الله الله هل هو ذكر؟ أم مجرد كلام لا طائل من ورائه؟؟؟



عدد القراءات 420

حول موروث ابن عاشر تدندن وزارة الأوقاف (ح1)

هوية بريس – د. محمد وراضي

هذه الإشكالية الدينية، كان على الموصوفين عندنا بمشايخ السلفية معالجتها، تأكيدا منهم لربط العقل بالنقل من جهة، وتأكيدا منهم لوجوب القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من جهة ثانية.

والسؤال المطروح هنا له وجهان: وجه مسنون، ووجه مبتدع. وحتى نمعن أكثر في التوضيح، نسأل مشايخنا من سلفيين وطرقيين وكافة علمائنا، عما إذا كانت لدينا نصوص قرآنية وحديثية، توجب على المؤمنين التقرب إلى الله بتكرار لفظ الجلالة “الله الله” لمئات المرات، بل لآلاف المرات؟ كما يدعو الشيوخ مريديهم إلى القيام بعمل، نص القيام به غير وارد، لا في أي آية قرآنية، ولا في أي حديث نبوي شريف؟

نعم، هناك في النظم الكريم أوامر متكررة بالإكثار من ذكر الله، نظير قوله سبحانه: “يا أيها الذين آمنوا أذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا“. ونظير قوله ص: “لأن أقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس“.

وبما أن مشايخ مختلف الطرق الصوفية، يجلون ابن عربي الحاتمي، إلى حد أنهم يصفونه مرة بالشيخ الأكبر، ومرة بالكبريت الأحمر. فماذا يا ترى يقولون إن نحن قدمنا لهم دليلا على أنه لا يرى من وراء التعبد بالاسم المفرد أي طائل؟ ففي الوصية الخامسة من كتابه “الوصايا” قال: “ثابر على كلمة الإسلام، وهي قولك: لا إله إلا الله، فإنها أفضل الأذكار بما تحوي عليه من زيادة علم. وقال النبي ص: “أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله“. فهي كلمة جمعت بين النفي والإثبات. والقسمة منحصرة، فلا يعرف ما تحوي عليه هذه الكلمة إلا من عرف وزنها، كما ورد في الخبر الذي نذكره في الدلالة عليها. فاعلم أنها كلمة توحيد. والتوحيد لا يماثله شيء. إذ لو ماثله شيء ما كان واحدا ولكان اثنين فصاعدا. فما تم ما يعادله إلا المعادل أو المماثل. وما تم مماثل ولا معادل، فذلك هو المانع الذي منع “لا إله إلا الله” أن تدخل الميزان. فالإنسان إما مشرك وإما موحد، فلا يزن التوحيد إلا الشرك، ولا يجتمعان في ميزان، وعندنا إنما لم تدخل في الميزان لما ورد في الخبر لمن فهمه واعتبره، وهو خبر صحيح كما ورد في هذا الحديث القدسي: “لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع وعامرهن غيري في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله“.

ثم أوضح ابن عربي في نفس الوصية الخامسة بأن “لا إله إلا الله” أفضل عند العلماء بالله من الذكر بكلمة “الله الله”، و”هو هو”.

ودعما لمقولته التي أكد فيها وجوب الاشتغال بذكر “لا إله إلا الله” -لأنه ذكر مسنون بنص حديثي صحيح- نسوق ما ورد في “تلبيس إبليس” لابن الجوزي بخصوص التعبد بالاسم المفرد، راويا عن أبي بكر الديف الصوفي إذ يقول: “سمعت الشبلي وقد سأله شاب: يا ابا بكر لم تقول “الله” ولا تقول “لا إله إلا الله”؟ فقال الشبلي: “أستحيي أن أوجه إثباتا بعد نفي”، فقال الشاب: أريد حجة أقوى من هذه فقال: “أخشى أني أوخذ في كلمة الجحود ولا أصل إلى كلمة الإقرار”.

مما يعني أن الشبلي أفقه في الدين من المختار ص!!! وأفقه من جميع الصحابة والتابعين والأئمة والمحدثين والمفسرين!!! فإن ادعى أنه يستحيي أن يوجه إثباتا بعد نفي (فلا “إله” نفي، و”إلا الله” إثبات! فهذا يعني أن الرسول الأمين لا يستحيي مثله وهو الذي قال لنا بالحرف: “أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله”.

وعند الإمام ابن تيمية في “فتاويه” نقرأ هذا النص الثمين، فقد قال: “وكذلك أصحاب الرياضة والتجرد، فإن صفوتهم الذين يشتغلون بذكر بسيط مثل “لا إله إلا الله”، لم يغلوا فيقتصروا على مجرد “الله الله”، ويعتقدون أن ذلك افضل وأكمل، كما فعله كثير منهم، وربما اقتصر بعضهم على “هو هو”، أو على قوله “لا هو إلا هو”! لأن الذكر المبتدع الذي هو لا يفيد بنفسه، إلا أنه مطلقا ليس فيه ذكر إلا بقصد التكلم.

وخلاصة كل ما ذكر، هي أن الإشكاليات التي تطرح في الدين، لا بد أن تعالج بالنقل والعقل كليهما، حتى لا نظل مجرد حرفيين نصيين؟ فالنقل والعقل حاضران -كما رأينا- عند كل من ابن عربي، وابن الجوزي، وابن تيمية، للتدليل من جهة على أن اعتماد العقل المنطقي لدى السلفيين يفند مزاعم القائلين بأنهم غير عقلانيين بالمرة. ومن جهة أخرى، يستحيل تخطي ما يعتبر في نظرنا أخطاء الأجداد، إن لم نزاوج مثلهم في مناقشة مختلف القضايا، بين ما هو منقول وبين ما هو معقول.

فإن رفض ابن تيمية الذكر بتكرار “الله” و”هو” لأنهما ذكر مبتدع لا يفيد بنفسه؟ إذ أنه مطلقا ليس فيه ذكر لله إلا بقصد التكلم. فإننا من جهتنا لا نرى اية فائدة في تكرار لفظ الجلالة “الله الله”، لأنه لا يحمل أي معنى يتجاوز التكلم به، كتكرارنا مثلا لأسماء كل من: سعيد -وسيم- فاطمة، أي أنه لا يمكننا اعتبار ما كررناه كلاما مفيدا بأي وجه كان! ومثله “هو”. فابن آجروم يقول: “الكلام هو اللفظ المركب المفيد بالوضع”. والتلميذ في الابتدائي يفهم أن مجرد اسم من الأسماء، أو فعل من الأفعال، أو حرف من الحروف، لا يمكن أن يعتبر جملة مفيدة. لكن لهذا الثالوث معنى حين يتم تركيبه في مثل قولنا: “الله جل جلاله”. مما يعني أن الاسم كمبتدأ لا بد له من خبر، وأن الفعل لا بد له من فاعله. فتكون البرهنة على أن تكرار “الله الله”، أو تكرار “هو هو” لا يعتبر ذكرا لله. لأن رسول الله لم يتعبد به، يعني أنه مبتدع غير مسنون. ثم إنه لا يعتبر كلاما مفيدا بالوضع. ومن هنا نفهم كيف أن النصارى لا يتعبدون بتكرار الاسم المفرد، ونفس الشيء بالنسبة لليهود الذين لا يكررون “إلوهيم”! غير أن المتكلمين باسم الدين عندنا، يجدون راحتهم في ابتكار ما ليس له بالدين أية صلة؟؟

لا يوجد تعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق