بين النقاب و”الميكرو جيب” محاولة لفهم تدخل السلطات في لباس المغربيات



عدد القراءات 2144

إبراهيم الطالب – هوية بريس

رغم أن دستور المغرب ينص على أن دين الدولة هو الإسلام، إلا أن النظام المغربي باعتبار منظومة القوانين التي تنظم الشأن العام والعلاقات بين الأفراد يُعتبر دولة ليبرالية؛ فلقد بات من الواضح أنها ترفع شعار الثوابت فقط لترمي به في وجه من تريد محاربته، أو التضييق عليه، وقد رأينا كيف أن الحكومة أيام شكيب بنموسى قد سوغت قرار إغلاق أكثر من 65 جمعية مؤطرة لدور القرآن، بكونها تخالف المذهب المالكي فيما تقدمه من علوم شرعية.

هذا الاستغلال للثوابت توسع وتمطط لتندرج ضمنه خصوصيات مغربية، فوصل ذروته أخيرا في قضية قرار منع بيع وخياطة النقاب؛ حيث استندت السلطات في شططها هذا إلى أن هذا الزِّي مشرقي يخالف الزِّي المغربي!!  وسنحاول أن نفهم هذا التدخل السافر للسلطات في لباس المغربيات، من خلال مقاربتنا لسلوكها المتذبذب بين حربها على النقاب كرمز للتدين، وتشجيعها لثقافة “الميني جيب” والدجينز كرمز للتحرر وعلامة على الليبرالية والتفتح اللامشروط.

بغض النظر هل هذا اللباس مغربي أم أجنبي، نطرح الأسئلة التي نعتبرها الأهم ثم ندلف إلى مناقشة الموضوع:

  • هل ينص القانون المغربي على نوع من اللباس بالنسبة للمرأة؟؟

  • وعلى أي أساس استندت السلطات في اتخاذها هذا القرار؟؟

  • ولماذا يأتي هذا القرار بعد سلسلة من المطالب العلمانية بمنعه؟؟

  • ألا يعتبر هذا الإجراء مساسا بحرية الباعة في صنع وترويج بضاعة لا يمنعها القانون؟؟

  • وهل هذه مقدمة لحظر ارتداء النقاب على غرار فرنسا وبعض دول الغرب العلماني؟؟

  • وهل يدخل هذا الإجراء في الحملة التي تشنها بعض الأحزاب العلمانية المقربة من السلطة والرامية حسب تصريح قادتها إلى محاربة أسلمة المجتمع المغربي؟؟

هذه كلها أسئلة مشروعة تدق الباب بقوة تنبيها على خطورة هذا الإجراء المستفز، خصوصا في غياب تفسير معقول له من الوزارة التي اتخذته.

فإذا كان المغرب دولة ليبرالية كما أسلفنا، لا تنضبط بمقتضيات المذهب المالكي لا على المستوى الاقتصادي ولا السياسي ولا الاجتماعي ولا الدبلوماسي، فكيف يمكن أن نفهم هكذا قرارات تتخذها السلطات المغربية؟؟؟ كيف يمكن أن نقرأ قرارات السلطات التي يظهر من تعميمها أنها قرارات اتخذت على مستوى وزارة الداخلية فما فوق؟؟ كيف نفهم تخصيص هذا اللباس وحده بالمنع؟؟ خصوصا وأن القوانين المغربية لا تفرض شروطا أو نوعا من اللباس، بل مجموع نصوصها يدل على ليبرالية تضاهي النظم الغربية، فهي تقنن الربا والخمور والقمار كما أسلفنا، وتنظم الشواطئ حيث العري الفاحش، وكذا الملاهي الليلية العامرة صيفا وشتاء بالرقص والخمور والاختلاط والتهتك.

وحتى الناحية العملية المتواطَئ عليها تحكمها الليبرالية بقوة، حيث نجد أن سياحة المغرب متهمة دوليا بأنها سياحة جنسية، وموضوع الشواذ أخذ التساهل فيه منحى خطيرا، وكذا التنصير لم تحرك أي مسطرة في حق منصرين معروفين وبُلّغ عنهم.

وفيما يخص السكن تحت سقف واحد والذي يعتبر من أخص النظم التي يعرفها القانون العلماني في بلاد الغرب، نجده من الناحية العملية لا التشريعية موجودا في المغرب، فبعض النساء يسكن تحت سقف واحد مع رجال لا يحلون لهن، بل تتبجح العلمانيات على صفحات الجرائد بأنهن يسكن مع عشقائهن تحت سقف واحد، وليست ابتسام لشكر نشازا في هذا الموضوع.

لكن العصي على الفهم أن نرى هذه الليبرالية كلها تختفي عندما يتعلق الأمر بالشريحة العريضة التي يبدو على مظهرها الخارجي سمات التدين والتمسك بالمذهب المالكي وليس بالمذهب الوهابي.

فالمذهب المالكي “يتشدد” في مجالات العفة وتصريف الشهوة، فلا يبيح اختلاطا ولا تبرجا شأنه في ذلك شأن مذاهب أهل السنة الأربعة ويضاف إليها مذهب الظاهرية.

فهل اتسعت الليبرالية “للميني جيب” بل للميكرو-جيب” وضاقت على النقاب بدعوى أنه مشرقي؟؟ وهل اتسعت ليبراليتنا مع المذاهب الفقهية حتى قبلت الدولة استيراد بعض أحكام المذهب الحنفي، وضربت عرض الحائط بالمذهب المالكي وألغت شرط الولي من عقد الزواج، ثم تتشدد وتتدخل في النقاب رغم أنه من حيث الأوصاف الشرعية مماثل لصفة الحجاب التي كان معمولا بها إلى غاية منتصف القرن العشرين ولا يزال قويا في بعض مناطق المغرب إلى الآن.

ليبرالية دولتنا السعيدة تتسع لسراويل “الكلون” الدجينز التي تصف تفاصيل العورة المغلظة، وتزيد في الاتساع لتشمل السترات “الديكولتي” التي توشك أثداء النساء أن تتدلى منها، ثم تضيق على خمار العفة ونقاب الحشمة

تتسع ليبراليتنا حتى تجمد البنود التي تنص على حفظ الحياء العام، ونترك الشباب والشابات على طول كورنيش عين الذياب في مراقص الليل يموج بعضهم في بعضا، ليقذفوا كل سنة بمئات الضحايا من الأطفال الذين يسميهم العلمانيون بالطبيعيين، وهم في الحقيقة ضحايا العلمانية والليبرالية، ثم تضيق ليبراليتنا فجأة عن قبول منتقبة حاولت التأسي بنساء النبي صلى الله عليه وسلم وبناته وبنات الصحابة رضوان الله عليهم جميعا.

لماذا تضطهد المنتقبات ويضيَّق على لباسهن لأنهن فقط يحاولن استرداد لباسهن الشرعي، الذي سلبته من أمهاتهن السياسة العلمانية التي انتهجها الجنرال اليوطي ومن سار على هديه من العلمانيين بعد الاستقلال.

مهزلة أن تستخف السلطات بعقول المغاربة، وتبرر إجراءها الغبي هذا بكونها تمنع النقاب لأنه مشرقي، ربما صدقناها لو كانت لها برامج على القناة الثانية تعلي من شأن الحجاب والنقاب والجلباب المغربي واللثام، وتشجع النساء على ارتدائه، لو كانت كذلك لشهدنا لها بالصدق في غيرتها على اللباس المغربي.

إن تصرف السلطات هذا بالإضافة إلى كونه فضح حجم النفوذ الذي يمتلكه الذين صرحوا بأنهم أتوا لمحاربة أسلمة المجتمع، يفضح كل الساكتين اليوم أو المؤيدين لهذا القرار من أولئك الناعقين بدعاوى الحرية الفردية، المتاجرين بحقوق الإنسان.

هؤلاء المتاجرون بحقوق الإنسان والمرأة متطرفون لا يحمون المرأة ولا الشعب ولا الدولة، هم يؤججون الصراع الإيديولوجي بالتصريحات الفجة المستفزة، لأنهم فشلوا فكريا وسياسيا وإيديولوجيا، وإنما لهم دوي كدوي رجع الصدى في الكهف العميق الفارغ، ولو لا أن لهم أنصارا يحركونهم ويستخدمونهم على المستوى السياسي والحزبي لما سمع بهم أحد، لكنهم أيضا من لوازم استجلاب الرضى الدولي الذي يراه الجناح المستغرب في السلطة ضامنا لمصالح المغرب الاستراتيجية.

لذا، فلا ننتظر من غلاة العلمانيين أن يدافعوا عن حق شريحة عريضة من المغربيات في ارتداء الملابس التي يرتضينها، ولو من باب ذَر الرماد في العيون، لأن الحقد على المتدينين يملأ قلوبهم، فتظهر مشاعر الكراهية والحنق على ألسنتهم، وتخرج سُما في شكل حبر يكتبون به مقالاتهم؛ التي تزيدهم بعدا وبغضا لدى المغاربة.

والخلاصة: يؤسفنا أن نقول إن قرار منع بيع النقاب يندرج ضمن سلسلة إجراءات تروم منع كل ما من شأنه أن يحول دون تطور المجتمع المغربي للقبول بالعلمانية نظاما للحكم، مغلف بالدفاع عن ثقافة حقوق الإنسان التي ترى في حجاب المرأة تمييزا ضد المرأة، أما النقاب فمن باب أولى.

ومن تلك الإجراءات على سبيل التمثيل لا الحصر، قيام السلطات بـ:

  • عزل كل الخطباء الذين يحركون المصلين إلى المزيد من التشبث بالدِّين.

  • إغلاق دور القرآن التي شاركت بقوة في نشر هذا النوع من اللباس، لا استيرادا من المشرق بل إعمالا لأحكام الحجاب المقررة في كتب الفقه ومنها المالكية.

  • شيطنة المتدينين سواء في العمل الجمعوي أو الحزبي بل حتى في الحكومة.

  • التضيق على الخطبة والمنبر بدعوى حيادية المساجد؛ وذلك من خلال تكميم أفواه العلماء والخطباء وعدم السماح لهم بانتقاد العلمانيين ومن يشجع على الفجور والفساد.

  • إغلاق مدرسة الفطرة بطنجة التي أبانت عن كفاءة عالية في التربية والتعليم، رغم الحكم القضائي الذي ألغى قرار الأكاديمية وحكم لصالح المدرسة، بل حاصرتها السلطات بعشرات رجال الأمن حتى تُجهض سنتها الدراسية دون اهتمام بمستقبل عشرات الأطفال.

  • إغلاق مدارس الفاتح.

  • التضيق على أنشطة الجمعيات في ممارسة الأنشطة ذات الصبغة الدينية داخل المؤسسات التعليمية عامة وعلى وجه الخصوص مؤسسات التعليم العتيق.

  • ثم كان آخرها: منع بيع النقاب، الذي قوبل بامتعاض شديد من قبل كل الشرائح المجتمعية، ما عدا نشاز العلمانيين.

ولو تتبع من اتخذ هذا القرار على مستوى الإدارة المركزية ردودَ فعل النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي وكذا تصريحات بعض النزهاء من الحقوقيين والصحفيين ومنهم يساريون، لتبين له أن هذا القرار أقل ما يوصف به هو: الارتجال واللامسؤولية، التي تعطي الانطباع عند العامة أن الدولة تحارب الدين.

وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم

 

11 تعليقات

  1. واهم من يظن أن قفل الكتاتيب القرآنية ثم تنقيح المقررات الاسلامية ثم إسكات الخطباء من فوق المنابر وتفكيك خلايا نحل وآعتقال بنات في عمر الزهور مرورآ بمنع النقاب الغير دستوري لا يجمع بينهم خبط ناظم.
    المخزن يقدم قرابين للمجتمع الدولي ليغض الطرف عن التجاوزات الخطيرة لحقوق الانسان بالمغرب على آعتبار أنه يحارب الاٍرهاب والقادم أسوء مما مضى وتذكروا كلامي انا عا داوي

  2. يا لسخرية حتى شرذمة العلمانيين يفتون في الدين ويطلبون توقيع غرامة على المحجبات !!ا المهم انا سبقتكم للحبشة حتى تبعوني فالدين يحارب بأرض المغرب جهارآ نهارآ

  3. سنبقى ندافع عن العفة والستر الى الممات وهده دعوة للعلم يامسلمين علموا اولادكم الدين الاسلامي علموهم القران اصحبوهم للمساجد ابحتوا لهم عن رفقة الاخيار ساهموا في الصد عن التيار العلماني بالعلم والمعرفة ..ننتظر من العلماء الافاضل مقالات لوضع خطط نتبعها باذن الله في التربية والمعرفة و الالتزام نسال الله لكم التوفيق في النصح والدود عن الحق نفرح كثيرا بمقالاتكم ويشهد الله كم فرحنا بهده الجريدة المباركة اللهم ادمها نعمة واحفضها من الزوال..

    • ثبتك الله وجعلك من المقربات ومن عباده المخلصين. اهنئي بالا فلن ينال العدمانيون ما يبتغون.. ولو على جثثنا وما قراراتهم الرعناء هذه الا رقصة ديك مذبوح ودليل فشل فكري ومنهجي وعلمي, فلو انهم لمسوا بعض نجاح لهم في تسويق نجاساتهم لما لجؤوا الى اسلوب الترهيب والمنع القسري القهري.. لكن وكما يقال فمادام الذئب قد افضح عن جحره فإنه لا محالة مأخوذ… وما النصر الا صبر ساعة

  4. ﻻحول و ﻻ قوة إﻻ بالله.حسبنا الله و نعم الوكيل.وبعد ذلك أقول لن أتنازل عن حقي المشروع في اﻹعتقاد.و إن كانو*؟؟؟؟؟؟* فعﻻ غيورين على * الزي المغربي * فليتم توحيد لباس المرأة و آنذاك لن يكون عندي أي اعتراض.

    • إنما مقصودهم ان يوحدوا زي المراة المغربية بما يسمح للوافد الغربي ان يختار.. انما مقصودهم بيع حرائرنا للحثالات بابخس الاثمان.. ولن ينالوا ما يصبون اليه وان شنقنا على المشانق. والله غالب على امره ولكن اكثر الناس لا يعلمون.

    • هؤلاء يسيرون بالبلاد الى ما لا تحمد عقباه وعهم الان في رقصة الديك المذبوح, بالتالي علينا ان نكثر فضحهم ونكثف قصفنا الفكري عليهم والا نستسلم لابتزازاتهم ولاساليبهم القذرة.. والحمد لله ان المقادير والمصائر بيد الله.. لا بيد عبد من عبيده

  5. بارك الله فيك اخي ابراهيم على هذا المقال المفيد. لن نتنازل عن حقنا في تطبيق أوامر الله في الستر والعفاف. ولن نرضخ لهذه الشرذمة العلمانية المنافقة.ولو كلف ذلك حياتنا. فباطن الأرض أحسن من ظاهرها إن تطاولوا على أعراضها.

  6. لا حول ولا قوة الا يالله لا تاسفن على غدر الاعادي. فطالما رقصت على جثث الاسود كلاب. مامن خطوة مخالفة لدين الله الا وتقربهم من الخراب لا تضخمو الامور رب ضارة نافعة بعد المحن تاتي المنح هذا مغرب بن تاشفين وابن بادديس

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق