جامعــة القروييــن..



عدد القراءات 795

ظهير ملكي يسحب القرويين من التعليم العالي ويلحقها بوزارة الأوقاف

طارق الحمودي – هوية بريس

بعد اكتمال النضج الطبيعي لفكرة التجديد والنهضة، انبعث الفكر الإسلامي الحديث في مغرب القرن العشرين في صورة أكثر ملاءمة لطبيعته وهويته التاريخية والثقافية، ومن أهم معالم هذا الانبعاث معلم مؤسسي بارز لا يجوز إغفاله، فقد كان واحدا من المحطات المهمة التي شكلت الفكر الإصلاحي في المغرب، فــ”لا شك أن جامعة القرويين كانت حصنا حصينا في الحفاظ على هوية الشعب المغربي إسلاما وعروبة، إذ لولا القرويين لما تمكن المغرب من المحافظة على وحدته الثقافية وشخصيته القومية، والمستعمر إدراكا منه لهذه الحقيقة ما فتئ يجهد في القضاء على الهوية المغربية بمحاولة القضاء على القرويين عن طريق تجميد برامجها التعليمية والإغضاء عن تطوير نظامها[1].

لم تكن جامعة القرويين بعيدة عن أحداث الصدمة وما تلاها من يقظة علمية وسياسية وتقنية، بل قد يعجب المرء من الحضور القوي له في شخوص روادها والمنتسبين إليها الذين أسهموا في قدح الشرارات الأولى لهذا الانبعاث.

فقد “سارت الجامعة تواكب الأجيال، وهي تكافح للمحافظة على التراث وتبليغ دعوة السلف للخلف، فقرعت بعد هزيمة إيسلي جرس الإنذار، ونادى علماؤها كالكردودي والعمراوي وعلال الفاسي وأمثالهم بضروروة التجديد في النظام العام للدولة والجيش، وأدخل واحد منهم المطبعة الحجرية الأولى في ذلك العهد، وبدأ نشر التراث الذي طبع في هذه المرحلة زهاء الثلاثة آلاف كتاب، بين قديم وحديث… وقام عبد الله السنوسي وشعيب الدكالي ومحمد بن العربي العلوي من علماء الجامعة بدعوى للسلفية، وللثورة على التقاليد وتربية الطلبة على روح المقاومة التقليدي في الجامعة[2].

ولعل الدفقة الأولى من التنبيهات الصادرة عن بعض علماء القرويين في نظري كانت هي الشرارة الحقيقة الأولى للنهضة المغربية الحديثة، ولعل أبرزهم في هذا علي بن عبد السلام التسولي[3] الذي خطب أمام السلطان هشام بن عبد الرحمن، وكان مما قاله: “فأيقظوا أنفسكم من وسن الغفلة، فإنكم إن لم تستعدوا فهم لكم بصدد الاستعداد[4].

وقد انتبه السلاطين لدورها ومحلها من أية إصلاحات فكرية أو سياسية أيضا، ومن شواهد ذلك ما أثر عن السلطان عبد الرحمن بن هشام العلوي، فقد “أصدر هذا العاهل بدوره ظهيرا إلى شيخ القرويين قاضي فاس في محرم 1261 هـ (يناير 1885م) ينتقد السلطان فيه سير الدروس بالقرويين، وعقم الوسائل التي تتخذ لسير التعليم، ويدعو الأساتذة إلى تجديد المناهج والبرامج[5].

وقد لاحظ الحجوي هذا، وأن القرويين لم يكن به: “نظام ولا ترتيب لسير دروسه ولا للموظفين الدينيين المتخرجين منه ولم تزل رواتب المدرسين تافهة.. ولا تسل عن المتعلمين.. فتعطلت دروس وأهملت فنون كانت فيه زاهرة يانعة من قبل، وهكذا بقيت الحال أسيفة إلى أن هيأ الله توظيفي نائب الصدارة العظمى في المعارف والتعليم، وكنت أول من وظف بها إذ لم يكن لوزارة المعارف وجود في المغرب من قبل سنة 1330هـ… ولما حللنا فاسا جمعت علماءها الأعلام كلهم، وشرحت لهم الحال، ورغبتهم في تشكيل لجنة لتحسين حال القرويين من بينهم بالانتخاب على نسق انتخاب المجلس البلدي بفاس، إذ كان مرادنا الوقوف على أنظارهم وحاجاتهم، وأن نبدي لهم ما ظهر لي من إدخال نظام مفيد وإصلاحات مادية مع إصلاحات أدبية في أسلوب التعليم أيضا وإحياء علوم اندثرت منها كليا…[6].

كل هذا يدل دلالة بينة على القيمة الفكرية لجامع القرويين، حيث اتفق الأمير والفقيه على وجوب وضع يد الاستصلاح في مناهجه، وتطوير أدائه، كي يكون محركا من محركات الانبعاث واليقظة في بعدها المؤسساتي إن صح التعبير، وهو ما تفطن إليه المحتل الفرنسي وأذنابه، فاجتهدوا في إجهاض كل محاولة لإصلاحه، لأنهم يعلمون أن في صلاحه صلاح قلب الأمة وأسها، والمحضن الأليق للانبعاث الحضاري الذي يرسخ للثقافة الأصيلة يطهرها من كل دخيل كما تخلص النار الذهب من خبثه وشوائبه، وقد كان المنتمون إليه أشد على المقيمين الفرنسيين من كل شيء.

[1] العقل والنقل في الفكر الإصلاحي المغربي ص 27.

[2] علال الفاسي، في كلمته المنشورة ضمن منشور أعمال ندوة “جامعة القرويين وآفاق إشعاعها” ص 55.

[3] هو علي بن عبد السلام التسولي الفقيه والقاضي والمفتي المعروف بمديدش. ولي القضاء في فاس ثم بتطوان وغيرها، له مؤلفات منها شرح على تحفة ابن عاصم سماه البهجة، توفي سنة 1258 هـ. “موسوعة أعلام المغرب” ص2565.

[4] نظرية الاستعداد ص 235.

[5] عبد الهادي التازي في كلمته المنشورة ضمن منشور أعمال ندوة “جامعة القرويين وآفاق إشعاعها” ص80.

[6] الفكر السامي (4/31).

لا يوجد تعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق