الكنبوري يناقش صاحب أسطورة البخاري



عدد القراءات 1542

الكنبوري يناقش صاحب أسطورة البخاري

هوية بريس – الزبير الإدريسي

كتب الباحث الدكتور إدريس الكنبوري، ردا مفحما على صاحب كتاب أسطورة البخاري، بين فيه تهافت الكتاب وصاحبه، الذي اعتمد على كلام قديم ومكرر وأحيانا مقالات على الفيسبوك، ليجعل منها كتابا سماه بحثا، وأوضح الكنبوري ان صاحب الأسطورة وقع في أخطاء كثيرة فادحة، لغوية ونحوية وعلمية وحديثية، كان يسعه أن يسأل فيها ذوي الاختصاص، كي لايجعل من نفسه أضحوكة، ولأهمية التدوينة التي نشرها الكنبوري على صفحته، نعيد نشرها كما هي:

اطلعت قبل قليل على كتاب الأخ صاحب أسطورة البخاري. في الحقيقة لم أجد ما يملأ الحويصلة. ولا جديد في الأمر، وفي شبكة الأنترنت الكثير الكثير حول البخاري بما يساعدك على كتابة كتاب ضخم عن البخاري رحمه الله وسقطاته، وكنت أرجو أن يكون كتاب الأخ كبير الحجم نظرا للمعلومات الكثيرة المتاحة في الأنترنت، ولكنه جاء أقل من ذلك، ويبدو أن الأخ أسرع في “التأليف” وأهمل معلومات أخرى قيمة.
على مستوى الشكل قسم كبير من الكتاب منقولات عن صحيح البخاري، ما ساعد على تسويد الصفحات. ينقل الأخ الحديث بكامله مع السند ثم يعلق بطريقة سطحية تشبه كلام المقاهي، لا كلام الباحثين. وهناك أخطاء لغوية واضحة في الكتابة، وعهدي أن الباحث في مثل هذه الأمور من ذوي الإتقان في اللغة، بل الإتقان شرط، لأن اللغة باب من أبواب الحديث كما هي باب من أبواب القرآن. ثم هناك نقولات مبتورة عن علماء وتقديمها على أنها تعكس السواد الأعظم من العلماء في الموضوع، وليست داخلة في وارد الخلاف، وهذا تدليس صريح. ثم الأعجب اعتماد صاحبنا على مقال في الفيسبوك كمرجع.
أما على مستوى المحتوى فهناك أغاليط فادحة في الكتاب، وأنا لست من علماء الحديث وبدت لي تلك الأغاليط كالجبال، فما بالك بمن تضلع في علوم الحديث وقضى سواد عمره فيه. من تلك الأغاليط توهيم صاحبنا قارئه بتفسيرات من عنده لأحاديث معينة أو كلمات لعلماء الحديث. فهو يخصص حيزا واسعا لعبارة “السنة قاضية على الكتاب”، للسخرية من العلماء ـ نعم ـ وهو يفهم كلمة قاضية على أنها قاتلة، كما تقول “قضى عليه” أي أهلكه، والحال أن المقصود من العبارة القضاء بمعنى الفتوى، أي أن الحديث الصحيح إذا ورد في موضع التبيان للقرآن فهو المعول عليه، لأن من أنواع السنة كونها مبينة أو مفسرة له. وحتى إذا فهمها البعض بمعنى أنها مقدمة على الكتاب فهذا ناتج عن اجتهاد أو فهم معين لعلاقة السنة بالكتاب، وصاحبنها بالطبع لا يهتم بنقل خلافات العلماء في الموضوع، ولا بأقوال العلماء في تحديد أوجه العلاقة بين السنة والكتاب تقديما وتأخيرا، بل يعطي فهما من عقله ويسحبه على جميع علماء الأمة، كأنهم جميعا قالوا به، وهذا من التلاعبات التي لا تليق بشخص يحترم نفسه ويتصدى لموضوع شائك كهذا.
ثم يخصص ـ بطبيعة الحال ـ حيزا واسعا جدا لمقولة العلماء أن صحيح البخاري “أصح كتاب بعد كتاب الله” فيعطيها معاني مضحكة. فمقولة أن صحيح البخاري أصح كتاب بعد كتاب الله ليست على ظاهرها، لأنها لو كانت كذلك ما تعرض علماء الأحاديث لأحاديثه بالنقد والتجريح، ولكنها محمولة على أن ما ورد في صحيحه يقل فيه الكذب قياسا إلى كتب الحديث الأخرى. وهناك مقولة للشافعي مفادها أن الله ما تعهد أن يُتم إلا كتابه، والمعنى أنه ليس هناك كتاب تام بعد كتاب الله، ولكن كتبٌ تزيد صحتها أو تنقص، وصحيح البخاري تزيد صحته مقارنة بالكتب الأخرى، وتنقص مقارنة بالكتب الأخرى، وهذا هو المعنى، ولم يكن علماء الحديث وهم من الجهابذة يغفلون أن كتاب البخاري ليس وحيا حتى يكون صحيحا كل الصحة، ثم إن تعرضهم بالنقد لأحاديثه دليل آخر على أنهم لم يكونوا يرونه “أصح كتاب بعد كتاب الله” كما فهم صديقنا.
وأما الحفظ الأسطوري للبخاري، فنحن لا نحسم فيه، لكن لا نشك فيه أيضا. الأخ الكريم لم يطلع على الدراسات العلمية الحديثة ـ في الغرب إذا كان الغرب هو المقياس ـ حول اشتغال الذاكرة في المجتمعات الشفاهية. كان علماء في الكنيسة المسيحية يحفظون الكتاب المقدس عن ظهر قلب، على ما فيه من التفاصيل والأحداث والأسماء. وقد كان التدريس عند المسلمين واليهود يعتمد على الذاكرة، ولم يكن الطفل يبلغ العشر سنوات حتى يمتلئ جوفه بالقرآن والحديث ومنظومات الفقه والنحو وغير ذلك، أو بالتوراة وأقسام من التلمود. وإذا كان علينا أن نشك في حفظ البخاري فعلينا أن نشك أيضا في جزء كبير من التراث الإسلامي لأنه كتب من الذاكرة، فالناس لم تكن لديها مطابع وصحف ومراجع ومكتبات عمومية أو blocs notes لتسجيل الملاحظات، كل شيء كان يتم في الذاكرة.
أخيرا، فإن صديقنا الجميل ينتهي إلى خلاصة ـ وهو في الحقيقة لا ينتهي إلى شيء لأنه يقول الخلاصات داخل كل صفحة تقريبا ما يعني أن الكتاب ليست له ضوابط منهجية ـ أن الأصل في الإسلام هو القرآن، وأن السنة لا يعتد بها طالما أن هناك خلافات حولها. وأنا أتفق مع صاحبنا ـ وأعرف من همس له بالفكرة قبل نشر كتابه ـ ولكني أخشى أن يكون من يُسقطون السنة يسقطون الكتاب معها، ففي القرآن آيات كثيرة تحث على اتباع الرسول عليه السلام مثل هذه الآية”وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا” وآيات كثيرة أخرى في نفس المعنى.
ومن أعظم وأجمل ما في السنة النبوية الإخبار قبل قرون بهذه الدعوة القرآنية، فقد جاء في الحديث:” ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه”.
نتمنى أن لا يكثر الشبعانون.

لا يوجد تعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق