المشروع الإصلاحي بين التنظيم الرسالي والتنظيم الهلامي



عدد القراءات 478

التدوين وأمانة التاريخ ومسؤولية الحاضر

هوية بريس – ذ. امحمد الهلالي

تابعت باهتمام المناقشات الدائرة حول التنظيم في صلته باشكالية الانفتاح والطائفية وفي تمفصله بين ملكية المناضلين و تملك الجماهير والانكلاق من ذلك للدعوة الى فك ارتهان حزب العدالة والتنمية بحركة التوحيد والاصلاح بوصف الاول تنظيم مفتوح في ملك الناخبين وعلى اساس التعاقد بينما الثانية جماعة ترتبط باعضائها على اساس العضوية.

وقبل مناقشة وجهات النظر هاته في بعض الحجج التي استوقفتني اريد قبل ذلك الرجوع الى اصل النقاش حول اشكالية التنظيم بين الجماعة والحركة وبين الجماهرية والصفوة والنخبة واخيرا بين الرسالية والطائفية.

أولا: سؤال التنظيم في التجارب الاسلامية خارج المغرب

سيرة التنظيم في التجارب الاسلامية العالمية يمكن ان يصدق عليها النظرية الخلدونية الدائرية في التعاقب الحضاري، اذ تم الانطلاق من الاغفال التام للتنظيم في عند رواد النهضة الاصلاح الى ما احدثه البعد التنظيم والعمل الجماعي من ادوار بعد مرحلة الصحوة وحركة الاحياء.

1- من العمل الفردي الى الى العمل الجماعي المنظم

ان نقاش التنظيم في جدواه وماهيته لم يمكن خصوصية مرتبطة بالحركة الاسلامية المغربية، بل ظل موضوعا مواكبا للتجربة الاسلامية المعاصرة برمتها.
فمنذ عشرينيات القرن الماضي بدات ملامح التنظيم في علاقته بالمشروع في التشكل عندما ظهر البعد الجماعي والمؤسسي في الفعل الاصلاحي وذلك بعد ان ورث جيل الصحوة المشعل عن رواد النهضة الذين اطلقوا جهودهم الاصلاحية الفردية من مواقهم العلمية بوصفهم علماء ورموز نهضوية او انطلاقا من المؤسسات الرسمية التي كانوا يعملون بها في الفضاءات العلمية والتربوية او في رحاب الزوايا والطرق الصوفية التي كانوا ينتسبون اليها.

غير ان هذا الانتقال من الجهد الفردي الى العمل الجماعي المنظم بقدر ما قدمه من دفعة وازنة للمشروع الاصلاحي بقدر ما أورثه من المظاهر والظواهر السلبية التي رافقت تحديات هذه الانطلاقة ومنها الملابسات الموروثة من المصدر الذي اقتبست منه الفكرة وهي التنظيمات السياسية كالاحزاب الشمولية والتشكيلات الاجتماعية كالزوايا الصوفية القائمة يومئذ، ومن هذه الرواسب فكرة الجماعة الجامعة وفكرة امتلاك الحقيقة وفكرة الفرقة الناحية والطائفة المنصورة التي اطلقتها نصوص شرعية على مجموع الامة وتم تنزيلها في البدايات الاولى للصحوة على التنظيمات قبل الاهتداء الى مراجعتها.

إن الاستدراكات المقاصدية والمراجعات الفكرية التي قام بها علماء ومغكرون ورواد النقذ الذاتي الاوائل من مثل الدكتور عبد الله فهد النفيسي والشيح حسن عبد الله الترابي والنقد الجماعي الذي مارسته حركة النهضة التونسية في مؤتمراتها زمن النفي ثم المراجعات التي اسهمت بها حرمة التوحيد والاصلاح المغربية، كلها ساهمت في تخليص العمل الاصلاحي الاسلامي من رواسب التنظيمات الهرمية والخيطية والسرية الموروثة عن الاحزاب والتنظيمات الشمولية التي كانت طاغية وقتئذ وراجعت الاسقاطات المفاهيمية والقيمية الخاصة بالامة التي تلبست بها التنظيمات الحركية.

2- التنظيم بين “الحل قي الحل” و”خطاب المابعدية”

وفي هذا الاطار نستحضر نقاش آخر تم طرحه بالتزامن مع هذه المراجعات والذي عرف باطروحة “الحل في الحل” على اثر ما اقدم عليه المفكر القطري جاسم سلطان من حل التنظيم الاسلامي الذي كان يقوده وما اثاره ذلك من نقاشات واسعة خصوصا بعد الابعاد المعرفية التي اضفاها عليه مقالين في الموضوع لكل من الدكتور فهد النفيسي وللدكتور المختار الشنقيطي، وذلك في نطاق البحث عن جواب لسؤال جدوى العمل المنظم وكمحاولة لتقديم عرض جديد للتفاعل مع طروحات “خطاب المابعدية” اي ما بعد التنظيمات الاسلامية . وهو النقاش الذي اطلقته باحترافية كبيرة مراكز تفكير تابعة لصناع القرار في الغرب وتلقفته دوائر اعلامية مح لية وروج له بعض المحللين في والمعلقين الاعلاميين في اطار الجهود المبذولة للبحث عن بدائل لما سمي بالاسلام السياسي وتشحيع تخالف المسلمين المعتدلين مع الاسلام التقليدي كما ناظى بذلك تقرير مؤسسة راند الامريكية.

غير ان هذا النقاش سوف يختفي ويطويه النسيان في ضوء مجريات الربيع العربي وموقع الاسلاميين من تفاعلاته والنتائج التي ابان عنها دور التنظيم في نيل ثقة الناس ومحدودية التنظبمات الجديدة لتيارات محظوظة او تنظيمات رموز الثورة التي انشئت لمنافسة التنظيمات الحقيقية؛ كل ذلك ابان عن هشاشة هذا العرض وافتعالية السؤال من اصله، وهو ما اطلق العنان لمقاربة اخرى احيت الخيار الاستئصالي ضد الاسلاميين واطلقت يد الثورة المضادة والاستبداد المحلي للانقلاب على مخرجات الربيع العربي وعلى كسب الاسلاميين بهذا الخصوص لتنطلق معها اطروحة جديدة هي تعميم “تهمة الارهاب” التي رافقت التنظيمات الجهادية على تنظيمات الحركة الاسلامية المعتدلة والمشاركة في الحياة السياسية، والسعي الى تصنيف هذه التنظيمات الوسطية والمعتدلة ضمن قوائم محلية للارهاب بعد ان خاب الامل في استصدار قرار بهذا التصنيف في دول غربية كبريطانيا وامريكا وغيرها.

ثانيا: الحركة الاسلامية بالمغرب وسؤال التنظيم

ان نقاش اشكالية التنظيم عند الحركة الاسلامية وعند الهيئات الحاملة لمشروع مجتمعي بشكل عام ليس جديدا ولا طارئا سواء في المغرب او خارجه، وايراده في سياقات سجالية دونما احالة على مظانه ووجهات النظر الموثقة بشأنه، قد توحي بانه نوع من السبق او الاكتشاف الجديد، والحال انه قديم يتجدد بمناسبات عديدة وهو موثق في انتاجات فكرية مؤسساتية او في كتابات مبدعة لرموز فكرية وقيادات اسلامية معروفة .

ثالثا: التنظيم بين التقليد والتجديد

لم يكن مطلب التجديد في الحركة الاسلامية مرتبط بالجانب المعرفي والفكري او بالادبيات التصورية وحسب، بل شمل ايضا المسألة التنظيمية ضمن سؤل اعم يتعلق بما العمل . وبمراجعة سيرورة هذا النقاش يتبين انه حضر عند حركة التوحيد والاصلاح على نحو ملفت، على الاقل في ثلاث محطات محطة تغيير اسم الحركة ومحطة التحول من التنظيم الشامل الى فلسفة التخصصات ثم محطة اكلاق مباظرة السؤال.

– ففي المناسبة الاولى تم الانتقال من مفهوم الجماعة الى مفهوم الحركة بمناسبة تغيير اسم الحركة من الجماعة الاسلامية الى حركة الاصلاح والتجديد وما رافق ذلك من تاصيل فكري وتقعيد نظري لكل كلمة من كلمات هذا الاسم الجديد؛ وهو الامر الذي تكرر وترسخ بأبعاد جديدة عند اعتماد اسم حركة التوحيد والاصلاح بعد الوحدة الاندماحية بين روافدها.

وهنا يكفي الاحالة على خلاصة هذا النقاش في مضامين مفهوم جماعة والحيثيات دفعت الى تبنيه بادئ الامر والدوافع التي ادت الى العدول عنه تحت الانتباه الى ان الحركة هي مجرد جماعة من المسلمين وليست جماعة المسلمين.

– أما المحطة الثانية: فقد اقتضت غلسفة التخصص في الحركة ان يتم الحافظ للحركة على وظاىف ثلاثة هي الدعوة والتربية والتكوين بوصفها مهام حيوية تصب في مجموعها في دور التخريج للانسان الصالح المصلح الذي ينهض بمهمة اقامة الدين وتجديد فهمه والعمل به باعتبار ذلك يشكل رسالة الحركة واحد معالم رؤيتها الاستراتيحية المتمثلة في كونها عمل اسلامية لاقامة الدين واصلاح المحتمع . وما عدى ذلك من مجالات العمل التي تجسد فعلها الاصلاحي اختارت ان تفوته الى هيئات متخصصة او ان تتعاون فيه مع هيئات مجتمعية قائمة.

وقد انعكس هذا الاختيار على الفلسفة التنظيمية للحركة في معلمين اساسيين الاول يتمثل في توحيد مصدر التلقي التربوي والتكويني المنتج للموارد البشرية التي ستضطلع بمهمة الاصلاح والتربية والثاني في تحرير ارادات العمل والفعل في نطاق من التكامل والتعاون والبحث عن المشترك ومد الجسور فاختفت بذلك وعلى نحو تدريجي اي رواسب للمنطق الطائفي او رواسب التميز والسمت او الاستعلاء الايماني والمفارقة الشعورية، وعوضتها مفاهيم المخالطة الايحابية والتعاون وتوسيع دائرة النحن والمقاربة الايجابية. مما يحعل كل احالة على منطق الجماعة او منطق الطائفية نوع من المصادرة ونوع من عدم المواكبة للمستجدات التي شهدتها الحركة منذ سنوات ليس بالقليلة.

– وفي المحطة الثالثة: والتي شهدت تقاشا معمقا لهذا المفهوم، فهي مناسبة مبادرة السؤال التي خاضتها الحركة في معرض اطلاق دينامية فكرية جديدة. وهي المبادة التي تمحورت حول سؤال المشروع والمنهج والامة والانسانية ؛ وبالاساس حول سؤال التنظيم في ماهيته ووظيفته وشبكة علاقاته ثم في تموقعه ازاء مكونات المجتمع المختلفة والتموقف من جملة القضايا التي تهمه. وهي المبادرة التي احتضنتها مجموعة من الندوات الفكرية وترجمها الاستاذ فيصل البقالي في كتاب لخص فيها بتركيز اهم الخلاصات مصنفة ومبوبة بشكل بديع ينم عن حس ابداعي ووعي تاريخي هام.

وضمن هذا السياق اكد السيد الحمداوي ان “السؤال حول التنظيم والمشروع .. في محور اهمية السؤال في تجديد الفهم والعمل.”هو في العمق تعبير عن الجرأة في التفكير الاستشرافي الذي يسمح بان يجعل من ذاته التنظيمية المنتجة موضوع سؤال وتفكير؛ إنه بالفعل بحث عن الفعالية الإصلاحية. إننا واعون حينما نطرح الحاجة للسؤال الفكري استئنافا واستكشافا وإشراكا، بأن الغاية ليست هي أن نتحول إلى مؤسسة فكرية أو فضاء معرفي للتفكير المجرد عن حيوية الإصلاح وحرارة الفعل التاريخي المرتبط بالأسئلة الحقيقة للمجتمع والأمة والإنسانية جمعاء، أو التفكير التأملي البعيد عن حركة الواقع وتحولات العصر، بل نحن واعون بأن الطبيعة الإصلاحية لحركتنا تستلزم أن نظل إطارا إصلاحيا حاضنا للسؤال الذي يستنير بالهدي القرآني ويسترشد بالنهج النبوي ويستلهم الدور التاريخي للمصلحين عبر التاريخ، من أجل تجديد فهم الدين والعمل به، والإسهام في إصلاح أوضاع مجتمعاتنا وتنمية شروط النهضة فيها.

لذلك فقد اسهمت مبادرة السؤال هاته في الارتقاء بالتفكير بموضوع التنظيم من مجرد نتاج لتراكم الخبرة التاريخية وثمرة للتحجربة الحياتية كتعاقب لفعل الكسب والتعثر والنجاح والاخفاق الى مجال النظر المعرفي والتأمل الفلسفي والتثاقف الفكري الذي اثرى كسبنا في مجال التنظيم وفتحه على افاق واعدة في “نظرية العمل” التي تقترحها الحركة على العمل الاسلامي برمته وهو ما جعله قبلة لعدد من المدارس للتأمل والدراسة واستلهام ما يناسب البيئات المتقاربة .

وفي مجال الانتاجات الفكرية للرموز والقيادات الفكرية سوف نعرض لوجهتي نظر متقابلتين: الاولى تطرح فكرة هلامية عن التنظيم “لا القاب فيه ولا انصاب ولا مساطر ولا استصنام” تحت اسم مخالف للجوهر الذي يتطلع اليه تخت عنوان التنظيم الفطري في مقابل التنظيم الميكانيكي حيث الفطرة هي التنظيم واللافطرة هي الفوضى والعبث وليس العكس.

والثاني يقدم مراجعة لمفوم تنظيم الجماعة (الطائفة المنصورة) ويقدم مفهوم التنظيم الرسالي.
1- التنظيم الهلامي مقابل التنظيم الميكانيكي

اعاد الدكتور فريد الانصاري رحمه الله لنقاش التنظيم راهنيته في كتابه الموسوم “بالاخطاء الستة للحركة الاسلامية بالمغرب” وذلك في معرض مناقشته لما سماه بالاستصنام التنظيمي عند بسطه لبعض ما اعتبره نقدا للتنظيم الميكانيكي بما هو “الأسلوب الإداري التنظيمي الذي يعتمد البناء الهرمي العمودي في إدارة العمل وتسييره، إذ إنه يعاني من مشكلة التقوقع الحزبي، بما يشكل لديه فضاء داخليا مختنقا، لا يتيح للمنتسبين إليه أن يتنفسوا خارجه.” مستعيضا عنه بفكرة “التنظيم الفطري” في مقابل التظيم الميكانيكي نسبة الى الفطرة بحسبانه تنظيم يتسم بخلوه من المراتب والألقاب، الذي لا مجال فيه للأحلاف والأقطاب، ولا مكان لبناء التماثيل والأنصاب، ثم تسند الاختصاصات إلى أهلها، بلا لغو انتخابي، ولا عبث ديمقراطي، وإنما الشورى الإسلامية المتأنية”.

ومفهوم التنظيم الفطري بهذا التوصيف تم التاسيس له انطلاقا من بعض الخواطر والهواجس التي كبرت في ذهن المرحوم او ضخمت له عندما انخرط في العام الدعوي والعلمي العام وابتعد عن مجريات الحركة، ومن هذه الخواطر ما اكده في ذات الكتاب حول ثلاث قضايا ذات صلة بموضوع التنظيم وهي مسألة الامانة الاخلاقية ثم قضية الدعوة والتربية ثم ما سمي بالاستصنام الحزبي والهوى الديموقراطي .
ففي القضية الاولى قال الدكتور الانصاري رحمه الله و”على مستوى الأمانة الأخلاقية، فقد كانت هي الضحية الأولى التي ذبحت عند قدمي الصنم السياسي، وبات الرهان خاسراً، فبدل أن “يخلِّق” الإسلاميون الحياة السياسية، تدنسوا بأوساخها . ليس هذا وحسب بل ان “العمل التربوي والدعوي انهار بصورة رهيبة، وضعفت مقاصد التعبد لدى أبنائه بسبب بروز المغانم السياسية، وتطلع ضعيفي الإيمان منهم إلى إغراءاتها المادية”.

وثالث الاثافي يضيف الدكتور هو “إن الاستصنام الحزبي جعل كثيراً من أبناء العمل الإسلامي منشغلين بهموم الناس الدنيوية فقط، ثم جعلوا ـ بعد ذلك ـ لهمومهم الشخصية من تلك الهموم حظاً.
ويختم صاحب الاخطاء الستة انطباعاته بما اسماه باستصنام الهوى الديمقراطي “، إذ إن مشكلة الحركة الإسلامية انها وضعت الديمقراطية بآلياتها في غير موضعها، فانتخبت رجالها بأصوات عوامها، لوظائف الشورى، ووظائف التشريع الدعوي، والتوجيه المنهجي الإسلامي، بشروط الديمقراطية لا بشروط شرع الله، فتقدم دهاة السفهاء وتوقف حكماء الفقهاء”. وهي انتقادات في العمق رجعت بالنقاش الى الادبيات الكلاسيكية التقليدية لبعض اتجاهات العقل الفقهي الذي تجاوزته الحركة بالنظر المقاصدي والتجديد الاصولي من خلال اطروحات من قبيل نظرية التقريب والتغليب وكتاب حكم الاغلبية والشورى في معركة البناء للدكتور الانصاري وكتب اخرى كثيرة لرواد التجديد في للفمر الاسلامي المعاصر ليس هذا مجال استعراضها.

وعند التحقيق سنجد ان المفهوم الفطري في الجوهر هو قرين اللاتنظيم او التنظيم الهلامي المستلهم من تجربة حركية لتنظيم الخدمة التركي الذي لم يظهر لصاحب الكتاب منها سوى الحانب الخارجي الظاهر وخفي عليه منها ذلك الشق التنظيمي المحكم والممسك للخيوط بشكل حديدي بحكم السرية والعلاقات الخيطية المؤسسة على علاقات قيمية عرفانية قائمة على نفهومي النوريظية والنشيخة وشبكة اجتماعية خدمية محكمة، فظن ان الامور تسير على نحو متحرر من اي قواعد تنظيمية او ضوابط اجرائية و”خالية من المراتب والألقاب، الذي لا مجال فيه للأحلاف والأقطاب، ولا مكان لبناء التماثيل والأنصاب، وبلا لغو انتخابي، ولا عبث ديمقراطي.” وانما تسير بشكل سلس تلقائي غير ميكانيكي وفطري .

2- التنظيم الرسالي في مقابل تنظيم “الجماعة”

اما ابرز من تناول الموضوع بنوع من الجدة وفي اتجاه مخالف لما ذهب اليه صاحب التنظيم الفطري هو المهندس محمد الحمداوي في كتابه الرسالية في العمل الاسلامية والذي قارب فيه نفس السؤال ضمن تاصيله لمفهوم التنظيم الرسالي المعادل والبديل لمفهوم التنظيم الفطري .

وفي هذا الصدد يقر الاستاذ الحمداوي الى ان “الحركة من خلال مراجعاتها المتكررة تخلصت من فكرتين أساسيتين الأولى : اعتبار الجماعة هي الاصل، وعوضتها بفكرة الأمة هي الأصل بما هي أطياف متعددة واتجاهات مختلفة، تقارب الإسلام كل من جهتها، وأصبح الولاء للمشروع مقدما على الولاء للتنظيم “. والفكرة الثانية التي تخلصت منها “هي تضخم الإحساس بالتنظيم على حساب المشروع اي الإسلام ككل؛ حيث أضحى العضو بموجب الفكرة البديلة ليس بديلا عن المواطن، والتنظيم ليس بديلا عن المجتمع، والعلاقات التنظيمية ليست بديلا عن العلاقات الاجتماعية…في حين كان التنظيم هو كل شئ وهو المقياس للحق، عوض آن يكون الحق هو المقياس للتنظيم”.

وبموجب هاته المراجعة النوعية تم الانتقال من تنظيم الجماعةإلى تنظيم الرسالية و من اسلام الحركة بما هو نمط في التدين منغلق متعالي وحريص على التميز المظهري والاستعلاء السلوكي الى حركة الإسلام” التي تراعي خصوصيات التدين المحلي كما تراكمت عبر القرون في في ابعادها العقدية والمذهبية والفقهية والروحية، “فلا إشكال إذا اندترث الحركة وتقوى الإسلام، وغاب الولاء للتنظيم لفائدة الولاء للمشروع. وبذلك أصبح التنظيم وسيلة لا غاية، وانتقل الفعل من وحدة التنظيم إلى وحدة المشروع”.

وبهذه المراجعة في مفهوم التنظيم وفي ماهيته ووظائفه وموقعه من المشروع الذي يحمله استكمل الجهد النظري في ازاحة ما تبقى من رواسب التنظيم بمنطق الفرقة الناجية (الطائفة). وعلى اساسه اخرجت الحركة جل مجالات عملها ما عدا التربية والدعوة والتكوين الى حضن المجتع ومؤسساته القائمة او التي اقامتها بتعاون مع خيري المجتمع وفضلائه.

والعمل السياسي الذي شكل على الدوام مجال اهتمام الحركة وانشغالا من انشغالاتها اعتبر ايضا من بين هاته الاعمال التي جرى نقلها الى مؤسسة قائمة بشكل تعاقدي مع مؤسسيها وتدرجت الحركة في رسم معالم العلاقة به الى ان استوت على صيغة مبدعة وغير مسبوقة تتمثل في التمايز بين الدعوي والسياسي والقائمة على ركيزتين الاستقلالية التنظيمية لكل هيئة والشراكة الاستراتيجية في المشروع الموحد . وهو ما تحرص الحركة على الاستمرار في نهجه ولو من جانب واحد .

ولا يمكن تقدير قيمة هذه البعد الرسالي الا عند مقارنته بالتمثل الهلامي كما نادى به المرحوم فريد الانصاري عندما قال انه “كان بإمكان الحركة الإسلامية بالمغرب أن تصل إلى أفضل النتائج السياسية دون أن تتخذ لها حزباً لو أنها اشتغلت كقوة دينية دعوية، حاضرة برجالها وأفكارها في كل ميدان، منتشرة في كل قطاع. من المسجد إلى المعمل ثم إلى الإدارة، ومن التعليم إلى الإعلام ثم إلى الاقتصاد. لقد كان بإمكانها أن تجعل بعض الأحزاب السياسية الأخرى تنخرط في تطبيق الممكن من برامجها السياسية، دون أن تنزلق هي إلى شَرَكِ الاستهلاك التجزيئي لقوتها. ولكن بعد زمن يمكنها من إنضاج تأثيرها السياسي غير المباشر في الهيئات والمؤسسات. ”

وبالمناسبة فهذا التفكير لم يكن مستبعدا بالمرة بل سبق للحركة ان وضعته ضمن الخيارات الممكنة اذا ما اغلقت في وجهها الخيارات ذات الاولوية في تقديرها لكن مع فارق نوعي وهو ان تعمل في السياسة بمنطق الجماعة الضاغطة التي تلتقي مع هذا الفهم في جوانبه الايحابية وتفارقه في الحوانب السلبية.

ولذلك ينبغي ان نفهم ان التضايق اليوم من هذه العلاقة بين الدعوي والسياسي يندرج ضمن هذا السياق. مع التساؤل طبعا عن من له المصلحة في ارتفاع اصوات تدعو الحزب الى فك ارتباط بالحركة بزعم انها تشهر بيضة التنظيم في وجه الارادة الشعبية وتفكر “بمنطق الجماعة الساعية الى تامين مصالح اعضائها ” او ايثار سلامتهم الشخصية بدل الوفاء بالالتزامات مع الشعب والوقوف في وجه الانقلاب على الارادة الشعبية حسب زعم اصحاب هذا الرأي.

ان المقصود باستحضار هذا النقاش بهذه المنعطفات ليس استعادة سيرة ومسيرة التنظيم ومسار تطوره، بقدر ما هو السعي الى تفكيك الادعاءات التي تم الصاقها بالتنظيمات الرسالية بوصفها ما زالت تفكر بمنطق طائفي او انها مشغولة بذاتها عوض الانشغال بقضية الاصلاح التي جاءت من اجلها، او معنية بمصالح اعضائها عوض الاهتمام بتطلعات مجتمعها وانها تحسب كل صيحة عليها عوض الاستفادة من الروح النقدية الموجهة اليها باعتبارها نصائح مفيدة بدل النظر اليها ضمن منطق المآمرة والاستهداف.

ان تعزيز او تقليص شعبية الاسلاميين لا تعود الى تمثلاتهم للتنظيم وقيمه وعلاقاته ؛ خاصة بالنسبة الى تنظيم تعتبر المراجعات التي اجراها على هذا الصعيد من بين اهم ما يميزه. بل ان الافراط في تقدير الذات والاغترار بالشعبية بحجة التعاقد مع الناس هو الذي يمكن ان يفضي الى تقويض هذه الشعبية كما هو الحال بالنسبة الى الاسلاميين في مصر بعد ان تحولت الى ذكرى طيبة بعد ست استحقاقات انتخابية . وفي المقابل فان الوعي الثاقب بحاجة الشرعية الشعبية الى مشروعية مؤسساتية وحسن التدبير الراشد للعلاقة بين الارادة الشعبية والمكانة الاعتبارية والتاريخية للثوابت الجامعة لاجتماعنا السياسي الوطني هو الذي حصن التجربة الاصلاحية المغربية من تداعيات الثورة المضادة وهو من سيعصمها من مصائر التحارب المماثلة.

لذلك ليس مستحيلا ان يتم الجمع في ان واحد بين ثوابت المنهج الاصلاحي والاختيارات الاستراتيجية ازاء الثوابت الجامعة . وقيمه وسطيته واعتداله وعدم صداميته ولا مغالبته وبين الوفاء للالتزامات التعاقدية مع الناخبين .

ومن ثم ينبغي ان نواصل الجمع بين التعاقد مع الناخبين والوفاء بما قطعناه من التزامات برنامحية واصحة وليست كلامية. وذلك في نطاق عدم التقصير في بذل الجهد وليس مطاردة المستحيل وضمن طبيعتنا كحزب اصلاحي لم يحصل على اغلبية مطلقة وضمن دستور يوفر هامشا محدود للسلطة الحكومية وتوازنات فعلية ليست في صالح الارادة الشعبية.

3- التنظيم بين الملكية والتمليك

وضمن هذا النطاق ايضا يمكن مقاربة سؤال من يملك التنظيم في زمن البحث الحثيث عن مساعي تملكه الى الجمهور بطريقة ارادية وطوعية وذلك عندما يتم احتضان الناس له ويصوتون على برنامجه ومرشحيه.

والسؤال هو هل مجرد التصويت الشعبي بنسبة لا تصل الى 32% يمكن ان يرقى بالعلاقة بين الحزب وناخبيه الى مستوى من الملكية ووتقاسم تملكه من المناضلين الذين ضحوا لعشرات السنين من اجل وصوله الى ما هو عليه ام ان ذلك مجرد تعاقد على حسن التمثيل لهذه لإدرادة هؤلاء للناخبين والدفاع عن تطلعاتهم قدر المستطاع ووفق المتاح الديمقراطي وما تسمح به التحالفات القائمة والهوامش الممكنة.

ان مقولة الحزب لم يعد ملكا لمناضليه بل اصبح ملكا للفئات الشعبية التي صوتت عليه بقدر ما تنطوي على غير قليل من المزايدة والسجالية، بقدر ما تشكل امتدادا للثقافة الشعبوية التي اصبحت تغطي على النقاش الملموس وبالهدوء الممكن وفي ذات الوقت هي ايضا ترجمة لنوع من الاغترار وعدم التواضع.

انه بصورة من الصور يعد استعادة لنفس قيم التعالي والغرور واحتكار الحقيقة مع تغير طفيف في العامل والسبب وهو التحول من تلازم هذه القيم بالدين الى تلبسها بالسياسة. والمتغيير الوحيد هو التحول الى النطق باسم الشعب بدل النطق باسم الله، والانتقال من ادعاء تمثيل الدين الى الزعم بتمثيل الشعب. وهو المعادل الموضوعي للوجه الاخر للطائفية السياسية التي عوضت الطائفية الدينية.

ومن ملامح الطائفية السياسية الجديدة هي انها موسومة بسمات الوثوقية في تحليلاتها والاسرف في احكام القيمة التي توزعها، والتعالي في نظرتها الى خصومها والاغترار في تقدير عناصر قوتها وفي نظرتها الى الاوزان الفعلية لفرقائها، بناء على متتالية حسابية رقمية قي تقييم نتائج صناديق الاقتراع وتناسي او الغلفلة عن المتتاليات الهندسية التي تنطق بها حسابات اخرى ليس اقلها حسابات النفوذ الاقتصادية والمالية والمصلحية والنخوية وغيرها والناجمة عن معادلات موازين القوى المحلية والدولية، وكل ذالك بفعل الانسياق مع حملة الاطراء والتمجيد الاعلامية المخدومة، والانجرار وراء كمائن منصوبة بعناية والاستدراج الى فخاخ معدة بإحكام لهذه الغاية، فضلا عن توفر القابلية الكبيرة للانزياح عن ثوابت المنهج الذي اوصلها الى منسوب هذه الثقة الشعبية التي راكماتها بعوامل يتداخل فيها الاسراتيحي بالظرفي والتاريخي بالراهني والمرجعي القيمي بالتدبيري التواصلي والجماعي المؤسسي بالفردي الزعامي.

لذا وامام هذه الحقائق يمكن ان نتساءل حول هل السعي المشروع الى تمليك المشروع للناس والطموح النبيل للتحول من حركة الى تيار وبوادر تحقق بعض الانجاز على هذا المسلك، هل ذلك يرقى الى مستوى ادعاء مقولة ان التنظيم لم يعد ملكا لمناضليه؟ وانه أصبح في ملك الشعب الذي احتضنه بتصويته ولم يعد في ملكية مناضليه الذين ضحوا من اجل بنائه؟

هل التصويت الشعبي موقف ظرفي ام اختيار مبدئي؟ وهل التصويت الذي يتم على حزب معين هو انحياز لهذا الحزب في ذاته ام هو فقط لغياب بديل منافس له في جانب وتنفيذا لمقولة التصويت النافع للبعض الاخر او التصويت العقابي للبعض الاخر ام ان ذلك هو حاصل تراكم شيء من هذا كله؟

وفي الاخير ما هو حجم تأثير الصوت في معادلة اتخاذ القرار في نطاق نظام دستوري مصنف في رتب متاخرة في مؤشر الديموقراطية رغم الاصلاحات النوعية الاخيرة؟

ثم هل مجرد الاختلاف في التقدير السياسي كاف لوضع تقابل مصطنع بين المشروع الاصلاحي كهدف والتنظيم الحامل له كوسيلة؟ وهل من الفائدة ان نضع مطالب مظنونة للتنظيم في تعارض متخيل مع تطلعات موهومة للمجتمع؟

وهل كلما كان هنالك من اختلاف في تقدير موقف سياسي ازاء واقع او وضع طارئ يمكن ان يبرر توجيه الاتهام المبطن او المباشر حول الحرص على تبادل منافع او الخوف من ضياع امتيازات؟

ولماذا يتم اللجوء الى اقحام لغة المصلحة والمنفعة في التقديرات السياسية المختلفة ويتم استبعاد مظان الاختلاف بما هو آية من الايات وعلامة على الصحة والحيوية؟

ان صفة مناصر او حتى مناضل لا تخول لصاحبها حق الملكية في مشروع معين لاسيما في زمن البسط وفي وقت المنح، ولكن المعيار الحقيقي في ملكية التنظيمات الاصلاحية هو الاستعداد للتضحية والعطاء بلا اخذ خاصة في زمن القبض وايام المحن.

لذلك قالوا عن حق ان القاعدة الانتخابية فيها الثابت الذي يشكله المناضلون والمناصرون الذين يقاسمون الحزب اي حزب الثوابت الجامعة للمشروع المجتمعي الخاص به والمشتركات القيمية التي يقاسمونها معه؛ وفيها ما هو ظرفي مؤقت ناتج عن اقتناع بموقف او بأداء قيادي او عقابا لحزب منافس او لموقف نفعي مؤقت.

وفي كل الاحوال فان المشروع الاصلاحي لا يرتهن لتقلبات بورصة السياسة واسهمها التي تخضع في تقلباتها لحرارة الطقس السياسي ومفاعيل السياق الدولي و المحلي وانما لقوة الفكرة ووضوح الرؤية وعزيمة الرجال والنساء وحكمة الشيوخ وفتوة الشباب الحاملين لهذا المشروع والذين لا يغيرون لدنيا انبسطت عليهم ولا يجزعون لمحنة داهمتهم ولا تغرهم رياح طارئة زادت من سرعة شراعهم ولا يفت في عضدهم اوحال في الطريق فرملة تقدمهم الحثيث في تحقيق غاياتهم الاصلاحية يحدوهم الامل ويتسلخون بالعمل.

لا يوجد تعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق