اللامعنى والتسفيه الممنهج في تدبير الشأن السياسي



عدد القراءات 549

مدير أسبوعية

هوية بريس – إبراهيم الطالب

الدول التي تحترم شعوبها، تبذل قصارى جهدها للالتزام بالأعراف والقوانين حتى تستقر المعاملات، ولا يتسرب العبث المسقط للهيبة إلى صلب قراراتها، فتفقد قوتها وسلطتها على النفوس.

لكن للأسف يبدو أن الشعب المغربي وصل إلى مرتبة متدنية من “الحگرة”، تُبدَّدُ أمواله العامة في شراء الأصوات وتنظيم المسيرات المفتعلة ضد بنكيران والإسلاميين، بعدها تصرف الملايير كثيرةُ الأصفار لتنظيم الانتخابات، ثم مع كل هذا العبث والتسفيه يتوجه المواطنون للتصويت على حزبٍ وأناس يَرَوْن فيهم الأهلية لتمثيلهم؛ وفي النهاية يحال بين الفائزين وتشكيل الحكومة.

فأي عبث وأي تسفيه للحياة السياسية هذا الذي نعيشه؟

إن العبث السياسي هو آلية للتحكم في الدول المتخلفة التي لم تستطع نظمها التخلي عن مزاجها الديكتاتوري؛ الذي غالبا ما يجعل الانتهازيين والوصوليين وأرباب المصالح هم الدوائر اللصيقة بمركز القرار، ومنهم يأخذ النظام رجاله لتدبير الشأن العام.

الفساد ينتج العبث عندما لا يستطيع حماية دوائره بالممارسة القانونية، وعندما تخذله الجماهير وتفضحه الصناديق، فالعبث السياسي هو ضرورة تفرضها الحماية الوجودية للمستفيدين من الفساد؛ والذين غالبا ما يجمعون بين السلطة والمال، فتصبح للعبث والفساد مؤسسات ونفوذ ومال يعطيه القوة لفرض رأيه وبرنامجه وهذا هو معنى التحكم.

وبعد توالي السنوات يصبح للفساد والعبث قواعد وعلوم، وأساتذة وفقهاء وصحافيون وسياسيون، فتتواطئ بقية النخب على الإفساد والعبث إما طمعا وإما خوفا، فيصبح الحق والصدق والنزاهة في عرف الناس سبيلا للسجن والتهميش والإقصاء؛ وتصير الخيانة والفجور والكذب سبيلا للاغتناء والقوة والسلطة، فيتقوى الفساد ويتجذر، وكلما قامت حركة إصلاحية أو حزب إصلاحي، لتصحيح الوضع ونشر الإصلاح، قام سدنة العبث والفساد بمحاربته، ولو كان هذا المصلح رأس البلاد نفسه.

على أن هذا العبث وهذا الفساد لا يمكنهما أن يتجذرا في الحياة العامة إلا بعد أن يسلك العابثون سياسة نشر اللامعنى، وانتهاج خطة لتسفيه كل شيء، فتضطرب الموازين وتخسر، وتختل المفاهيم وتفسد، فيصبح الناس وقد فقدوا معايير الحكم على الأشياء والأشخاص، فيلتبس عليهم الحق بالباطل، ويصعب عليهم التمييز بين الصادق والكاذب والأمين والخائن.

ولهذا أنبأنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه: “سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة”. الصحيحة.

فالمجال السياسي اليوم هو “أمر العامة” الذي تدار فيه كل شؤونهم، وصفات الرجل التافه اليوم مستحكمة في أغلب رجال السياسة، فأصبحت تجد المرابي والسكير عديم الثقافة ضعيف التكوين يمارس السياسة ويمتلك السلطة، ويتحكم في مصالح العباد والبلاد.

لكن، لا يمكن لهذا الرجل التافه أن يصل إلى مكان النفوذ وكراسي السياسة إلا عندما تختل الموازين وتضطرب المعايير.

فالميزان اليوم مختل تماما، فالزنا صار حرية جنسية، والخمر مشروبات كحولية، والربا فوائد بنكية، واللواط حرية فردية، وصار لكل هذه الموبقات مؤسسات جمعوية، وإدارات رسمية.

أما المعايير فمضطربة تماما إذ أصبح معيار الحلال والحرام متجاوزا، بل لا يستطيع أهله من العلماء والفقهاء الجهر به، إلا بإذن من السياسيين، واستعاض الناس عنه بمعيار المصلحة غير المنضبطة بالشرع، وأصبح الحلال ما أحله القانون، والحرام ما حرمه القانون، ولما كان القانون منتجا بشريا صار الناس يتنافسون في إقرار ما يشتهون؛ وما مالت إليه السلطة وأهلها شرّع للناس، وأصبح هو المعمول به المتواطؤ على فعله.

وبعد هذا الفساد والعبث بالموازين والمعايير، وصلنا إلى النتيجة أن الأمين فينا يُخوَّن زورا وبهتانا، وتشوه سمعته، وتُحرر التقارير المزورة بشأنه؛ ويقدم للتحقيق، وتنال من سمعته وسائل الإعلام الفاسدة، بل قد يسجن ظلما واعتداء، في حين أن الخائن فعلا الذي ثبتت اختلاساته للمال العام، موفور العرض، محمي الجانب، يلمع ويقدم على أنه السياسي النزيه والعامل المستقيم.

وما يقال في الأمين والخائن، يقال في الصادق والكاذب.

إن الفساد عندما يصير بنيويا في مجتمع ما، يستحيل نجاح أي مشروع إصلاحي معه، إلا إذا كانت هناك إرادة سياسية من أعلى سلطة في البلاد، وهذا ما أومأ إليه السيد بنكيران عندما كان يصرح ويلمح، ويظهر ويومئ، بعبارات الإصلاح في ظل الاستقرار، أي الإصلاح حتى يستفيد الشعب، والاستقرار حتى يستفيد النظام، وفي النهاية يستفيد الشعب والنظام من الإصلاح ويكون الخاسر فقط هم الفاسدون.

فهل ما يزال هذا التعاقد ساري المفعول، أم أن الظروف تغيرت وحصل الاستقرار، ولم تعد حاجة للاستمرار في طريق الإصلاح؟؟

يبدو أنه بعد خمسة أشهر من العبث السياسي؛ أصبحنا نسمع أخبارا تسند إلى مقربين من بنكيران، بأن هذا الأخير سيسلم المفاتيح للملك، معلنا نهاية هذه التراجيديا المبكية في الحياة السياسية للمغاربة.

وبهذا سيكون الإعلان الرسمي لسقوط كل الشعارات التي تتحدث عن الإصلاح والشفافية والمحاسبة ودولة الحق والقانون والانتقال “الديمقراطي”، ويكون كذلك بمثابة إعلان لبداية الفوضى واليأس والعبث، يتحكم فيها منهج اللامعنى، فيصير لا معنى للفوز في الانتخابات لأنك وإن فزت فيها فلن يدعوك تشتغل، ولا معنى للإصلاح لأن الفاسدين لا يتركون مجالا لمبادرات الإصلاح، ولا معنى للحكومة مادمنا استطعنا العيش كل هذه الشهور بلا حكومة، ولا معنى لأي شيء، المهم أن تكون بجانب أصحاب السلطة والقوة، ولا معنى لسؤالك هل هم فاسدون أم صالحون، لكن هل يمكن أن تستمر الأمور هكذا إلى ما لا نهاية؟؟

يخبرنا التاريخ في تجلياته عبر سيرورته في دورته المحكمة التي لا تتخلف، أن الفساد والعبث واللامعنى عندما يستحكم في الدول يتفاعل وينتفش، ويكبر ويسود، ثم يتهاوى بنيانه ليتشظى فوق أرض القانون الذي وضعه الله سبحانه في الكون منذ خلق السماوات: (كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال) (الرعد:16-17).

وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.

7 تعليقات

  1. أجيال نشأت في ظل الفساد حتى تطبعت معه وصار مألوفا، يحتاج الرجوع إلى الأصل التربية على القيم والمبادئ ومعرفة الحقوق والواجبات ، والنضال الجدي في سبيل تحقيقها و تطبيقها والمحافظة عليها من سوس الفساد،

  2. التزويروالنصب والرشوة والإستقواء بالثروة والتّيوَات حتى تصادر الحقوق والمستحقّات من أصحابها الأصليين فعل من أفعال إبليس،فالرسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا في معنى الحديث الصحيح من قام من مكانه ثم عاد إليه فهو أولى به،أما اليوم فبكامل العجب ننظر للذين نصب عليهم زورا باسم الملك في أراضي اشتريت ب50درهم للمتر وبيعت بأثمنة خيالية ولازال النصابون في الحرية ينعمون ،والمنصوب عليهم خداعا باسم الملك يعانون،وذات مرة رأيت من اشترى له ولأمه وأهله تذاكر بالكراسي الأمامية في حافلة يفرض عليهم تبديل المكان المرقم على تذاكرهم ويُجَلّس بالقوة مكانهم رجل وامرأة تطفح الغطرسة واللامعنى بوجوههم،أما بن كيران وصحبه فلايخاف عليهم لأنهم يعرفون المِدوار واللولب،وهم يعرفون قواعد اللعبة السياسية،ولو بدا بن كيران شعبويا وبسيطا للغاية فهو ولله الحمد داهية.

  3. البلوكاج شيء طاريء غادي يزول،لأن الفوز برئاسة الحكومة بحال الفوز بواحد العروسة شابة وزوينة بلا نقاب يستر،الجميع يحسدك عليها حتى الأقارب من ولاد لخوال ولعموم ،والبلوكاج اللي فلحكومة يسّمى تقاف،يليق نرقّيوهم واحد واحد باش نحّيولهم لبلوكاج وتّقاف اللي يجي غالبا بشي خدايم شينة hi hi hi.

  4. انهم ضد المحاسبة الكل يسرق عصابة من المجرمين نطالب بمعاقبة هذه العصابة في جميع الانتخابات المقبلة نحن كنا نبتعد عن السياسة ولاكن يااخواني بنوعلمان نخروا كل شيء ننتظر العري والفسق والمجون كل مرحب به في المغرب الاسلام يحارب وزير اوقاف قبوري علماني وزير الداخلية علماني ينفد اجندة الكل يضحك علينا باسم الديمقراطية عثابة تحتضر هنيا لك لن كيران مهما الاخطاء ولاكنك بشر وانسان تستحق التقدير

  5. مايتسكد حالنا حتى نعود للإسلام في عاداتنا ومعاملاتنا،الصدق والإخلاص والمحبة والتراحم والتسامح لما تكون بيننا وفي حياتنا يرحمنا ويسمحنّا الغْفّار،ورحم الله أميرالمؤمنين عمر بن الخطاب ورضي عنه وأرضاه نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله،وقال تعالى “ولو أن أهل القرى امنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض”قال العلما لو أن قرية في بطن الصحرا بلا ماء وبلا قوت وعندها الإيمان والتقوى مايضيعها الله لأنه سبحانه وعد بالفتح بالبركات والله لايخلف الوعد والميعاد.

  6. لا فض فوك . مع الأسف الشديد أغلب الصحف تتكالب على السيد بن كيران . و بعض الناس يصدقونها و يهاجمون الرجل بدورهم فيصبحون معاول للهدم بيد أعداء الإصلاح . فاللهم أرنا الحق حقا و أعنا على اتباعه و إرنا الباطل وباطلا و ارزقنا اجتنابه.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق