تاريخ الأوبئة في المغرب..

22 مايو 2020 19:19

هوية بريس – فيصل مهاجر

عرف تاريخ المملكة الكثير من المجاعات والأوبئة خصوصا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر فتكت بالآلاف من المغاربة ما كان له بالغ الأثر على نفسيتهم. فمن منا لم يسمع بكلمات ربما يجهل معناها في حيه أو قريته .. كـ (التوفيس، أو بوكليب لكحل أو الريح الأصفر أو الجذام أو غيرها من الأمراض التي تركت آثارا نفسية بالغة عندنا كمغاربة ربما نحن فقط نسمع بها!

فأجدادنا عانوا  مع هذه الأمراض وتسببت لهم في أزمات نفسية خصوصا وأنها كما سبق وذكرنا فتكت بالآلاف منهم إلى درجة أن بعضها أباد قرى عن آخرها. خصوصا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وهي الفترة الأشد قسوة على المغاربة بشهادة جل المؤرخين ومنهم محمد الأمين البزاز، الذي يرى أن هذه الفترة “كانت أشبه بكابوس عّمر طويلا، حيث باع المغاربة أبناءهم لإخماد نار الجوع، وكان أول عهد للعديد منهم بالسطو والتسول والبغاء، واضطر آخرون لافتراس الكلاب والقطط والخنازير”.

دعونا إذن نتعرف على أهم هذه الأوبئة التي عرفها المغرب لعلنا نأخذ العبرة ونحسن التصرف تجاه  “فيروس كورونا المستجد- الوباء المنتشر حاليا-” و ذلك بالالتزام بقواعد الوقاية والنظافة، والتضامن والتعاون والتآزر، ونكران الذاتوالالتزامبالشعار الذي نادت به السلطات “خليك في دارك”.

الطاعون الكبير أو الأسود:

عرف المغرب موجتي طاعون قاتلتين انتشرتا على نطاق واسع في البلاد الأولى سنة 1742 ودامت زهاء سنتين والثانية سنة 1747 واستمرت لأربع سنوات وقد خلفتا المئات من الضحايا.لكن الطاعون الأكثر فتكا بالمغاربة هو ما كان يعرف في المغرب بـ” الطاعون الكبير” بين سنتي 1799 و1800، وكانت له عواقب وخيمة إن على المجتمع بالنظر إلى عدد الأرواح التي أزهقها، أو على المستوى الاقتصادي أو حتى السياسي، قيل إن هذا الطاعون كاد يُفني المغاربة جميعا لولا لطف الله. حيث فقد المغرب جراء هذا الوباء ما بين الربع والنصف من مجموع سكانه. أما سياسيا فهذا الوباء جاء في عهد السلطان سليمان الذي كان في صراع مع بعض القبائل المتمردة آنذاك كعبدة ودكالة اللتان أنهكهما الوباء وأضعفهما. أما اقتصاديا فقد استفادت خزينة السلطان آنذاك بعدما تكدست فيها أموال العائلات الهالكة نتيجة الطاعون ما حل جميع المشاكل المالية للسلطان سليمان. دون أن ننسى بأن هذا الوباء أضعف سلطة المخزن أيضا آنذاك حيث أفنى العديد من العمال والموظفين الأكفاء والعلماء والفقهاء المحيطين بالسلطان ما فتح الباب أمام جيل جديد من العلماء وجد السلطان صعوبة في التواصل معهم.

هذا الطاعون تسرب للمغرب من الجهة الشرقية قادما من الجزائر فظهرت أولى الحالات بمنطقة الريف، ثم فاس والمناطق المحيطة بها، ثم بعد ذلك انتقل إلى آسفى وعموم عبدة التي اكتسحها الوباء بسبب جيش السلطان الذي حل بها لضمان ولاء المنطقة للسلطان سليمان.

كما ساهم هذا الجيش حسب مصادر التاريخ في نقل المرض أيضا من فاس نحو الرباط وجل المناطق الساحلية، والسهول الأطلسية الجنوبية التي كان السلطان سليمان قد تنقل إليها أيام الوباء، ما جعله محط انتقاد ذريع من طرف معاصريه. وقد زاد من انتشار الوباء أيضا عدم التزام السلطان سليمان وعموم المغاربة بنصائح الحجر الصحي التي نصح بها سفراء الدول الأوروبية المغاربة للوقاية من الطاعون بدعوى مخالفتها للشرع.

وقدر عدد الوفيات في كل من فاس ومراكش بحوالي 1000 إلى 1800 وفاة في اليوم الواحد خصوصا في شهر أبريل من سنة 1799، حتى عجز الناس عن دفن الموتى لكثرتهم وانتشرت الجثث في الشوارع فتم اللجوء للمقابر الجماعية. وهو ما دفع السلطان آنذاك إلى طلب المساعدة من ملك إسبانيا كرلوس الرابع الذي أرسل طبيبا خبيرا وأدوية للوباء، إلا أن ذلك لم يحد من تفشي المرض الذي استمر في الانتشار حتى الصيف ليواصل زحفه نحو الشمال في الخريف والربيع حيث اجتاح مدينة تطوان لينتقل إلى جنوب إسبانيا ويخلف بها آلاف الضحايا نتيجة تجع الإسبان في الكنائس للدعاء بزوال الوباء ما جعله يتفشى أكثر بين المصلين وعموم المجتمع الإسباني. ولم تنتهي هذه المعاناة إلا مع نهاية سنة 1800.

بوكليب، الريح الأصفر أو الكوليرا:

وما إن نسى المغربة أهوال الطاعون الكبير بمرور الزمن حتى اجتاح االبلاد وباء جديد اصطلح عليه محليا “بوكليب” ويقصدون به داء الكوليرا وهو عبارة عن إسهال وبائي حاد خلف موتا جماعيا لم يعرفه المغرب من قبل، وقد عرَّفه أبو العلاء إدريس عبد الهادي التازي كما جاء في مخطوطة “الابتسام عن دولة ابن هشام” بقوله : “هو ريح ما سمعوا به، قاتل من حينه، ويسمونه عندنا في المغرب بأسماء الكوليرا والريح الأصفر وبوكليب”، وقال عنه العربي المشرفي في ” أقوال المطاعين في الطعن والطواعين : “كان الموت موتَ بغتة وفجأة، حيث يرى الإنسان أخاه يمشي صحيحًا ويسقط ميتًا”، ثم أضاف قائلا: ” فيتغير حاله وتتشوه خلقته وتقع اللكنة في لسانه فيلجلج مقاله. وتزبخر أظافر يديه ورجليه كأنها صبغت بالنيلة”. أي أن لون أظافره يصبح أزرقا قبل أن يموت.

كان هذا الوباء قد تفشى في مكة وأهلك بها ما يناهز 12 ألف حاجا سنة 1831، ثم نقله الحجاج حسب البزاز في “تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب ” إلى فلسطين وسوريا ومصر ثم تونس، ومنها إلى الجزائر ليجد طريقة نحو المغرب، وذلك بعد تسجيل أول حالة بفاس في بداية نونبر 1934، وينتشر في ربوع المملكة مخلفا آلاف الضحايا. ثم توالت هجمات هذا الوباء بعد ذلك طيلة القرن التاسع عشر وكانت أعنفها سنتي 1854 و1855. وذكر المؤرخون أنه كان يزهق أكثر من 500 روح يوميا، إلى درجة أن سكان البوادي كانوا يفرون من الوباء للحواضر فيتلقفهم الموت بين دروبها، وكان البدوي إذا دخل الحاضرة لا يعود لأهله إلى وهو ميتًا محمولًا على الدواب، على حد تعبير صاحب مخطوطة “أقوال المطاعين” المشرفي . ولم يتخلص المغرب من هذا المرض بشكل نهائي إلا في الربع الأول من القرن العشرين.

حمى التيفوئيد:

على الرغم من المعاناة والخسائر التي تكبدها المغاربة في صراعهم مع الطاعون في نهاية القرن 18 وبداية الـ 19 و الكوليرا في القرن التاسع عشر خصوصا في سنوات 1834, 1854 و1855 و 1859 و1860. فقد اجتاح المغرب وباء جديد هو “التيفوئيد” الذي خلف بها آلاف الضحايا، وظهر الوباء بمراكش مع نهاية سنة 1878 مخلفا بها ما بين 200 إلى 300 ضحية في اليوم الواحد، ليكتسح بعد ذلك باقي المناطق حيث وصل إلى مدينة فاس في فبراير 1879، مخلفا بها مئات القتلى، حسب البزاز في كتابه: “الأوبئة والمجاعات في المغرب في القرنين 18 و19. وقد زاد من وطأة هذه الأوبئة ما عرفه المغرب من ضنك العيش في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر خصوصا مع شدة الجفاف وغزو الجراد، ما أدى إلى تفشي وباء الجدري الذي انطلاقا من مدينة الصويرة هذه المرة، مخلفا هو الآخر مئات الضحايا في أرجاء المملكة.

دون أن نغفل عن الأمراض الخطيرة الأخرى التي سبق وانتشرت بين المغاربة والتي تم التغلب عليها بفضل اللقاحات وفي مقدمتها السل والحصبة.

فيروس “إبولا” و”إنفلونزا الخنازير”(H1N1) :

بمجرد أن استشعر المغرب قرب فيروس “إيبولا” المعروف بحمى إيبولا النزفية إلى أراضيه دخلت وزارة الداخلية عبر مديرية الوقاية المدنية في استنفار وقائي ضد المرض، مع التركيز على حماية النقاط الحدودية الجوية والبحرية.
وفي أكتوبر من سنة 2014 طلب المغرب عبر وزارة الشباب والرياضة من الاتحاد الإفريقي لكرة القدم تأجيل تنظيم المملكة لنهائيات كأس إفريقيا للأمم، والتي كان قد تقرر إجراؤها ما بين 17 يناير و8 فبراير 2015 . لتفادي التجمعات التي يمكن أن تشارك فيها جماهير وافدة من الدول التي انتشر فيها “إيبولا”، تجنبا لانتشار خطر هذا الفيروس القاتل. مع وضع صحة المواطن المغربي فوق كل اعتبار. وهو الأمر الذي عرض المغرب لعقوبات مالية ورياضية ,لتمر محنة “إبولا” بسلام دون أن يسجل المغرب إصابات من الوباء الذي انتشر بحدة في دول غرب إفريقيا.

ورغم التدابير الاحترازية التي ما فتئت المملكة تتخذها ضد هذه الأمراض الخطيرة، إلا أن مرض “إنفلونزا الخنازير”” (H1N1) عرف طريقة إلى المغرب خصوصا في سنة 2019، إلا أنه لم يرقى لدرجة وباء في المملكة بعد أن تم تطويقه بسرعة. وكان أن أعلنت وزارة الصحة أن عدد الوفيات بسبب فيروس “إنفلونزا الخنازير” بالبلاد وصل إلى 11 شخصامن أصل ما مجموعه 58 حالة من المصابين، وسبق للمملكة أن سجلت، في السنوات الماضية، حالات إصابة معزولة بهذا الوباء، غير أنها لم تسجل وفيات، وذلك في خضم موجة الانتشار الواسعة لهذا الفيروس القاتل حول العالم، و التي بلغت ذروتها في 2009 و2010، وتسبب بوفاة الآلاف على مستوى العالم.

تلكم إذن لحظات عصيبة عاشها المغاربة عبر تاريخهم واستطاعوا التغلب عليها، بفضل تلاحمهم وتآزرهم، وعلى الرغم من الآثار السلبية التي نجمت عنها في نفوسهم وأبدانهم، فهي لم تُفنيهم، بل أكسبتهم القدرة على التكيف مع الأزمات، ومجابهة الصعاب والانتصار عليها في النهاية، مغلبين المصلحة الجماعية على الذاتية، ومتشبثين بحب الوطن والتعلق بالأرض والحياة. وهي الخصال نفسها التي كشفت عنها تحركات المجتمع المغربي بكل تلاوينه من أعلى سلطة في البلاد إلى العامة مؤخرا في مواجهتها لمخاطر “كوفيد19” الذي تفشى في العالم مخلفا أزيد من 2 مليون ونصف إصابة وأكثر من 180000ضحية. ناهيك عن الأزمة الشاملة التي شلت جميع مناحي الحياة والتي لم يعرف لها العالم مثيلا من ذي قبل. ما يقتضي المزيد من الصبر والنضال والتضحية والتحمل وإن بزوغ الفجر لقريب..

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
19°
26°
الجمعة
27°
السبت
25°
أحد
25°
الإثنين

حديث الصورة

كاريكاتير