المعايير الجديدة للمنح الجامعية.. محنة لطلبة التعليم العتيق والأصيل

10 أغسطس 2018 21:52
الهجرة السرية.. معاناة وآلام
هوية بريس – إلياس طلحة
أنا شاب شارفت على بلوغ السادسة والعشرين من عمري، ولتوي حصلت على البكالوريا هذه السنة، ولم أنقطع عن الدراسة قط، وهذا سيفاجئ الجميع؛ فمن العادي أن يحصل الإنسان على الشهادة وهو كبير في السن، لكن أن يحصل عليها وهو كبير في السن ولم ينقطع عن الدراسة بتاتا فهنا محط العجب!

قصتي باختصار؛ أنني ابن عائلة محافظة كسائر الأسر المغربية، ونظرا إلى محبة والدتي للقرآن الكريم وأهله، كان لدي ارتباط قوي بمسجد الحي في صغري والكتاتيب القرآنية؛ حيث كان والداي يرسلانني لأحفظ فيها القرآن الكريم، ليكون الكتاب هو أول مكان تعلمت فيه قواعد القراءة والكتابة.

حينما كبرت وبالضبط عندما بلغت السنة السادسة ابتدائي، كنت آنذاك أزاوج بين دراستي في المدرسة العمومية وجمعية الأمل لتحفيظ القرآن الكريم، هذه الأخيرة التي أسسها وترأسها عمي حفظه الله في تلك السنة، فأحمد الله على توفقي وتفوقي في المدرسة العمومية وفي الجمعية؛ فأساتذتي وفقهائي معا يشهدون بذلك، إلا انني كنت مشاغبا من الطراز الرفيع كما أشهد على نفسي بذلك.

بعدما وصلت إلى أول سنة في السلك الإعدادي، وفي نهاية الموسم الدراسي عينه، وجدت أنني حفظت عشرين حزبا، وكذلك نجحت بنقطة مشرفة في المدرسة، وبما أن ميولي كان أكثر لصالح الكتاب، جاءت فكرة انقطاعي عن الدراسة من المدرسة العمومية والتفرغ لحفظ القرآن الكريم فقط، وكان هذا خطأ جسيما أعترف به إذ كان لزاما علي أن أظل مزاوجا لهما، ولكن قدر الله وما شاء فعل، ولعل في ذلك خيرا كبيرا.

فانقطعت عن المدرسة العمومية واستمر أصدقائي، وانكببت على حفظ القرآن الكريم، وفي ظرف سنة قاربت ختم ستين حزبا، وفي تلك السنة تم الاعتراف بالجمعية التي لها أفضال كثيرة علينا بعد أن أصبحت مؤسسة للتعليم العتيق؛ وذلك بعد جهد جهيد من عمي والمشرفين على الجمعية بحصولهم على رخصة المؤسسة، فكانت في البداية ابتدائية ليتم إدماجنا في المؤسسة بمعايير عادلة؛ حيث منحوا الحافظ المتقن المستوى السادس، ومن يليه المستوى الخامس، ومن لم يختم السلكة بعد -وأنا منهم- المستوى الرابع، وهكذا دواليك..

مرت الأيام حتى وصلت المستوى السادس ابتدائي عتيق، وأخذت الشهادة بميزة مشرفة كما العادة، ليستمر المسار الدراسي على هذه الحال؛ كنا ندرس القرآن وعلومه والحديث وقواعده والفقه وأصوله والسيرة النبوية والنحو والصرف والبلاغة والأدب… وغيرها من علوم العربية المرتبطة بالقرآن الكريم، علاوة على باقي العلوم والمواد الأخرى كالرياضيات والاجتماعيات واللغات الأجنبية، فاستفدنا من هذه التجربة في تخصصنا كثيرا بدون مبالغة أو افتخار ولله الحمد؛ ويرجع الفضل لمؤسسة الإمام الهبطي للتعليم العتيق بالقصر الكبير وأهلها الأخيار.

حينما وصلت إلى المستوى الثالث إعدادي عتيق، وقعت لي جملة من المشاكل في حياتي الدراسية وامتدت لتصل إلى والداي، ولا أخفي أنني المسؤول فيها، وكان السبب هو الطيش والتهور وهذا بديهي في سن المراهقة، إضافة إلى أصدقائي الذين كنت أدرس معهم في العمومي والذين حصلوا على البكالوريا والتحقوا بالتعليم العالي، وأنا لا زلت في الثالث الإعدادي، مما كان يحز في نفسي ويعيقني على التركيز والتحصيل، ليكون انقطاعي عن العتيق والتحاقي بأحد المساجد في نواحي تطوان (فحص أنجرة) وبالتالي ضيعت السنة الثالثة إعدادي فكان الرسوب.

ومن هنا بدأ الشطر الثالث في مساري الدراسي، حيث كان الشطر الأول هو المدرسة العمومية، والثاني المدرسة العتيقة، في هذه المرحلة عزمت على الحصول على الباكالوريا، فجئت من تلك البادية وجمعت أوراقي وشهاداتي وتقدمت للدراسة في التعليم الأصيل بالقصر الكبير من جديد؛ جزاها الله خيرا وبارك في أطرها الإدارية والتربوية، فتم قبولي بمعية بعض زملائي الذين يكبرونني سنا بكثير؛ فكنت تقريبا أصغرهم سنا لأدرس في مستوى الجذع المشترك علوم شرعية؛ وكان ذلك في الموسم الدراسي 2015\2016.

قضيت ثلاث سنوات في هذه المؤسسة التي أعتبرها من أفضل السنوات في حياتي، وفي الموسم الحالي 2018/2017 حصلت على البكالوريا بميزة مشرفة كما هي عادتي والحمد لله، وفي هذه السنوات الثلاث كنت من المتفوقين فيها، كما كانت لي علاقات رائعة جدا مع أطرها خاصة مع مديرها الجديد الذي كان أبا وأخا وصديقا، علاوة على السي عز الدين البدوي أحد أساتذتها الرائعين والذي لن أنسى فضله ما حييت، وفضله يشمل جميع طلبة الأصيل، كما أنني قمت في هذه السنوات الثلاث بتنشيط وإدارة ندوات وأمسيات مدرسية، وكنت السبب في مجيء بعض الشخصيات التي حضرت الأنشطة وحاضرت في المؤسسة، وهنا أتحفظ عن أجمل ما عشته داخل هذه الثانوية لأبوح به في وقت لاحق إن شاء الله تعالى.

كما وجب أن أشير إلى أنني في خضم هذه المدة وبما أن والدي بالكاد تكفيه أجرته مع إخوتي الصغار على اعتبار أنني كبيرهم، كنت أشتغل في كل العطل المدرسية وبشكل رسمي مع صهري حفظه الله في صباغة المباني والديكور، كما أنني كنت أشتغل أحيانا في التجارة، وفي غير العطل كنت أشتغل في أي مكان، -فاش ماجاب الله- وهذا لا يلغي أنني كنت ألتجئ إلى والدي حفظه الله وأضغط عليه ماديا حينما تنقطع السبل لأنني لا زلت طالبا ولا أمتلك عملا قارا.

في هذه السنة 2019/2018 فكرت مليا وقررت دراسة تخصص القانون رغم أن تخصصي الأصلي هو العلوم الشرعية، إلا أن هذا الأخير ليست له آفاقا في مغربنا العزيز، لذا كان من المحتم أن أشتغل بشكل رسمي وأحاول أن أوفق بين دراستي وعملي، وإن كان هذا أمرا صعبا ومستحيلا كما يقول لي الكثير من الأصدقاء، ولكن عندما يكون أخوك مضطرا ومرغما فلا بطل؛ إضافة إلى الرغبة والثقة في النفس فكل شيء يهون أمام هذه العقبات، وبالتالي تكون النتيجة إيجابية، مع أن هذا لا يمنع أن لا يأخذ ذاك الطالب المناضل والمجاهد منحته الجامعية بحيث أن هذا الموضوع هو السبب الرئيس في كتابة هذه الأسطر.

كان كل هذا مجرد تمهيد مختصر لما أردت قوله حينما سمعت بخبر المعايير الجديدة للمنح الجامعية التي صرح بها كاتب الدولة، المكلف بالتعليم العالي والبحث العلمي خالد الصمدي، في إحدى القنوات التلفزية قبل توضيحه في البيان الذي نشره في صفحته الشخصية؛ سيما حينما رأيت بعض الوجوه الفايسبوكية تساند هذا القرار الجائر وتدافع عنه بشراسة، إذ قال لي أحدهم إنه لو كان وزيرا مكان الصمدي لنهج نهجه، فيما قال لي آخر أن سن ست وعشرين سنة، قادر صاحبها على أن يخرج نفسه من عتبة الفقر، كأن السيدين أغفلا أن المغرب لا توجد فيه فرص الشغل وليس هناك فرص لليد العاملة للمجازين والعاطلين عن العمل، فكيف الأمر بالنسبة إلى الطلبة الذين يقولون بسم الله في المسار الجامعي؟ وخصوصا في بعض جوانب هذا البلد مثل القصر الكبير ومن على شاكلته…

وفي هذا الصدد حاولت هذه السنة أن أعمل بطرح صاحب الرأي الثاني قبل أن يقولها لي؛ بأن أدرس وأشتغل حتى أخرج من عتبة الفقر مع أنني محتاج إلى المنحة، فهذا يهدد مشروعي بالفشل و”نبقا الله كريم وما أنا بتيتي ما أنا بحب الملوك” كما يقال؛ ويكون هذا سبب انقطاعي عن الدراسة مرة ثانية من جديد، وهو الشيء الذي لا أريده خصوصا وإنني لا أملك عجلة احتياطية (سوكور) لأنني إن واجهت عطبا صغيرا ستتعطل حياتي كلها وسأبقى كذلك طيلة حياتي لا قدر الله ذلك.

ففكرت بمشروع تجاري في تطوان لأن القصر الكبير مدينة ميتة من ناحية الشغل؛ ودرست المشروع من كل جوانبه ولم يبق لي سوى تنزيله إلى أرض الواقع، وبما أن المشروع في تطوان فحري بي أن أتقدم لدراسة شعبة القانون في جامعة عبد المالك السعدي الكلية متعددة التخصصات بتطوان، وبما أننا في منطقتنا بمدينة العرائش نتوفر على التخصص فلن يقبل طلبي بتطوان، ورغما عني ينبغي أن أدرس بالقصر الكبير، لأنه لدينا ملحقة في عامها الثاني ناضل من أجل وجدوها البرلماني ورئيس المجلس البلدي الحاج محمد السيمو جزاه الله خيرا، وهذا مشكل آخر مما جعلني ألتجئ إلى هذا الرجل المناضل وشرحت له الوضع بالتفصيل، وطلبت منه أن يبلغ الجهات المعنية بهذا لكي يفتحوا التسجيل أمام الطلبة بدون شرط (انت من لهيه تسجل لهيه) لأننا ولله الحمد في وطن واحد، وتجمعنا الله الوطن الملك، وتحت راية حمراء داخلها نجمة خماسية خضراء، .. فلا أدري لماذا كل هذا التعقيد؟

كان هذا يوم الإثنين في الصباح، لأتفاجأ في مساء نفس اليوم بالحاج السيمو مشكورا يتصل بي ويطلب مني أن أشرح للوزير خالد الصمدي طلبي، وبالفعل أخذت أشرح لهذا الأخير بعدما شكرته على تواصله وقبوله بالحوار على الهاتف معي، وهو لا يبالي بهذا الذي نسميه بالعامية “الصواب” قائلا لي “تفضل السي إلياس ماذا تريد؟” فقلت له ما أريد، ليقول لي هو الآخر “نت من القصر الكبير خصك تقرا فالقصر الكبير” … “السيد الوزير أنا طالب كبير في السن، ولدي رغبة في الدراسة، ولدي مشروع تجاري بتطوان، وأريد أن أزاوج بينهما، فمن فضلك ساعدني وساعد من خلالي مجموعة من الطلبة أمثالي بفتح باب التسجيل أمامنا، وهناك ابن عمي أيضا يدرس بالسنة الثالثة في كلية الآداب تخصص الدراسات الإسلامية، وقد حصل هذه السنة على بكالوريا التعليم العتيق، ويريد أن يدرس القانون، وكما تعلم سيدي الوزير أن الكليتين متجاورتان، ولا يمكن أن يدرس في مارتيل والقصر الكبير لأن في الأمر مشقة عظمى”، ليقول لي غير مبال ومنهيا للمكالمة بطريقة غريبة عذرته فيها فهو وزير من الوزراء، ومشغول لكثرة التزاماته: “لا ما يمكنشي نتوما من القصر الكبير خصكم تسجلو فالقصر الكبير”.

بعد ذلك تسجلت في كلية القانون بمرتيل ولله الحمد بفضل بعض الإخوان جزاهم الله خيرا، والذين لن أنسى أفضالهم وسأبقى ممتنا لهم ما حييت، وفي المقابل لم يتوفق ابن عمي في التسجيل لأن الباكالوريا خاصته تعود إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وبالتالي لا يمكن له أن يقدم لأي شعبة ما عدا الشعب الإسلامية، ورغم أنه مقبل هذه السنة على بحث الإجازة في الدراسات الإسلامية وأراد الانفتاح على شعبة أخرى إلا أنه لم تتم مساعدته.

وفي الختام أشير إلى أن قصتي هذه ما هي إلا معاناة صغيرة أمام بحر كبير لا ساحل له من معاناة الكثيرين، و هكذا هم ضحايا التعليم العتيق والأصيل خصوصا، وسائر الطلبة عموما… ومشات خبرتي من واد لواد لعل وعسى يفهموها ولاد الجواد.

آخر اﻷخبار

التعليق

حديث الصورة

كاريكاتير