القواسم المشتركة بين العلمانية والجاهلية (ح1)

10 نوفمبر 2015 15:55
القواسم المشتركة بين العلمانية والجاهلية (ح3)

ذوالفقار بلعويدي

هوية بريس – الثلاثاء 10 نونبر 2015

مما يجب معرفته أولا، هو أن الجاهلية ليست كما يظن كثير ممن ينتمون إلى الإسلام اليوم، أنها مرحلة تاريخية تحصر في مظاهر جاهلية قبل ظهور الإسلام. إنما هي في مدلولها القرآني راجعة إلى الجهل بالله جل وعلا، والجهل بقدره سبحانه وحكمته في خلقه، وبمراده من عباده وبما يستحقه سبحانه، وبما يحبه منهم من الطاعة. وهي تطلق في الغالب في الكتاب والسنة بمعنى الحال، وقد يُعنى بها صاحب الحال.

فأما الأول منها قول الله جل وعلا: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من اللَّه حكما لقوم يوقنون}1، ومنه قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر حين عيّر بلالا بأمه: «أعَيّرتَهُ بأمّهِ؟ إِنّكَ امرُؤٌ فيكَ جاهِليّة»، وقوله عليه السلام: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن؛ الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة»2. في هذه النصوص يراد بالجاهلية جاهلية الحال والصفة. وهي التي تعنينا في هذه السطور، حيث تدل على أنها ليست مجرد فترة زمنية وقعت وانقضت، وولت وأدبرت. وإنما هي حالة قابلة للتكرار في كل لحظة، بتكرار الأفراد والأجيال وتداولهم في شتى الأزمان، وذلك بتكرر مظاهر الانحراف عن منهج الله.

فالجاهلية هي وضع له خصائصه ومميزاته، والتي هي في مدلولها الشامل: الانحراف عن دين الله عقيدة وعبادة وشريعة، وأما الذي يتبدل ويتغير ويتجدد هو الأسماء والصور والأشكال، وذلك بحسب كل العصر، فالعبرة بحقائق الأشياء ومسمياتها. ومن ثم فمتى حصل الانحراف عن منهج الله، والتمرد على شريعته فثم الجاهلية. كيف ما كان شكل هذه الجاهلية، وأيا كان اسمها، فهي باختصار كل ما ليس بإسلام {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين}3.

مفرق الطريق بين الإسلام والعلمانية

لقد اشتدت اليوم غربة الإسلام بين المسلمين أنفسهم، أو بالأصح بين المسلمين وبين من يدعون أنهم مسلمون، وذلك أساسا بفعل فراغ البرامج التعليمية من أدنى تعبئة للنشء ضد المذاهب الإلحادية الغربية التي تنبذ الدين وتعزل سلطانه عن الحياة، إضافة إلى إحجام المؤسسات الرسمية المختصة بالحقل الديني عن بيان حقيقة هذه المذاهب التي أصولها تنافي التوحيد وتضاد الإيمان وتناقض الإسلام. الشيء الذي يكشف عن سر الغبش الذي أحاط غالب المسلمين في مدلول الإسلام ومدلول الجاهلية، كما يكشف عن سر غياب التصور الصحيح وتداخل الأفكار وضياع المعايير التي تتحقق بها المفاصلة بين الإسلام وبين غيره من المذاهب، حتى سهل على ضعيف المعرفة الارتماء في أحضانها وتبني أفكارها، لجهله العميق بعمق الهوة التي بينها وبين دين الإسلام.

إن الإسلام كما هو في حس كل مسلم دين يقوم على أساس إخضاع البشر لله، ويستمد أحكامه من الله في العقائد والعبادات والأخلاق والسلوك والمعاملات والسياسات، سواء الفردية منها أو الجماعية. فهو دين أساسه تحقيق عبودية الإنسان لله وحده في الأمر كله، والاستسلام لشرعه والتزام أحكامه وتطبيق أوامره. وذلك لأن الأرض في منظور الإسلام هي ملك لله، والإنسان مستخلف فيها ومؤتمن على ما فيها، ومن ثم فليس له حق التصرف فيها إلا وفق مراد من استخلفه وائتمنه. وكل تصرف منه على خلاف مراد صاحب الأرض هو إفساد منه فيها وتمرد على اختيار صاحبها وخالقها، مما يفضي به إلى الكفر والفسوق وعصيان.

لذا الإسلام هو دين يقوم على أن حق التشريع لا يكون إلا للذي خلق الخلق؛ لأنه هو وحده دون ما سواه العليم بفطرهم وطباعهم، البصير بمكنونهم ومداخل قلوبهم، الخبير بشؤونهم وأسرار نفوسهم، سبحانه الذي لا تخفى عليه خافية من قدراتهم وطاقاتهم. يعلم سبحانه من أمور خلقه ما لا يعلمه خلقه من نفوسهم، بصير بمصالحهم وما يُصلحهم وما يصلح لهم {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}4، وأنه سبحانه يريد لعباده الخير فيما لا يعرفون أنه خير {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}5، {يريد الله أن يخفف عنكم، وخلق الإنسان ضعيفاً}6.

أوَ ليس الذي صنع آلة غسيل أو جهاز تلفاز أو هاتفا نقالا… هو أدرى بصنعته من غيره، وبالتالي هو الذي يرشدنا إلى كيفية تشغيلها ونظام صيانتها عن طريق وضع دليل نتقيد بتعاليمه. فمن باب أولى -ولله المثل الأعلى- بما أنه سبحانه هو الذي خلق الخلق وأبدع الأكوان وأعطى الأرزاق، عليم بخلقه رحيم بعباده، فليس لأحد غيره أن يشرع لخلقه بغير تشريعه، ولا أن يحكم فيهم بغير حكمه.

أما العلمانية فهي تقوم على نقيض ما يقوم عليه الإسلام، هي تقوم على أساس رفض أحكام الله والإعراض عن دينه وعدم الاعتراف بشرعته، كما هو الشأن تماما في جاهليات تاريخ البشرية. كانوا يعترفون بوجود الله لكنهم لا يسلسون القياد لشرعة أنبيائهم ورسلهم. وهذا هو ما يصطلح عليه في جاهلية العلمانية في حاضر عصرنا بـ: “فصل الدين عن الدولة”، أو “الدين لله والوطن للجميع“، وهو نفس مقولة اليونان “دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله“، والغاية منها نبذ الشريعة. كما هو قول أحد أفراخهم: “إن مهمة الأنبياء والرسل هي الدعوة والهداية وليست الدولة والسيادة7، وقال آخر: “تنظيم العلاقة بين العبد والرب مهمة الدين، ويغدو تنظيم العلاقة بين العبد والعبد مهمة البشر،..8، ويقول ثالثهم: “إن الدين علاقة خاصة بين الخالق والمخلوق،…9، هكذا هو ديدن أهل جاهلية كل عصر، إنها صفة متكررة ولازمة لكل أهل جاهلية، وإن سماها أصحابها بأسماء إغرائية ؛ تقدمية، تطور، عقلانية، حداثة، تغيير، حقوق الإنسان، حرية شخصية…، إنها تقوم على أساس أن لا علاقة بين إرادة الله وحياة الإنسان. فالإنسان في المنظور العلماني الجاهلي هو صاحب الأرض ومالكها؛ وهو بالتالي غير ملزم بأوامر الله فيما يخص حياته في هذه الأرض! هو حر في وسائل عيشه، حر في طريقة تمتعه، حر في تنظيم حياته، حر في تسييسها، يصنع ما يحلو له بلا قيد أو شرع. فالدين في المدلول العلماني عقيدة فحسب، ولا علاقة له بتنظيم واقع حياة الإنسان! لذا تجد العلماني يجادل في كل أحكام الشريعة يجادل في شرعية تحريم الربا وفي شرعية وجوب الحجاب، وليس في أحكام المواريث فحسب، بل يجادل حتى في شرعية تحريم الزنا واللواط، وفي قتل المرتد وفي شرعية الحدود وفي آيات الجهاد وآيات الولاء والبراء ومعاداة الكافرين، بل وفي كل أحكام الشريعة بلا استثناء بل حتى العبادة هي في تصوره ليست على وجه الإلزام.

هذا هو مفرق الطريق بين الإسلام والعلمانية. فإنه إما دين الله الذي هو حكم الله في البشر، وشريعة الله، ومنهج الله وهذا هو الإسلام، وإما حكم البشر للبشر، وأهواء البشر، وشريعة البشر، وهذه هي الجاهلية، وإن سماها أصحابها علمانية؛ وهي رفض حكم الله في البشر. هذا هو مفرق الطريق بين إسلامنا وعلمانيتهم، إسلامنا يقوم على أساس إخضاع البشر لله، وعلمانيتهم تقوم على أساس إخضاع البشر للبشر، وتعبيد البشر للبشر، واتخاذ بعضهم بعضا أرباباً من دون الله. تقوم على أساس أن يكون الإنسان مشرعا لنفسه عابدا لهواه. هذه هي حقيقة المعركة بين العلمانية والإسلام، إنها معركة دين وعقيدة ومنهج، معركة أن يكون حكم الإسلام أو يكون حكم البشر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة المائدة الآية:50.

(2) صحيح مسلم تحت رقم:1550

(3) سورة آل عمران الآية:85.

(4) سورة الملك الآية:14.

(5) سورة البقرة الآية:185.

(6) سورة النساء الآية:28.

(7) مقال لسعيد لكحل. جريدة الأحداث المغربية بتاريخ 24 دجنبر 2004.

آخر اﻷخبار
1 comments
  1. صحيح الجاهلية ليست فقط فترة زمنية انقضت، قال الله تعالى، وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى،

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
19°
21°
الخميس
20°
الجمعة
21°
السبت
20°
أحد

حديث الصورة

كاريكاتير