بن لامين*: «تحرير الدرهم» يلزم معه استكمال إصلاح المالية العمومية مع حماية الفئات الهشة والقطع مع الريع والفساد

17 يناير 2018 14:34
 بن لامين*: «تحرير الدرهم» يلزم معه استكمال إصلاح المالية العمومية مع حماية الفئات الهشة والقطع مع الريع والفساد

هوية بريس – حاوره إبراهيم بَيدون

1- ما المقصود بتعويم الدرهم أو تحرير صرف الدرهم؟

تعويم الدرهم أو تحرير سعر صرف الدرهم هو جعل سعر صرفه حرا وفق نظام الصرف العائم، النظام الحالي ثابت أي أن سعر الدرهم قبل الإثنين الماضي كان يحدد من قبل بنك المغرب كل صباح وفق معادلة، وكان هامش الحركة لا يتجاوز زائد ناقص +-0.3%، النظام العائم نظام يحدد فيه سعر العملة وفق الطلب والعرض في السوق المالي، أي كلما ارتفع الطلب على الدرهم مثلا لإجراء معاملات تجارية مع المغرب أو للأداء بالدرهم مثلا للسياح يرتفع سعره والعكس إذا انخفض الطلب عليه ينخفض السعر وهكذا.

العملة تكتسب قوتها إذن بحجم قوة اقتصاد ما، وهذا هو حال العملات الصعبة، في النظام الثابت الحكومة أو البنك المركزي يحدد سعر العملة، والنظامان لهما إيجابيات وسلبيات.

2- ما الذي دفع المغرب لاعتماد هذا الإجراء؟

الواضح أن المغرب انخرط منذ مدة في سياسات تروم تحرير الاقتصاد الوطني من الآليات التقليدية كتحرير الأسعار واتفاقيات السوق الحر مع بعض البلدان، إصلاح المقاصة إلخ. إلى أي حد نجحت هذه السياسات هذا نقاش آخر، بنك المغرب والحكومة أطلقا هذا المشروع الجديد وهو ينخرط دون شك في الدينامية المذكورة، لكن للأمر دوافع اقتصادية أخرى منها دفع المستهلك لاستهلاك المنتوج الوطني بعد العجوزات الهيكلية للميزان التجاري ولميزان المدفوعات التي تكرست مؤخرا لأن المنتجات الأجنبية تغزو الأسواق بشكل كبير من الموضة إلى الصناعات الغذائية مرورا بالصناعة والخدمات كذلك دون إغفال ثقل الفاتورة النفطية وفاتورة القمح المستورد، وذلك كله في ظل ضعف المنتج الوطني في كثير من القطاعات أمام المنافسة الأجنبية، القرار حمائي في ثوب ليبرالي، لأن المستهلك سيدفع لاستهلاك المنتج الوطني مكرها أمام الاحتمال الكبير لانخفاض الدرهم في المراحل المتقدمة من عملية تحريره لأن العملية جارية بالتدرج لتقليل المخاطر وتدريب السوق على المنظومة الجديدة.

بنك المغرب أقدم على العملية في ظروف جيدة نسبيا من وفرة غير مسبوقة في مخزون العملة الصعبة والإصلاح الذي تم ويجري للمالية العمومية التي استعادت عافيتها، وبذلك أظن استغل الظروف الايجابية لإطلاق مشروع كان سيقدم عليه بعد التوصيات المتتالية لصندوق النقد الدولي، الأمر فيه كذلك رغبة تقليل المخاطر التي يتعرض لها مخزون العملة في النظام الثابت وهو النظام المكلف رغم أنه يبدو مستقرا، حيث إن الرساميل التي تدخل البلاد مضمونة بين قوسين، كون سعر الدرهم ثابت وحين تخرج أرباحا فالكلفة على بنك المغرب الذي يتدخل في السوق، وكلفة السعر الثابت يتحمله في كل الأحوال مخزون العملة الصعبة الذي لو قدر الله انهار فسنمر إلى عملية تقويم هيكلي نقدي سيفرض فيها النقد الدولي إملاءاته وتضطر معها البلاد للاستدانة وتعويم العملة على الطريقة المصرية.

3- ما آثار ذلك على الاقتصاد المغربي؟

للعملية إيجابيات وتحدق بها مخاطر كثيرة، فالإيجابي الرغبة في دعم التصدير وجلب السياح، وبالأساس دفع المستهلك لاستهلاك منتج وطني واستهلاك وفق القدرة الحقيقية للاستهلاك، الذي يستهلك اليوم منتجات الموضة مثلا لأنه قادر ظاهرا على ذلك، لكن في الحقيقة لأن الدرهم محمي من البنك المركزي في نطاق ثابت وبالتالي فهو في حكم السلعة المدعومة إذا قبلنا جدلا أن العملة سلعة، حين يتحرر تدريجيا سيأخذ قيمته الحقيقية وبالتالي سيضطر الكثير من الأفراد والمقاولات لاستهلاك المنتج الداخلي لأنه حتما سينخفض لأن الاقتصاد الوطني ضعيف، لا نعلم حجم الانخفاض وكم سيكلف ذلك بنك المغرب من عمليات التدخل في السوق حتى التحرير الكلي، لكن في هذه الحالة فالكلفة السابقة ستمر مباشرة للمستهلك الذي سيتهلك منتجا أجنبيا بكثرة ولم تعد تحت تغطية “عمومية” من بنك المغرب.

المخاطر كذلك حاضرة بقوة، فالمغرب غير مستقل عن السوق الأجنبي في المواد الأولية كالنفط والقمح، انخفاض خلال سنوات للدرهم قد يشعل الفاتورة النفطية وفاتورة الحبوب، ومنه مخاطر تشكل تضخم مستورد لأن النفط يدخل في كلفة كل المنتجات تقريبا والقمح كذلك كمادة أساسية لسوق يستهلكه بكثرة، في ظل رفع الدعم عن المقاصة فالفئات الهشة قد تتعرض لصدمات الأسواق الأجنبية مباشرة دون مصدات، ولهذا فسياسة موازية لحل هذه المعضلة يجب أن تنطلق بجدية من الآن وإلا فالخطر محدق، ناهيك عن سياسة موازية لتبني موارد طاقية بديلة لأنها خيار استراتيجي وليس ترفا اقتصاديا.

4- هل من تأثير سلبي على الأسعار والقدرة الشرائية للفئات العريضة من الشعب المغربي؟

كما ذكرت، سيؤثر دون شك على القدرة الشرائية للمنتج الأجنبي أو للمنتج الوطني الذي تدخل في تكوينه مكونات مستوردة وهذا في حالة انخفاض كبير للدرهم، لكن أظن هذا في غضون سنوات إلى حين وصول مستويات متقدمة من التحرير إو عند التحرير النهائي.

5- ما هي الإجراءات التي يجب أن تتخذها الدولة، لتقوية عملتها؟

تقوية العملة ليس هدفا بحد ذاته، أعتقد أن العملة تجلي لقوة أو ضعف اقتصاد ما، وعملة قوية قد يكون أحيانا أمرا فيه مخاطر، المطلوب الآن هو سياسة اقتصادية إصلاحية كانت لتسبق مشروع التعويم ويلزم أن تنطلق بجد مع التعويم، مقومات هذه السياسة نموذج اقتصادي ذي مناعة قادر على الإنتاج والتصدير، مستدام وضامن لكرامة المواطنين وتكون فيه طبقة متوسطة عريضة.

يلزم دفع المقاولات الوطنية لإنتاج منتج ذي جودة وبكلفة معقولة لتلبية طلب داخلي يبدو أنه متطلب وهو في تزايد خاصة مع الانفتاح على الخارج.

يلزم استكمال إصلاح المالية العمومية مع حماية الفئات الهشة والقطع مع الريع والفساد الذي يميز نظامنا الاقتصادي الليبرالي ظاهرا والتقليدي في عمقه، لن يتم ذلك دون إصلاح التعليم ومنظومة التربية في اتجاه تخريج شباب يقدمون على المبادرة، قادرون على الإبداع ويغارون على الوطن.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* هشام بن لامين: مدير أنتلجنسيا للإستشارة والتدريب في المالية والمالية الإسلامية.

آخر اﻷخبار

التعليق

حديث الصورة

كاريكاتير