ترجمة الشيخ عبد الله أبو عطاء الله.. المعروف بعبد الله بلمدني

12 فبراير 2020 20:11
ترجمة الشيخ عبد الله أبو عطاء الله.. المعروف بعبد الله بلمدني

هوية بريس – متابعة

هو الشيخ عبد الله الملقب بأبي عطاء الله ابن الشيخ المدني، ولد بقرية تسمى “أولاد جْميع” بنواحي الريصاني من بلاد تافيلالت، سجلماسة، التي تعرف اليوم بالراشدية، من أقاليم المملكة المغربية؛ وكانت ولادته في عام 1372هـ 1952م.

وكان والده من علماء منطقة تافيلالت، وبيته كان مقصدا ومحجا لطلبة العلم ينهلون من معين علمه.

وبحسب موقع “الكراسي العلمية”، فإن الشيخ بلمدني “تفتقت مواهبه مذ كان طالبا للعلم، فتمكن من اللغة العربية وأتقنها وأصبح محدثا بارعا ذاع صيته بين الناس، فانطلق يعلم القرآن ويحدث الناس حيثما حل وارتحل، ثم إذا فرغ من ذلك عاد إلى بيته، إلى صحبة الكتاب في عصامية فريدة، فهو لا يكاد يفارق الكتاب إلا للضرورة”.

نشأ الشيخ وتربى في كنف والده الشيخ المدني رحمه الله الذي كان من خريجي جامع القرويين بالعاصمة العلمية فاس العامرة، وأحد أساطين المذهب المالكي في وقته، فلقي من والده المعظم من الرعاية والملاحظة ما ظهر أثره في حياته العلمية والعملية.

طلبه للعلم:

بدأ شيخنا رحلته في طلب العلم بحفظ كتاب الله تعالى، ثم شرع في حفظ المتون العلمية الأساسية الأولية المعروفة عند طلبة العلم، كالمقدمة الآجرومية في النحو، ولامية الأفعال لابن مالك في الصرف وألفية ابن مالك في النحو والصرف، ومنظومة الشيخ عبد الواحد ابن عاشر في الفقه المالكي، والرسالة لابن أبي زيد القيرواني في الفقه المالكي ومختصر خليل في الفقه المالكي، والتحفة لابن عاصم.

وظل عند والده، ينعم بقربه ويأنس بحنانه وعطفه، ويشبع نهمه من بحـر علمه، فتلقى منه شرح كثير من المتون في العلوم الشرعية، وكان يسهر معه الليالي ويحرص عليه كل الحرص، وقد ظهر أثر ذلك الحرص على شيخنا عبد الله، حيث إنه وعى صدره علوما شتى لا يشق له غبار فيها، ورحم الله من ورث لأبنائه وأبناء أمته علما نافعا وجعل الله ذلك من الصدقات الجارية التي يصل ثوابها إلى الميت في قبره.

ولما أحس الشيخ بالحاجة إلى مزيد الاغتراف من العلم الذي لا نهاية لحدوده تاقت نفسه إلى شيوخ آخرين؛ فقيض الله له بعض الشيوخ مثل الشيخ العالم الأديب الكبير الرحالة تقي الدين الهلالي رحمه الله، فازداد شيخنا منه ومن غيره علما، ولاسيما العلوم التي لم تكن تدرس في تافيلالت كالتفسير وعلم الحديث والأدب العربي وغير ذلك مما يسره الله لشيخنا، وهكذا نشأ الشيخ محبا للعلم راغبا في تلقيه.

اشتغاله بالتدريس والدعوة إلى الله:

لما أنس الشيخ من نفسه القدرة على العطاء جلس للتدريس والإفادة لعلمه بأن زكاة العلم تبليغه ونشره بين الناس، وبدأ الشيخ نشر العلم في بعض مساجد بلاده، فكان لا يحل بمسجد من مساجد تلك الربوع إلا وحوله إلى مدرسة من مدارس العلم، فيتقاطر عليه الطلبة الراغبون في طلب العلم، فيقرأ معهم ما يناسبهم من علوم وفنون.

وكان أول مسجد حط فيه شيخنا رحله وبدأ فيه مسيرته المباركة هو مسجد ” أولاد يحيى السيفة ” وقد مكث في هذا المسجد يعلم الطلبة ويؤم الناس ويخطب فيهم نحو خمس سنوات، ثم انتقل إلى مسجد آخر بالمنطقة يقال له” مسجد أبوعام بمركز الريصاني” فمكث فيه مدرسا وخطيبا لمدة سنتين، ثم لما تأسس معهد مولاي علي الشريف بمدينة أرفود دعي الشيخ ليدرس فيه فانتقل إليه ومكث فيه يدرس نحو ثلاثين طالبا لمدة خمس سنوات، وكانت له خطبة في مسجد البطحاء بأرفود في هذا الوقت’ ثم انتقل إلى هذا المسجد بصفة رسمية إماما وخطيبا ومدرسا ومكث فيه خمس سنوات أخـرى.

واستمر على هذا الحال يعلم الطلبة ويرشد الناس إلى الخير إلى أن ضيـق عليه بسبب وشاية الوشاة وحسد الحاسدين أعداء كل مصلح، وهذا حال الدنيا لا تصفو من الأكدار ولا تخلو من المنغصات، فلما ضاقت به تلك البلاد رحل إلى مدينة فاس في أواخر 1408هـ1989م، وفي تلك المرحلة توفيت له زوجته الأولى رحمها الله وتركت له أربعة أولاد، فتوالت عليه الهموم، ولكنه صبر واحتسب، لأنه عرف ما قصد، ومن عرف ما قصد هان عليه ما وجـد.

ولم يمض على استقراره بمدينة فاس إلا وقت يسير حتى جاءته دعوة من مدينة بني ملال عروس الأطلس من أجل تأسيس مدرسة دار القرآن الكريم لتعليم العلوم الشرعية, فانتقل إليها في سنة1410 هـ1990م، وبدأ مع ثلة من أهل الفضل والإحسان الغيورين على القرآن الكريم وأهله في بناء مدرسة ومعلمة مباركة كانت وستبقى من حسنات مدينة بني ملال، بل ومن حسنات مغربنا الحبيب.

إذا ذكر الشيخ عبد الله بن المدني ذكرت معه هذه المدرسة أو ذكرت ذكـر معها لأنهما متلازمان’ فهو الذي سعى وكافح وواصل ليله بنهاره حتى جعل منها قبلة لطلاب العلم يؤمونها ويشدون إليها الرحال، ويحطون عندها الآمال من أرجـاء المملكة السعيدة، مملكة أهل القرآن، من أجل أن يغترفوا وينهلوا من بحر علمه الزاخر، فتخرج على يديه عدد كثير من طلاب العلم, وكان مدرسا جذابا يشد إليه السمع والأبصار والأفئدة، بعلمه الغزير وشخصيته الفذة، مـن حيـث جمال السمت، وروعة الإلقاء وحسن البيـان، يعرف كيف يوصل المعلومة إلى طلابه بطريق الإشارة، وبجميل العبارة، ويضرب الأمثال، ويسأل الطلاب، ويعينهم ويرفق بهم، لعلمه بأن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه، كما نطق بذلك من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

يتميز الشيخ عبد الله في دروسه بأسلوب سهل ممتنع، وبيان ذلك أن أسلوبه واضح سلس، يختار لحديثه أدق الألفاظ وأجملها وأوفاها بالغرض، مـن غيـر تعقيد ولا تنافر، يفهمه العامي والمتعلم، ويصل إلى قلوب السامعين بسهولة وانسياب كالماء العذب الزلال، ومع ذلك فهو ممتنع، لأنه لا يقدر على صوغه وإجادته والتصرف فيه إلا من كان عالما متمكنا من لغة القرآن الكريم كالشيخ الفاضل، فلا عجب إذن أن ترى طلابه صباح مساء يحـنون ويعشقون سماع ما يصدر عنه من اللطائف والدقائق العلمية، التي تبعث في الأرواح انتعاشا، وفي الصدور انشراحا، وقد صدق أحد أصدقائنا الطلبة، وهو الأخ عبد الرزاق الصادقي حينما أنشد في حق الشيخ:

وذا علَمٌ وذا قمر مضيء ** وذا ماءٌ تسير به السهـول

ألا أكْرم إذا بأبي عطـاء ** إذا حلت بساحتك الفحـول

درس الشيخ في دار القرآن الكريم ببني ملال كثيرا من العلوم النقلية والعقلية، والمقام لا يتسع لتفصيل الكلام عن كل درس

من تلك الدروس، وإنما أشير إليها إشارة مختصرة.

– درس ألفية ابن مالك في النحو والصرف.

– درس الجوهر المكنون للأخضري في البلاغة.

– درس متن السلم للأخضري في علم المنطق

– درس متن الورقات لإمام الحرمين في أصول الفقه.

– درس ألفية مراقي السعود للشنقيطي في أصول الفقه.

– درس المنظومة البيقوينة في مصطلح الحديث.

– درس ألفية العراقي والسيوطي في علم الحديث.

– درس منظومة المرشد المعين لابن عاشر في الفقه المالكي ومتن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني، ومختصر الشيخ خليل، وكلاهما في الفقه المالكي أيضا.

– درس عمدة الأحكام في أحاديث الأحكام

– درس علوم القرآن بكتابي مناهل العرفان للزرقاني ومباحث في علوم القرآن لمناع القطان

– درس علم التفسير، مثل سورة البقرة،

– درس السيرة النبوية بكتاب الرحيق المختوم.

– ودرس غير ذلك من المتون العلمية المعروفة لدى طلاب المدارس الشرعية العتيقة في المغرب.

وكان لتلك الدروس التي ألقاها في دار القرآن أثر كبير في ترشيد أبناء المسلمين في هذا الوطن الغالي، وتحصينهم مـن الأفكـار الضالة والمنحـرفة، وهذا ما لا ينكره إلا جاهل أو متجاهل.

وله دروس الآن في مسجد الحي العصري ببني ملال في الفقه وأصوله في إطار البرنامج التعليمي الذي يشرف عليه المجلس العلمي لمدينة بني ملال.

ويشارك أيضا في برنامج تأطير الأئمة في إطار خطة ميثاق العلماء الذي يندرج في إطار تنفيذ التوجيهات السامية التي تضمنها الخطاب السامي لأمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في 26 رمضان 1429 (27 شتنبر 2008)، حيث أمر جلالته بتدشين مرحلة جديدة من الإصلاح الديني بإطلاق برنامج تأهيل أئمة المساجد ضمن خطة ميثاق العلماء، وفق برنامج محدد يشرف عليه المجلس العلمي الأعلى، بتنسيق مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية, ويتوخى هذا البرنامج توفير الأمن الروحي، والحفاظ على الهوية الدينية الإسلامية المغربية، المتميزة بلزوم السنة والجماعة والوسطية والاعتدال، والانفتاح والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وما يرتبط بها من مبادئ الإسلام السمحة.

ويكون هذا الدرس في السبت الأول والثالث من كل شهر في جميع جهات المملكة، وقد كلف الشيخ بتأطير الأئمة في مسجد أولاد يوسف المركزي بنواحي بني ملال.

وإلى جانب الدروس العلمية التي كان الشيخ يلقيها على طلابه تصدى للدعوة إلى الله تعالى بالكلمة الطيبة، سواء في الدروس العامة بدار القرآن الكريم أو في المجالس التي يـدعـى إليها فــي أي جهة من جهات المملكة، واستفرغ جهده وبذل وسعه من أجل تنوير العقول وبعث الهمم في النفوس، فكان لغرر دروسه ودرر مواعظه الأثر الكبير فـي إصـلاح مجتمعه، فجـزاه الله خيـرا وجعل ذلك في ميزان حسناته.

وطريقته في الدعوة إلى الله تعالى هي ما رسمه الله عز وجل في قوله الجليل “ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن”.

وقد صدق شيخه تقي الدين الهلالي رحمه الله حينما لقبه بعميد الدعوة إلـى الله تعالى، كما حدثني الشيخ نفسه بهذا.

ونظرا لنشاطه العلمي وحرصه على الدعوة إلى الله فقد دعي إلى بعض البلدان في الشرق وفي الغرب لإلقاء محاضرات علمية، فلبى الدعوة ومثل بلده خير تمثيل، وسافر إلى بلدان الخليج العربي كدولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر، وسافر إلـى تركيا، وإلى دول غربية كفرنسا.

ولعلمه بأن وسائل الإعلام أصبحت وسيلة من وسائل الإصلاح أو الإفساد لم يتردد في تلبية دعوات بعض وسائل الإعلام من صحف ومجلات وقنوات تلفزيونية من أجل نشر الخير والتعاون على البر والتقوى، فقد أجرت معه مجلة “رسالة المعاهد” حوارا ممتعا في عددها السابع، لشهر ذي القعدة عام 1419هـ. مارس 1999م.

وحاورته أيضا جريدة “الرسالة الجهوية” في عددها الثاني عام 14124هـ 2003م.

وله دروس في شرح رسائل الجنيد والحكم العطائية بكرسي الإمام الجنيد بمسجد الرياض منطقة أكدال في مدينة الرباط.

وهذه الدروس وغيرها من دروس الكراسي العلمية تبثها قناة محمد السادس للقرآن الكريم، وعليها إقبال كبير داخل الوطن وخارجه.

والهدف من كرسي الإمام الجنيد كما جاء في التعريف بهذا الكرسي:

– تخليق القلوب بمحبة الله وترسيخ القيم السامية في نفوس الناس.

– ترشيد السلوك الديني العام للمواطنين بما يؤمنهم روحيا ويدمجهم اجتماعيا.

– تمتين الروابط الروحية بين جميع المكونات الثقافية والاجتماعية والقبلية للمجتمع.

الشيخ والتأليف:

لم يعتـن شيخنا الفاضل بتأليف الكتب، وعذره في ذلك يرجع في نظري إلى أحد سببيـن أوهما معا:

السبب الأول ما حدثني به في حوار أجريته معه في المسجد الحرام في شهر رمضان من هذا العام 1431هـ، من أن ما كتب من المؤلفات في العلوم الشرعية كاف وشاف، وهذا من تواضع شيخنا واحترامه للعلماء، وإلا فهناك مجالات تحتاج إلى من يكتب فيها، والشيخ نفسه ذكـر لي في الحوار أنه إذا يسر الله وزالت الشواغل فسيكتب في بعض القضايا المعاصرة، وخاصة المشكلات التي تطرح أمام الدعوة إلى الله، وتوظيف الأدلة الأصولية والمقاصدية وغيرها من الأدلة من أجل تحقيق القول في كثير من الأشياء التي مازال الجدال فيها قائما، لأن الجدال كله يرجع إلى عدم تحقيق علمي في المسائل المختلف فيها. وبتعبيـر علماء أصول الفقه والمقاصد” تحقيق المناط” أي أن كثيرا من الاختلافات التي نسمع بها أو نطالعها إنما سببها عند التأمل راجع إلى عدم تحقيق المناط فيها.

والسبب الثاني: تفرغه التام للتدريس والدعوة إلى الله بلسانه، فقد وجه همته السامية إلـى ما يـراه أهـم وأجـدى عنده، وكل ميسـر لما خلـق لـه، والمواهب موزعة بينا لناس، وقد فتح على الشيخ في التدريس والدعوة إلى الله بلسانه، فوجد أنسه وراحته ولذته في ذلك.

وكان من ثمار تفرغ الشيخ للتدريس تخرج عدد لا يحصى من الطلاب على يديه، وهم الآن بحمد الله منتشرون في طول البلاد وعرضها، وقد عم نفعهم وكثر خيرهم وانتفعت بهم أمتهم، فمنهم من سلك سبيل التعليم، ومنهم من سلك سبيل الإمامة والخطابة، ومنهم ومنهم.

ويكفي الشيخ فخرا انه أملى وألقى آلآف الدروس العلمية في فنون شتـى من علوم الشريعة لو جمعت وألفت منها كتب فستخرج في مجلدات.

الترجمة مستفادة من الموقع الإلكتورني للشيخ حفظه الله.

آخر اﻷخبار
2 تعليقان
  1. رحم الله الشيخ تقي الدين الهلالي، فبقدر ما أثر في بعض طلبة العلم بقدر ما حاد بهم عن سبيل علماء المغرب في الفقه والعقيدة والسلوك.
    فلو قدر لهؤلاء الفضلاء إن ينهلوا من معين آخر لكان لهم شأن واي شأن !!!
    “لله الأمر من قبل ومن بعد”

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°
20°
أحد
20°
الإثنين
22°
الثلاثاء
23°
الأربعاء

حديث الصورة

كاريكاتير