القباج*: حرم الله تعالى القمار لينقل الإنسان من حياة الوهم والخرافة إلى حياة الواقعية والعمل الجاد

08 سبتمبر 2018 19:57

هوية بريس – حاوره: نبيل غزال

1- من أنواع لعب الحظ أو الرهان المنتشرة بكثرة ما يسمى بالكوتي سبور والكينو والبينغو والبوكير فهل تدخل هذه اللعب في القمار المحرم شرعا؟

تعريف القمار في الاصطلاح الشرعي يشمل كل معاملة مالية يتم فيها السعي لأخذ مال الإنسان مع وجود مخاطرة تجعله يتوقع الحظ ولا يعرف هل سيأخذ عوضه أو لا، فالبيع مثلا معاملة مالية يتم فيها السعي لأخذ مال الإنسان مع تحقق عِوَض يقدمه البائع للمشتري.

أما القمار فلا يدري صاحب المال هل سيأخذ مقابلا عن ماله أو لا، وبدل أن يربط سلوك اكتساب المال بالسعي والعمل يبنيه على الحظ.

فكل معاملة مالية ينطبق عليها ذلك التوصيف فهي قمار وميسر.

وهذه المعاملات محرمة في الشريعة الإسلامية تحريما قطعيا كما قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر وَالأَنصَاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فتجتنبوه لعلكم تفلحون}.

فالشريعة ترفض أن يؤسس الإنسان حياته وسلوكه وطلبه للرزق على ما يسمى الحظ، وبيَّن الخالق جل وعلا أن ذلك من مداخل الشيطان لجر الإنسان إلى الوهم والحيرة والاضطراب النفسي والذي يؤدي بدوره إلى ارتكاب الجرائم الخطيرة، لذلك حرم الله تعالى تلك العادات الجاهلية الثلاث: الميسر وَالأَنصَاب والأزلام، وهي من الأحكام التي نقلت بها الشريعة الإنسان من حياة الوهم والخرافة إلى حياة الواقعية والعمل الجاد.

وإذا كانت العقيدة الإسلامية تمنع الإنسان من تبرير فشله بالاحتجاج بالقدر فكيف تقره على ربط مصيره وحياته بالحظ؟

 

2- وفق ما سبق وصرح به وزير داخلية سابق فالدولة تميز بين في تعاملها مع ملف القمار بين ما يندرج ضمن مسمى القمار، وما تعتبره نوعا من الألعاب والرهانات واليناصيب التي ينظمها القانون، ما تعليقك على هذا التمييز؟

هذا التمييز من أخطاء المشرع لأن العبرة بالمعاني والحقائق وليست بالأسماء والألفاظ.

والشرع الإسلامي لما حرم تلك المعاملات المالية والسلوكيات التي تتعلق بتوقع الحظ وضح علة هذا الحكم فقال الله تعالى: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة}.

فهذه المعاملات تزرع روح العداوة في المجتمع وتشجع على ارتكاب الجرائم كما نرى في واقع مدمني القمار من كونهم يحارب بعضهم بعضا، وينقلون سلوكهم العدواني إلى أسرهم فيرتكبون أنواعا من العنف الجسدي والمعنوي ضد الأزواج والأطفال، ويجني مدمن القمار على واقع ومستقبل أسرته، وبدل أن يبني حياتهم على قليل فيه بركة الحلال والعمل الدؤوب يلهث وراء سراب الربح الكثير فيخلق حياة يملأها الرعب والقلق والاضطراب والعداوة بينه وبين أفراد أسرته الذين يرون أنه ضيعهم وحرمهم من عيش كريم مستقر ولو بالقليل.

هذا كله لحساب رؤوس الأموال الجشعة التي تراكم الثروات على حساب الفئات الهشة في المجتمع.

هذا في واقع المقامرين من الطبقات الفقيرة والمتوسطة.

أما المقامرون الأغنياء فالعداوة فيما بينهم تتجلى في حروب خفية تضر بالدولة والمجتمع وتجر إلى ارتكاب جرائم ضخمة لا يدرك حقيقتها عموم الناس، فعند هؤلاء يرتبط القمار بجرائم من قبيل الاتجار في البشر والمخدرات ونحوها من الأوساط الوسخة التي تعمق وتوسع العداوة والبغضاء في المجتمع.

كما أن هذا النوع من المعاملات يصد عن نمط الحياة المستقيم الذي يهتم فيه الإنسان بالمعالي والأمور الجادة وفي مقدمتها: عبادة الله تعالى والسعي لنفع النفس والغير بالعمل الواقعي المنتج ولو كان قليل العائد لكنه أفضل من رمي الحياة في متاهات ما يسمى بالحظ.

فسواء سميناه: قمارا أو يانصيب أو منافسة العبرة بالحقائق التي تؤثر سلبا على واقع الناس.

وما يسميه البعض ألعابا ورهانات هي عين القمار وإنما يتم التحايل لتسويغها نفسيا كي تتفشى بين المغاربة المعروفين بطابعهم المحافظ الذي يحترم الدين والقرآن الكريم، ولما كان تحريم القمار قطعيا في القرآن الكريم لجأ المتحايلون على الشرع والقانون إلى حيلة تغيير الاسم وتنويع الأسماء مع كون المسمى واحدا وحكمه قطعيا.

وقد تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أمته سيظهر فيها من يرتكبون المحرمات مع تسميتها بغير أسمائها الأصلية، وهو ما وقع وتحقق في القمار والربا والخمر والزنا.. فهذه المحرمات تم العمل على تطبيعها في المجتمعات الإسلامية من خلال تغيير أسمائها.

 

3- المرجعية الدستورية تنص على إسلامية الدولة؛ والمرجعية القانونية -التي تؤطر هذا النوع من التعاملات- تعتبره منعشا للاستثمار والسياحة والرياضة؛ كيف يمكن المواءمة بين المرجعيتين، وأي منهما يتعين تقديمه؟

أكبر معضلة تواجهها فكرة الدستور منذ اعتمدناها في نظام الحكم في بلدنا هي معضلة الصدق في اعتماد مضامينه بحيث يخيل للباحث والملاحظ أن الدستور في كثير من مضامينه مجرد كلمات يراد منها خلق انطباع جيد عن الدولة وأنها دولة حق وقانون، لكن في الواقع والممارسة يتم الالتفاف على كثير من المضامين والتحايل عليها أو تجاهلها.

ومن المعلوم أن الاستعمار لم يغادر البلاد حتى قسم نخب المجتمع إلى قسمين:

قسم يتمسك بالمرجعية الإسلامية في وضع الدستور وسن القوانين.

وقسم يدعو إلى اعتماد مرجعيات أخرى بضغط وتوجيه من الاحتلال.

وقد حاول المشرع في أول الأمر إرضاء الطرفين فأفرز ذلك تناقضا في الدستور والقانون والحياة الاجتماعية.

ومع ذلك غاب التوازن واستطاعت التوجهات المناهضة للمرجعية الإسلامية أن تكون حاضرة بشكل أكبر في مجالات التشريع والتقنين والإعلام وغيرها.

وفي هذا السياق اتجه سياسيون ومثقفون وخبراء لاقتباس القانون الفرنسي دون التمييز بين ما يتعارض وما لا يتعارض مع المرجعية الإسلامية، وكان القمار من المعاملات المالية التي ينظمها ذلك القانون تحت مسميات عديدة، فأخذ المشرع المغربي تلك القوانين وطبقها على المغاربة.

ـــــــــــــــــــــــــــ

* ذ.حماد القباج: باحث في الفقه الإسلامي وتاريخ المغرب.

آخر اﻷخبار
2 تعليقان
  1. وزير في حزبك يا سي حماد مارس ولده القمار وكسب منه خمسين الف دولار وافتخر بذلك وبرر الوزير الاسلامي ذلك ودافع عنه هل تعرف هذا الوزير

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حديث الصورة

صورة.. جماهير الرجاء تنتقد إدخال الدارجة إلى المقررات الدراسية بطريقتها الخاصة

كاريكاتير