تذكـــــــروا هـــؤلاء فــي الشِّــدة و الرخـــاء

04 يونيو 2020 21:37
خطة ترامب للسلام.. وعد بلفور جديد

هوية بريس – عبد الله النملي

أبان المغاربة عن حس وطني وإنساني كبير، حيث أسهموا في صناعة مبادرات من شأنها مساندة الجهات المعنية في تطبيق الإجراءات الاحترازية والتوعية للوقاية من “كورونا”. وتعدّدت صور التكافل الاجتماعي التي يراها البعض بمثابة الوجه المشرق الوحيد لفيروس “كورونا” من خلال أعمال الخير والإحسان بعد تفشي الفيروس، الذي فرض حظر التجوال و التباعد الاجتماعي، وأدخل المواطنين إلى بيوتهم، وقطع مصدر عيش الأسر المعوزة، التي خصت الدولة بعضها ببعض المساعدات المالية المحدودة. أفعال تنم عن حس وطني وروح التآخي والتآزر، التي يتشبع بها بعض ممن في قلوبهم ذرة من الإنسانية والذين يجب التنويه بهم، غير أن هذا الحس الوطني والإنساني المطلوب ينبغي أن يشمل كل مناحي الحياة و يحضرنا في أوقات الرخاء والشدة. وأنت ترمي قمامتك في الشارع، تذكر عامل النظافة الذي يصارع روائح كريهة من إنتاجك، حتى يبقى حيك نظيفا، وكي تستفيق صباحا وقد أفرغت أزبالك النتنة في جوف شاحنة النفايات، بمجهود جنود الخفاء الذين أنجزوا بشرف مهام يحتقرها البعض، يعملون في ظروف كارثية، ويعانون في صمت تام، وإن غابوا يوما واحدا صارت الشوارع والأحياء السكنية شبه مطرح للنفايات. ينحنون ويقفون ويواجهون شمس الصيف وبرد الشتاء، من أجل كسب لقمة عيش أسرهم. وغالبية المغاربة يسمون عامل نظافة بـ”مول الزبل”، وهي عبارة قاسية يستحقها من يرمي بالأزبال في غير مكانها الأصلي.

تذكر وأنت على شُرفة بيتك تسقي أزهارك، وتستنشق عبق عبيرها، أن هناك بشرا مثل كل البشر، أخرجتهم الحاجة إلى الطرقات والشوراع، كل سلاحهم في الحياة هي عصاة تقف على مكنسة، يرفعون أحمالا وأطنانا من القمامة والحجارة والتراب، تلفح وجوههم أشعة الشمس المحرقة في النهار، ويسد أنوفهم الغبار، ويغزو الهواء البارد أجسادهم بالليل، وبين هذا وذاك تقتلهم نظرات المجتمع التي تخترق أجسادهم الضعيفة فتزيدها وهنا على وهن، لينتهي كل ذلك بدراهم معدودة قليلة لا تكاد تسد رمق جوعهم أو سد احتياجات من يعولون. تذكر وأنت تُنْزِلُ أحمالَ أزبالكَ، ونحن في الزمن الوبائي الأسود، أن عامل النظافة ذاك، مُعَرَّضٌ لخطر الموت بفيروس “كورونا”، بسبب إهمالك واستهتارك، فاحرص على الإقفال المحكم لأكياس قمامتك، وليكن حرصك أشد وأنت ترتب رمي كماماتك وقفازاتك التي يمكن أن تكون موبوءة، وذلك بوضعها في كيس خاص ومتين ومغلق بشكل جيد، لأنهم يشتغلون في أوسخ مكان تتصوره في الكون، فحاول فقط تسهيل مأموريتهم بالعودة سالمين لصغارهم.

وأنت تُهرول لِتَقيس حرارتك، تغسل يديك لتلبس كمامة خوفا من أعراض “كورونا”، تذكر الأطباء والممرضين وكل العاملين في قطاع الصحة، الذين اختاروا العيش وسط الميكروبات والفيروسات كل يوم، حيث أظهرت أزمة “كورونا” شجاعة وتضحية هؤلاء الذين يتحملون في الظروف الحالية ضغوطا كثيرة، في مواجهة خطر الوباء، حيث أصبح التصفيق طقسا يوميا للجيش الأبيض يمارسه البشر، تقديرا للطبيب والممرض، وكأن البشرية عقمت أيديها من التصفيق للسياسيين،  يضحون بكل شيء، يرسم التعب والإرهاق ملامحهم في سبيل بث الأمل داخل نفوس المرضى، فنجدهم من قلب المستشفيات أبطالا خارقين في معاطف بيضاء، اتخذوا القرار في محاربة “كورونا” لاستمرار الحياة، حيث يظن البعض إجراءات العزل الصحي نوعا من التضييق على الحريات، لكن هناك من يقفون اليوم وجهًا لوجه متحدّين الوباء، ويعرّضون حياتهم للخطر، تماما مثل الأطباء الذين يخوضون غمار الحرب لمعالجة الجرحى والمصابين، لكنهم يثقون أن ما يفعلونه من أجل حياة الآخرين هو أنبل الأعمال. لذلك يجب علينا جميعا أن نكون أكثر سندا لهم في مشوارهم عن طريق الالتزام بنصائهم، حرصا على سلامتنا وسلامتهم.

وأنت تتذمر من صراخ أبنائك وفوضى غرفهم، تذكر أساتذتهم، صبرهم وتفانيهم، ذلك أن نسبة كبيرة من الفصول الدراسية، أصبحت مكتظة بالتلاميذ، ولا يبقى أي حيز أو رقعة إلا وتم استغلالها، إذ يجلس أحيانا ثلاثة متعلمين على طاولة واحدة مزدحمين لا تسعهم مساحتها، ولم تبق ممرات فارغة تسمح للمدرس بالمرور ومراقبة التلاميذ عن قرب، كما تشهد الساحة كثافة مهولة، بحيث لا يوجد شبر من الأرض إلا وفيه تلميذ. و تحت وطأة الاكتظاظ، أصبحت حجرة الدرس ميدانا لأحداث تنزل بكل ثقلها على سير العملية التربوية. فمن التلاميذ من يتأخرون عن موعد الدرس، ومنهم من لا يجد طاولة فيضطر إلى البحث عن مقعد أو طاولة بالقاعات المجاورة، ومنهم من يستغل الفوضى فيزيد الطين بلة، ومنهم من لا يتوفر على كتبه أو دفاتره وأدواته المدرسية، ما يؤدي إلى حدوث شنآن بين الأستاذ والتلاميذ، ومنهم من يرفض إنجاز الواجبات المنزلية. وفي غالب الأحيان، يعيش المدرسون المسندة إليهم الأقسام المكتظة حالة قلق مفرط. مما يضطر الطاقم الإداري والتربوي بذل جهود مضاعفة لاستتباب الأمن والنظام. ومع ذلك تبقى فضيلة الصبر من أهم مميزات الأستاذ، والدليل على ذلك الكم الهائل من البرامج والفيديوهات التي يظهر فيها الأساتذة وهم يقدمون دروساً عن بعد في زمن “كورونا”. كان دفتر التحضير وثيقة شخصية عند الأستاذ لا يطلع عليها أحد إلا في نطاق التدقيق، ولكن الآن الأستاذ يفخر بدروسه التي يقدمها لطلابه على الملأ. ولا يتردد في الاعلان عن أرقام هواتفه ومواقعه عبر أدوات التواصل الاجتماعي.

وأنت تشتري ما يزيد عن حاجتك، تذكر من لا يملك شيئا، وقارن نفسك وما تملكه مع من لا يملك لتشعر إنك أحسن حالا. كيف يستقيم حال البلاد وناس تضيق من الفقر ذرعاً وناس تضيق بوسع النعيم. فكما لا تتضح حلاوة العسل إلا بالتذوق لا تتضح مرارة الفقر إلا بمكابدته، فالفقير يخاف أن يأكل فيجوع وقد نفذ طعامه، ويخاف أن يبرد وقد قلَّ كساؤه، ويخاف أن يمرض وقد غلا دواؤه. أن تكون فقيرا فأنت تحت وطأة الحاجة تبيع روحك كل يوم في الشوارع بلا ثمن، أنت سجين الإمكانات المحدودة، أنت في نزال مع الحياة، مثلما يحدث تلتهم أفعى الأناكوندا فريسة سمينة ولا تلفظها إلا بعد أن تمتص منها كل معاني الحياة، تلتهم الحياة نفسها هؤلاء الفقراء البسطاء الذين طحنهم الزمن بأنيابه القاسية فما تركهم غير جثت ممسوخة مشوهة. الفقراء هم الطامعون في كل شيء، الفاقدون لكل شيء، المحرومون حتى من لذة التمني والاشتهاء، حياتهم مجرد انتظار، يكتفون بدور المشاهد، يتفرجون على الآخرين وهم يقطفون ثمار الحياة ولذائذها، وينصتون مع كل هذا لصرير أمعائهم الفارغة وصراخ أرواحهم المتمردة المحبوسية وراء سياج الحرمان والقهر. ولكم أن تتصوروا حال المسحوقين اليوم في ظل حظر التجوال، الذي يحرمهم حتى من فرص العمل البائسة وغير المضمونة.

وأنت تتفاخر بهاتفك الجديد وساعتك اليدوية الفاخرة، تذكر من لم تصل قريته بعد الكهرباء،  وهم بالآلاف يعيشون في القرى والمناطق النائية قسوة الطبيعة والحرمان علي نمط الحياة القديمة، مستخدمين الطرق البدائيه قنينات الغاز أو المولدات الكهربائية التي صارت متعبة ومكلفة للغاية، ويعانون من كثرة أعطالها، الأمر الذي يجبر أحياناً بعض الطلاب والطالبات علي استذكار دروسهم على ضوء الفوانيس والشموع. هؤلاء المواطنون يشكون حرمانهم من نعمة الضوء والنور. وفي غياب الإنارة و وعورة الطريق يسود الظلام الدامس، مما أجبر السكان على عدم الخروج ليلاً لقضاء احتياجاتهم، حيث تتوقف الحياة مع غياب الشمس، ويخيم الظلام، وتخلو الطرقات من المارة. وفى ظلام الليل تستيقظ الكائنات الليلية، ويستيقظ معها الخارجون على القانون.

وأنت تتأسف لتعليق الدراسة بسبب “كورونا”، تذكر من علقت الفاقة والحاجة أحلام دراسته، إذا علمنا أن نسبة الهدر المدرسي خلال الموسم الدراسي 2018-2017  بلغ على المستوى الوطني 221 ألف و958 تلميذا وتلميذة. وكشفت الأرقام استمرار الفوارق الكبرى بين العالمين القروي والحضري، حيث أظهرت الإحصائيات أن 41 ألفا و915 تلميذا بالسلك الابتدائي تركوا مقاعد الدراسة في المجال القروي، مقابل 20 ألفا و561 تلميذا ينحدرون من العالم الحضري. وهي مؤشرات لها ارتباط بارتفاع نسبة الهدر المدرسي، وخاصة في المناطق القروية، وعلى رأسها عدم توفر 566 إعدادية بالوسط القروي على داخليات، وعدم توفر أماكن مخصصة للمطاعم المدرسية بـ7 آلاف و23 مؤسسة تعليمية، ناهيك عن الفقر و الهشاشة الاجتماعية التي تضطر الأسر لدفع أبنائها إلى ترك مقاعد الدراسة من أجل العمل، فضلا عن أن الموقع الجغرافي للمدرسة القروية يساهم بشكل كبير في الانقطاع عن الدراسة، خصوصا حينما تكون المسافات المقطوعة تتجاوز 20 كيلومتر، أو حينما تكون المسالك المستعملة غير معبدة .

وإذا كنت تنتفع بالماء في بيتك وتستعمله كيف تشاء، تذكر أن الحصول على شربة ماء يتحول إلى قطعة عذاب في بعض المناطق المغربية التي جفت آبارها ونقصت مياهها الجوفية، بسبب موجة الجفاف التي تكثفت في السنوات الأخيرة وتسببت في نضوب العديد من العيون والآبار، وبات الحصول على كوب ماء في بعض الأودية المغربية، أصعب من الحصول على كوب من الذهب. الشيء الذي دفع بالعديد من القرويين يوميًا لقطع كيلومترات كثيرة، في درجة حرارة مرتفعة، وسيرًا على طرقات ربما لا تصلح حتى لسير البغال، من أجل الوصول لأقرب صنبور مياه في منطقتهم، بغية إطفاء لهيب العطش، وغسل الأواني، وأحيانًا الاستحمام، إذا ما عادوا بغنيمة كبيرة من الماء. وتبعا لذلك، بات صهريج الماء المتنقل على جرار حلًا مميزًا بالنسبة لهؤلاء السكان، حيث يحمل الصهريج 4.5 ألف لتر من الماء، لكن يصل ثمن الاستفادة منه ما بين 200 و300 درهم، ويبلغ ثمن ملء البراميل المحملة على الدواب، عشرة دراهم لكل ألف لتر، لكن تلك الصهاريج والبراميل لا تصل غالبًا إلى تلك المناطق، بسبب صعوبة الطرق غير الممهدة، وإذا وصلت يبيعها صاحبها غالبًا بأسعار باهظة، فيكون أغلب القرويين غير قادرين على دفع ثمنها، كما أنها لا تكفي من يملك رؤوسًا من الماشية يقتات على إثرها.

وأنت تستعرض سفرياتك على الفايسبوك، تذكر العالقين في بلدان الحصار والحرب، حيث لا صوت يعلو فوق صوت المدافع وهدير الطائرات، ومشاهد القتل والدمار. ما ذنب الأطفال الذين يتجرعون مرارة اليتم، والنساء اللواتي يأكلن من صحن الترمل في عمر الزهور، و الشيوخ الذين يشربون من كأس الموت البشع. ومن لم يرَ خراب سوريا لن يدرك معنى الخراب. ومن لم ير وجع حلب لن يدرك معنى الفجيعة. حجرٌ وبشرٌ وعددٌ لا يُحتمل من الأطفال الموتى والراقدين تحت التراب.حمم الموت تتساقط كالمطر من الطائرات الحربية، من دون وجود أي إمكانية للوصول إلى مصادر الطعام أو الدواء أو حتى المياه النظيفة الصالحة للاستعمال. فمن لم يرَ الصمتَ الذي يسوّر دمارَ حلب لن يدرك معنى الفظاعة.

وأنت في فراشك الدافئ والوثير تذكر أن هناك رجالا ونساء وأطفالا من المشردين يعيشون في العراء، و ينامون على الرصيف مثل القطط والكلاب الضالة، بلا بيت ولا أسرة تحميهم، ولا أهل يرعونهم. تذكر ذلك الكهل الملفوف في أوراق من الكارتون، أو تلك العجوز المتوسدة لرزمها التي تحملها أينما حلت و ارتحلت، وذلك المسكين الذي يحمل فراشه أو نوعا من الأثاث فوق ظهره كالحلزون، وينتقل من جهة إلى أخرى بعد أن يتم طرده من هنا وهناك. تذكر أنهم في الفصل البارد الذي تعصف فيه الرياح بشدة، تتمسك عائلات كثيرة بما لديها من أغطية بالية، وعلب كارتونية، لا تكاد تقيها شدة البرد القارس، إضافة إلى أن موجة البرد التي تشهدها البلاد، دفعت بعض المشردين إلى الاستعانة بكحول الحريق الممزوجة بمشروب غازي، وشم لصاق ” السيليسيون ” و ” الدوليو ” للوصول إلى مرحلة تخدير متقدمة، تجعلهم لا يحسون بأطرافهم المتخشبة جراء البرد والنوم في العراء.

وأنتم على أرائكم المريحة، تحتسون فناجين القهوة، لا تنتظروا الدولة أن تتحرك لوحدها، تصدقوا من أموالكم لأشخاص يعيشون على الهامش، اجمعوا تبرعاتكم، فهم يحتاجون للمسكن والألبسة والأغطية، وأكلة دافئة تبعث الدفء في أجسادهم الهزيلة، يحتاجون للمسة إنسانية صادقة، لا تكلف ثمن ما تنفقوه في أعراسكم وأفراحكم وأسفاركم وآخر صيحات سياراتكم و هواتفكم ونظاراتكم الشمسية الباهظة الثمن..

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
30°
27°
الأربعاء
23°
الخميس
26°
الجمعة
26°
السبت

حديث الصورة

كاريكاتير