها متقاربة الكل ضعيف لا يفي محصوله بالترتيب بل الذرة البيضاء وهي البشنة ضاعت زريعتها كلها ومصروفها وتعبُ خماسيها ولم ينتج من الضيعتين شيء منها ولكن الترتيب أديته على الكل حتى البشنة.

أليست هذه حالة محزنة لا يمكن معها العيش لبدو المغرب، نعم الذين لهم حقول السقيا يعملون فيها الخضر والفواكه وقليل ما هم ربحوا في هذه السنة، ربما طيبا ولا يضرهم ترتيب مضاعف وهم نزر يسير في المغرب بالنسبة لغيرهم، وها هي الأسعار التي ترتفع باطراد وتنذر بخطر مجاعة عامة إلا أن يشاء ربي والله لطيف بعباده، ولكن ولاة المغرب يزيدون ضلالا بسكوتهم جميعا إلا نزر يسير منهم، وإني قد نصحت الحكومة غير ما مرة عندما تظهر فرصة، ولكني أظن أنها تحمل كلامي على التطرف في حب المغاربة وحب الرفق بهم، ويعدون ذلك إجحافا بحقوق الحكومة، وأن الولاة رأيهم أنفع وأقرب إلى الإعتدال ولكنهم لو فكروا في خلاء البادية وعمارة المدن بالسعاة والجياع والعرايا وتشتت العائلات وتلاشي الطبقة المتوسطة التي كان المغرب يعدّ بها في نعيم، وانحطاطها إلى الطبقة الفقيرة وخروج الأراضي من يد المغاربة إلى ثلة من المتمولين وكلا من الولاة المارقين، لعلموا أن الولاة أبعد الناس عن النصح، ولو سمعوا من الناس ما هم فيه من ظلمهم وعتوهم وفتحوا أعينهم لنمو ثروة الوالي بمجرد توليته وصيرورته في أعلى طبقات الأغنياء والمترفين سريعا، وبحثوا عن السبب العياني الذي لا يحتاج لبحث لصدقوا كل ما يقال، ووجدوا في ما قلت أقل ما يمكن أن يقال والله بفضله يصلح الأحوال”.

ص211/215 من كتاب (أهم الأخبار عن حرب الثار والإستعمار والمذكرات بما له اعتبار من سنة 1941) (محمد بن الحسن الحجوي خ ع/ح122).

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
16°
19°
الخميس
22°
الجمعة
25°
السبت
23°
أحد

حديث الصورة

صورة.. سقوط شجرة بأكدال-الرباط على سيارة بعدما اقتلعتها الرياح الشديدة

كاريكاتير

كاريكاتير.. بعد أن جردوها من احتشامها وحيائها