المجتمع والسلطة والتعامل مع الوباء.. دروس من تاريخ المغرب

22 مايو 2020 23:16
التليدي: تدوينة الرد على الدكتور عبد الصمد بلكبير والرميد (بخصوص بنكيران)

هوية بريس – بلال التليدي

 جرت العادة أن يتم تقديم كتاب جديد جادت به المطابع حديثا، لكن، في هذه المراجعة، سنقلب هذه القاعدة، ونقدم كتابا بحثيا، حول تاريخ المجاعات والأوبئة بالمغرب في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، تقديرا للأحوال التي يعيشها العالم بعد اجتياح وباء كورونا له، ورغبة في وضع القارئ أمام الصورة التي كان عليها جزء من المجتمع العربي، بسلطته المركزية، وطليعته المجتمعية وعلمائه وفقهائه، وبالإمكانات المتوفرة في مواجهة الأوبئة، وكيف كان المجتمع الأوروبي يخرج من هذه الأوبئة، ويتطلع لثورات فلاحية وصناعية وعلمية، بينما كانت هذه الأوبئة تزيد العالم العربي الإسلامي تخلفا وركودا، وكيف كانت السلطة المركزية على قلة ما بيدها تدير الأزمة، وكيف كان المجتمع يتصرف مع الكوارث، وما الرؤية التي كان يتبناها في تفسيرها، وما الآليات التي كان يلجأ إليها للخروج من مأزقها وما الكلفة التي يقدمها في سبيل ذلك؟
ليس الكتاب إلا “تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر”، للدكتور محمد الأمين البزاز، الذي شهد فيه المؤرخ المشهور جرمان عياش بعلو الكعب في البحث التاريخي المتأني، والدقة في جمع المعلومات ومقارنة الوثائق، والحفر على المعطيات من مصادرها الغميسة. فقد تابع المؤرخ جرمان عياش أطروحته الأولى “المجلس الصحي في المغرب” وشهد له بالتوسع في جمع البيبلوغرافيا والتنقيب المتأني عن الوثائق المتعلقة بموضوعه، والفهم الدقيق للوثائق، والحرص على إدراج الأحداث الخاصة في إطارها الزمني، والاهتمام بتقصي أسبابها وتحليل انعكاساتها. فالكتاب هو أطروحة الدكتوراه للمؤرخ محمد ألأمين البزاز، ناقشها سنة 1992، ونشرت بعد ذلك ضمن منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، وتولت مطبعة النجاح الجديدة بالبيضاء طبعها.

في دواعي البحث في تاريخ الأوبئة والمجاعات في المغرب

لاحظ الباحث في سياق اشتغاله بالبحث في الحقل التاريخي أن ما يشغل الباحثين أو غالبيتهم هي القضايا السياسية والوقائع الحربية في تاريخ المغرب، معللين ذلك بأنها تفسر مجمل التحولات التي عرفها المجتمع المغربي، وانتقد عليهم عدم الانتباه إلى الأزمات الديمغرافية التي كانت تنتج في الغالب عن  الأوبئة والمجاعات، مع أن المعطيات التي تخص هذه الظواهر ملأت الوثائق التاريخية وسجل الأحداث في المغرب، ولاحظ المفارقة الكبيرة في البحث العلمي بين الغرب الذي أعطى اهتماما كبيرا لهذه الحوادث واستفاد منها، وبين ندرة العناية بهذه الجوانب في الحقل الأكاديمي العربي، وأدرج مثال مدرسة الحوليات الفرنسية وكيف قطعت أشواطا بعيدة في مجال البحث في هذا المجال، وأن ذلك ما دعاه كمؤرخ أن يهتم بهذه الظاهرة، ويسلط الأضواء التاريخية على مختلف الوقائع الخاصة بهذه الظواهر، ليس فقط لدراسة الماضي، ولكن لأخذ العبر والدروس من هذه التحديات الصحية وآثارها الديمغرافية والصحية والاجتماعية والاقتصادية.

ومع أن البحث في هذا المجال يتطلب تقاطع تخصصات كثيرة نفسية وصحية وسوسيولوجية واقتصادية وربما حتى سياسية، فقد اختار الباحث المغامرة، وخوض هذه التجربة، وتسليط  الضوء من زاوية تاريخية على هذه الأوبئة والمجاعات التي تعرض لها المغرب خلال قرنين من الزمان (القرن الثامن عشر والتاسع عشر) وذلك لاعتبارين اثنين: الأول لأن القرنين السادس عشر والسابع عشر خضعا من قبل للدراسة، والثاني لكون القرن الثامن عشر والتاسع عشر عرف زخما كبيرا من هذه الأوبئة والمجاعات، والثالث لأن دراسة الأوبئة في هذين القرنين من وجهة نظر الباحث، توفر أرضية صلبة لمقارنة الهوة الصارخة بين المغرب وأوروبا، وسبب تقدمها وتأخر المغرب، إذ في الفترة التي عرف فيها المغرب هذه الأوبئة والمجاعات المتكاثرة، تعافت أوروبا منها واستثمرت قوتها الديمغرافية في إحداث ثورة فلاحية وصناعية وعلمية، بل استثمرتها في تحويل قدراتها إلى مطامح توسع استعماري تسلطت على دول العالم الثالث.

الأوبئة والمجاعات في المغرب: الآثار النفسية ذريعة ظهور المهدوية أو تدعيم الاستقرار السياسي
تناول الدكتور الأمين البزاز في الباب الأول منة كتابه، تاريخ الأوبئة والمجاعات والحروب الأهلية في المغرب ما بين سنة 1722 إلى سنة 1826، تعرض فيه للكوارث الطبيعية التي بدأت منذ السنوات الأخيرة لحكم المولى إسماعيل، وكيف تلاحقت في عهد خلفائه متزامنة مع الحروب الأهلية، وبين فيها كيف خلقت من الدمار ما لا تذر معه خسائر الحروب، حيث أبرز المؤلف نتائجها على الصعيد الديمغرافي والاقتصادي، معللا في ضوئها ظهور بعض الحركات المهدوية التي استمدت مبررها وحججها من الرواسب النفسية التي خلفتها الكوارث في الذهنية الجماعية. كما بين في المقابل كيف استثمر السلطان مولاي محمد بن عبد الله هذه الحالة النفسية لإعادة الاستقرار والهدوء للبلاد. 

كما تعرض في الفصل الثاني من هذا الباب للمجاعة التي اعترضت عهد هذا السلطان في سنوات 1776 و1782، مبينا دورها في تقليص مداخيل المخزن وتسبب ذلك في بروز عدة اضطرابات مما يعطي فكرة عامة عن نتائج القحط والجوع التي تجمعت لتحجب معالم قوة الحكم المركزي.
أما في الفصل الثالث في هذا الباب، فقد خصصه للطاعونين الجارفين اللذين حصلا في سنوات 1778 و1800 و1818 و1820، ثم المجاعتين التي تعرض لهما بالمغرب سنتي 1825 و1826، والنزيف الديمغرافي الذي تسببت فيه، والآثار التي تركتها خاصة على المجال الفلاحي، وكيف أدت إلى تخريب شروط أي تطور أو تراكم في الخبرات والمهارات، كما حاول الباحث الربط بين هذه الكوارث وبين بروز ثورات الجبليين وهزيمة زيان.

وقد خصص الباحث الباب الثاني برمته لتفصيل التسرب الأوروبي، والأوبئة والمجاعات التي تعرض لها المغرب وآثار ذلك على  المستوى المعيشي للسكان، فتعرض لسلسة الكوارث التي تعرض لها المغرب ما بين 1834 و1960، وكارثة 1869 ـ 1888 ، ثم كارثة 1878 ـ 1883، ثم سلسلة الكوارث الجديدة التي تعرض لها المغرب بعد استراحة 1885 ـ 1889، إذ سرعان ما واجع نكبات 1890 ـ 1896، ليخصص الباب الثالث والأخير من كتابه لدراسة هذه الكوارث، وردود فعل السكان والمخزن، وموقف العلماء والفقهاء من الأوبئة والحجر الصحي.

الأوبئة في مخيلات المجتمع المغربي في القرنين الثامن والتاسع عشر.. الغضب الإلهي والاختلال في فعل الإنسان
يؤرخ الباحث لردود فعل السكان من الأوبئة، ويلاحظ الثقل الديني في تفسيرهم لهذه الأوبئة، إذ يبدأ التفسير باعتبار الأوبئة غضبا إلهيا وعقابا من السماء، وينتهي إلى الربط بين هذا الوباء وبين الفعل الإنساني، فالغضب الإلهي لا ينزل إلا إذا كان هناك فساد أو اختلال من كسب الإنسان وعمل لديه، وقد اشار الباحث إلى أن هذا التمثل لم يكن محصورا على السكان أو الفقهاء، بل كان السلاطين والحكام يتبنونه أيضا.
على أن ربط الأوبئة والكوارث في تمثلات السكان لم يكن فقط بفساد الأخلاق وبروز البدعة في العقيدة، وإنما أيضا بسلوك السلطة وظلمها، وبتعاملها مع النصارى وسماحها للتسرب الأوروبي وما نتج عنه من تفقير للسكان، في حين لاحظ الباحث وجود عدد من الأدبيات القريبة من السلطة التي كانت تبث خطابا يعزو الأوبئة إلى معاصي الرعية وخروجها عن مقتضى الدين.

الجوع والأوبئة.. تكثيف الادخار للأغنياء والتضامن الاجتماعي مع الفقراء

ومما أتاحه الاطلاع الواسع على الوثائق، ما سجله الباحث من تعدد ردود فعل السكان، فلا يكتفون بتبني الرؤية الدينية في توصيف الوباء بكونه غضبا إلهيا بسبب المعاصي التي يرتكبها العباد والفساد والاختلال الموجود في المجتمع أو السلطة، وإنما يتجه سلوكهم إلى الواقع، وإلى محاولة مواجهة هذا الوباء بالتفكير في طرق سد الجوع، وذلك بتكثيف عملية الادخار، وبناء ما يسمى بالمطمورات (حفر مطمورة ومعاطاة داخل الأرض) وذلك لخزن الحبوب والأغذية والإبقاء عليها أطول مدة ممكنة لتلافي الوقوع في الجوع، كما يسجل الباحث تعدد وسائل التخزين التي كان يلجأ غليها السكان بسحب عوائدهم وبحسب مقر وجودهم في القرى أو المدن. 

ويسجل الباحث ملاحظة مهمة في هذا السياق، فالذين كانوا يقبلون على التخزين هم الأغنياء لأنهم كانوا يملكون الإمكانات لفعل ذلك، لكن ذلك لا يعني أن الفقراء كانوا يموتون جوعا، وإنما كان السكان يلجأون إلى فضيلة التضامن الاجتماعي لمواجهة هذه الكوارث، إما عبر تكثيف عمليات الوقف الإسلامي، أو الصدقات التي كان يوجهها الأغنياء لمتسوليهم المعروفين، وأيضا من خلال الأعمال الخيرية التي كان الأغنياء يقومون بها.
ويسجل الباحث أن هذه الأعمال الخيرية لم تكن محصورة فقط عند الحضريين بل كانت مشهورة حتى في الأوساط القروية، كما لم يغفل الباحث الدور الذي كانت الزوايا تقوم به في مواساة الفقراء وسد جوعتهم، والإعانات التي كان المخزن يقدمها للفقراء، لكنه أشار إلى محدوديتها وعدم قدرتها على احتواء الخصاص الكبير الذي كان يظهر على مطالب السكان المتضررين من هذه الكوارث، مما يلجئ الفقراء إلى اقتلاع النبات وتجفيفه وتطهيره من المواد السامة وطحنه والتماسه طحينا لإعداد الخبز، وكان الكثير من الناس يتعرضون للموت بسبب تناولهم لطحين هذه النباتات العسيرة على الهضم.

والمثير في دراسة البزاز، هو رصد مختلف أنواع السلوك الإنساني في التعامل مع الكوارث، لاسيما السلوك الهمجي الذي كانت تضطر إليه بعض فئات السكان التي تتضور جوعا من الكوارث فتضطر إلى أكل الحيوانات الأليفة كالقطط والكلاب والجيف وحتى أكل الآدمي، فيما كان يلجأ البعض إلى الهجرة نحو المجهول، ويضطر البعض الآخر لوأد الأولاد للاستراحة من كلفتهم المادية، أو بيعهم وبيع النساء معهم وما يترتب عن ذلك من إشكالات فقهية خطيرة، فضلا عن بروز ظاهرة البغاء والردة على الدين والسطو المسلح على أملاك الغير وغيرها من ردود الفعل التي كان يضطر إليها الجوعى والمنكوبين من الأوبئة.

ومما تابعه الباحث في بحثه رصد سلوك المخزن في التعامل مع المجاعات والأوبئة، فلم يكن المحزن يقتصر على توفير الطعام ومساعدة المحتاجين، بل كان يتجه بقوة للضرب بحديد على المحتكرين ومدخري الطعام الذين كان يعتبرهم السبب الأساسي لغلاء المعيشة، وما سجله بعض المؤرخين في سلوك بعض السلاطين أنهم كانوا يعمدون إلى إعطاء المال لشراء الأطعمة من النصارى وبيعها بنفس القيمة التي اشتريت به لفائدة السكان المتضررين من الأوبئة والمجاعات. كما كان يقوم بتسليف القبائل المال من اجل تحمل مسؤولية إطعام الناس، وكان يتحمل إيقاف جبي الضرائب سنوات متعددة حتى يخرج المغرب من الكارثة بسلام.

 

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
29°
33°
الجمعة
27°
السبت
26°
أحد
26°
الإثنين

حديث الصورة

كاريكاتير