الكنبوري يكشف موقفه من قانون “تكميم الأفواه” وابن تيمية.. ويدعو لفتح نقاش عمومي حول قضية “الإساءة للدين”

09 مايو 2020 22:52

هوية بريس – حاوره: نبيل غزال

1ـ  بداية ما رأيك في مشروع قانون 22.20؟

مشروع القانون هذا حول استعمال شبكات التواصل الاجتماعي هو في الحقيقة استهداف لحرية الرأي والتعبير، بل هو ردة سياسية عما تحقق في دستور 2011 على الأقل من الناحية النظرية، إذ إن هذا المشروع يرجع بنا إلى الوراء ويجعل كل ما قيل وكتب حول دستور 2011 على أنه ثورة دستورية، يجعل كل هذا مجرد بلاغة لا أساس لها من الصحة.

هناك بنود تتعلق مثلا بترتيب عقوبات صارمة على التحريض على مقاطعة بعض المنتوجات التجارية، مثل هذا أنا أعتقد أنه إهانة للبورجوازية المغربية ولعالم المقاولات، لأن معنى ذلك أنها تحظى بحماية الدولة والحكومة ورعايتهما، في الوقت الذي يدعي المغرب بأنه بلد ليبرالي، والليبرالية تعني ثلاثة أمور، تعني سوقا مفتوحة، وحرية المنافسة، وحرية التعبير لدى المستهلك.

ثم إن هذه البنود تعني أننا في الماضي كنا نتكلم عن حقوق المستهلك، دون أن نستطيع فعلا حماية هذه الحقوق، بينما اليوم سوف نتكلم عن حقوق المنتج والمصنع، ولأن المستهلك ليس له من يحميه لم يكن القانون الذي يدافع عنه قابلا للتطبيق، بينما المنتج والمصنع بسبب النفوذ سوف يجد القانون الذي يدافع عنهما طريقه إلى التنفيذ فورا.

لكن ما هو جدير بالإثارة أن المشروع يتحدث عن التحريض وعن الصحة العامة لكنه لم يتعرض لقضية التحريض ضد الدين الإسلامي مثلا. لا يعني هذا أنني ضد حرية الرأي والتعبير في هذا المجال، لكن كل من يتابع ما ينشر ويقال عن الإسلام يلاحظ أن هناك فعلا حملات موسمية تستهدف تدين المغاربة الجماعي بشكل مباشر، ليس قناعة ولا رغبة في البحث العلمي ولا أن أصحابها من المجال الأكاديمي ولا هم ممن يعرفون بالاهتمام العلمي بهذه الشؤون، بل فقط جماعة من الغوغاء هدفها الإساءة إلى الإسلام، وعندما أقول الإساءة فأنا أعني هذه الكلمة بالتحديد. أعتقد أنه آن الأوان لطرح هذه القضية في النقاش العمومي بشكل شجاع من جميع الأطراف التي لها غيرة على الدين والوحدة الوطنية والمقدسات، لأن مفهوم الأمن الروحي للمغاربة ليس له أي معنى في ظل ما نشهده من تسيب في مواقع التواصل الاجتماعي.

2- في رمضان من كل سنة؛ يتم استهداف عدد من الشعائر الدينية (الصلاة والصيام)، ولمز السنة النبوية (الطب النبوي خرافة)، والمسلمين بشاربي بول البعير.. ما تعليقك على هذا الاستهداف في هذا الشهر الفضيل بالذات؟

لقد أصبحنا معتادين على مثل هذه الحملات الموسمية كما قلت في الجواب السابق، بحيث صرنا نعرف أنه مع كل شهر رمضان أو عيد الأضحى أو موسم الحج تتجدد الحملات، وهذا ما يعني أن هذه الحملات تدخل في عمل منظم ومبرمج بدقة، وهذا أمر معروف. ولكي ندرك ذلك تكفي فقط الإشارة إلى تنوع الخطابات وتعدد المداخل في كل سنة، بمعنى أن هذا الخطاب يخضع للنقد والتمحيص لتجديده في كل مرة بحيث يقدم نفسه في شكل جديد حتى تنطلي اللعبة على الشباب والعقول الصغيرة ولا يظهر ذلك وكأنه مخطط.

لكن هذه السنة أنا أعتقد أن الوضع تفاقم بشكل كبير وأصيب الكثيرون بالهلوسة وحالة من العصاب والهيستريا، لأن رمضان تزامن مع وباء كورونا وعودة الخطاب الديني بشكل صريح، أو على الأقل تمظهره بشكل علني في مواقع التواصل، بسبب التدين الطبيعي والعفوي لدى المغاربة، ما أدى بكثيرين إلى الوصول إلى حافة الجنون.

وأنا أعتقد أن هؤلاء وصلوا إلى النهاية ولم يعد لديهم سوى تكرار أنفسهم بطريقة غبية، فقد أصبحوا في موقع الدفاع وردود الفعل بعد أن تم كشف نواياهم. أما في ما يتعلق بالطب النبوي أو بول البعير وما إلى ذلك، فالمشكلة أن هؤلاء ليسوا من هؤلاء ولا من هؤلاء، ليسوا لا من الباحثين في الدين ولا من الباحثين في العلم، هم مجرد سوقة لديهم كلام ويريدون من ينصت إليهم، والدليل على ذلك هو اللجوء إلى التعريض والسخرية والكلام النابي، وهذا لا يليق أبدا، لكنه يكشف أن هؤلاء ليس لهم أدلة ولا قناعات، هم جماعة من “القوالين” يقولون ما يأتي على لسانهم ولا يعيه عقلهم.

3- خصصت في هذا الشهر سلسلة لابن تيمية رحمه الله، لماذا ركزت على هذه الشخصية العلمية؟

كتاب “ابن تيمية… القراءة الثانية” هو في الحقيقة محاولة لوضع ابن تيمية في سياقه التاريخي والفكري الخاص، بعيدا عن ضوضاء الإيديولوجيا من أي اتجاه كانت، فأنا ضد الإيديولوجيا.

كنت ألاحظ دائما أن الحملات الشرسة ضد هذا العالم الفيلسوف الفذ رحمه الله، لا بد أن يكون فيها تزوير وتدليس، وأن الكثيرين ممن يتكلمون عنه أو يكتبون عنه لا يعرفونه حق المعرفة، وهذا ما وقفت عليه عندما بدأت في قراءة كتبه والاقتراب أكثر من شخصيته.

لقد تم اختزال ابن تيمية في بضع فتاوى لها زمانها، مثل فتاوى أي عالم آخر كمالك أو أبي حنيفة أو السبكي أو غيرهم، وتم حجب النتاج الضخم والأهم له، وجهوده العظيمة في النهوض الحضاري بالأمة الإسلامية من خلال ربط النص بالعقل، والنظر بالعمل، والتأسيس للعقلانية الإسلامية الحقيقية التي للأسف الشديد لم تجد من يواصل مسيرتها منذ ذلك التاريخ، تلك العقلانية التي خرجت من القرآن. فخلافا للكثير من الفلاسفة والمتكلمين لم يكن ابن تيمية يرى في القرآن مرجعية للتشريع فحسب، بل مرجعية للتفكير العلمي ولبناء مشروع نهضوي.

وبالنسبة لي شخصيا يمثل ابن تيمية نموذجا لوظيفة المثقف العربي والمسلم اليوم، لأن الظروف التي عاشها يكاد يكون له شبه بظروفنا من الناحية السياسية، حيث تضعضع الدولة العربية وهجمة الأجنبي، ومن الناحية الفكرية والثقافية هناك ارتهان كبير للفكر الغربي، واستيلاب خطير للهوية الدينية والثقافية العربية والإسلامية، ولذلك يعد ابن تيمية نموذجا لعملية التجديد الديني والإصلاح الديني.

لقد خان المثقف العربي دوره في القرن العشرين، فبدل التركيز على هذا النموذج الذي جمع بين العقل والنقل، وكان طليعة النضال للحفاظ على الهوية، تم التركيز على نماذج مغايرة أمثال ابن رشد والمعتزلة، الذين غلب عليهم التأثر بالآخر على حساب الخصوصية والصياغة المحلية.

بمكنني القول بأن تيمية “صناعة محلية” للفكر العربي الإسلامي ولا يزال إلى اليوم.

ـــــــــــــــــــــــــ

الدكتور إدريس الكنبوري كاتب ومفكر مغربي.

آخر اﻷخبار
3 تعليقات
  1. تحية خاصة تعبق بالإحترام والتقدير للعالم الراسخ إدريس الكنبوري على علمه المكين وتواضعه اللافت.

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
25°
24°
السبت
24°
أحد
25°
الإثنين
25°
الثلاثاء

كاريكاتير