حراك الريف.. الشعب والقوة والحكم



عدد القراءات 487

أزيد من 500 مثقف يطالبون بإطلاق سراح معتقلي الريف واعتماد الحوار بدل القمع

إبراهيم الطالب-هوية بريس

الحراكات الشعبية هي تعبير عن مطالب اجتماعية واقتصادية وسياسية يشعر أفراد الشعب أنهم في حاجة لإسماع صوتهم ومعاناتهم لمن يحكمهم؛ وتتخذها الدول الحديثة أسلوبا من الأساليب الاحتجاجية وتجعلها من الحريات العامة المكفولة بنص الدساتير والقوانين؛ وهي لديها مظهر من مظاهر ممارسة “الديمقراطية”، وآلية من آليات التغيير.

لكن عندنا في بلداننا وتاريخنا يرتبط الحراك الشعبي بالخروج على السلطان؛ والتمرد على الحكم.

ولست في هذه العجالة معنيا بالتعرض للحكم الشرعي لمثل هذه المظاهرات ولا لمناقشته؛ إذ ما يهمني هو مناقشة دلالات الوضع في الريف الذي هو الناصية الشماء للمغرب الأبِيِّ.

ونقرر منذ البداية أن الناس، من الناحية العملية الواقعية، لا يحتاجون إلى المظاهرات إلا إذا وقع الضرر والظلم؛ وطالت المعاناة؛ وعُدمت القنوات التي يوصِل من خلالها المظلومون معاناتهم وتظلماتهم إلى من يحكمهم؛ وكذلك إذا أهملت مطالبهم بعد وصولها إلى من يحكمهم؛ ويئس الناس من حدوث إصلاحات حقيقية على أرض الواقع؛ وفقدوا الثقة في وعود حكومتهم ونظامهم؛ هنا لا يبقى أمام الناس سوى التظاهر.

وفي حالة الحراك الريفي نلاحظ أنه اشتد وقوي خصوصا بعد التلاعبات السياسية التي شملت العملية السياسية، وإزاحت عبد الإله بن كيران، الذي كان صعوده إلى كرسي رئاسة الحكومة دليل صدق النظام المغربي في نهج طريق الإصلاح؛ بعد عقود طويلة من الاستبداد والفساد على كل المستويات  و”الحگرة” الشاملة التي يحسها المغربي سواء الريفي أو غيره في الشارع والمؤسسات العمومية وعند كل تعامل مع الدولة وإداراتها، وتظهر بشاعتها في إحساسه أنه لا يساوي شيئا عند دولته.

ثم كانت الطريقة المهينة التي عزل بها بنكيران، “الزعيم” المغربي في زمن لم يعد هناك للمغاربة زعيم، دليلا على الانقلاب على عملية الإصلاح وصلت من خلالها للشعب رسالة من النظام فهمها بطريقته؛ فكانت أُولى ردود الفعل؛ هو هذا الحراك الذي عرف تطورات خطيرة؛ ولعل موقف الريفيين من حزب البام دليل على أن الاحتجاج هو على العبث السياسي الذي يكرس الظلم والفساد فيستفحل معه الفقر والجوع والحاجة؛ وهذا ما يعطي القوة لصوت المحتجين؛ والمصداقية لمطالبهم والوجاهة لحراكهم.

لكن يبقى التخوف من تمدد مساحات الاحتجاج واستمراره؛ كذلك وجيها؛ لاحتمالية اختراق الحراك والركوب عليه من طرف من يهمهم أن يلحق المغرب بقطار الفوضى الخلاقة؛ التي خلقت الدمار والموت لشعوب سوريا واليمن ومصر وليبيا؛ وخلقت لصانعي الفوضى تجارة رابحة للأسلحة وصفقات بالبلايين لإعمار الخراب الهائل الذي أحدثته أسلحتهم بأيدي المسلمين.

فالتاريخ يشهد أن بلداننا ما هي إلا مناطق نفوذ للدول الغربية التي تحدد مصالحُ أمنها القومي طبيعة الحالة التي يجب أن نكون عليها من تخلفٍ وعدل ومستوى علمي وصناعي واقتصادي بل وفكري أيضا.

فأمريكا ودول الفيتو لها مصالح استراتيجية في مناطق بلداننا؛ وقد تضاربت المصالح في سوريا مثلا فرأينا بشار لا يزال جالسا على كرسي حكم بلاد صارت كلها خراب وموت ودخان؛ شعب بين قتيل وجريح ومهاجر؛ فلم يثبت إلا بشار ونظامه لأن الدول الكبرى لا زالت لم تتفق بشأن مصيره.

في حين رأينا كيف ضربت طائرات حلف الناتو قافلة القذافي في الصحراء وإخبار الثوار بمحل اختبائه؛ بعد أن رفعت عنه الحماية الإعلامية والاستخباراتية.

 ثم بعد هذا نستدرك مرة أخرى لنقول: إن المؤامرة حقيقة لا ينكرها إلا جاهل بالتاريخ مغفل في التعاطي مع الواقع؛ لكن وجودها يماثل في صدقيته وجود الظلم والفساد والاستبداد؛ فليس من العقل ولا الدين ولا الفهم السديد أن نلجأ إلى تفسير ما يحدث انطلاقا من زاوية نظرية المؤامرة مجردة ومفردة؛ في تغييب كامل لكل العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تنتج ما هو أفظع من أحداث الريف.

فالعقل يملي علينا أن نكون في أعلى درجات الانتباه حتى لا ننجرف بالبلاد إلى مهاوي الفوضى، لكن في نفس الوقت يجب على النظام أن يكون صادقا في عملية الإصلاح والوعود التي يقطعها للشعب.

إن المطالب التي يرفعها الريفيون اليوم هي مطالب كل المناطق المغربية في مختلف الجهات، فحتى إن لبَّت الدولة مطالب الريف؛ سيقوم الناس في كل المناطق بنفس المطالب؛ الأمر الذي يفرض على الدولة بدل انتهاج منطق الإسكات والتخوين والإقصاء والتخويف؛ أن تفكر بصدق أن الإصلاح لم يعد حاجة ومطلبا للشعب فقط؛ بل أصبح ضرورة لضمان الاستقرار؛ وقديما قيل: “العدل أساس الملك”، فلا يكفي الحزم ولا تغني القوة مع الشعب إن لم تكن سياسة الحكم مبنية على قواعد العدل.

إن القوة في المجتمع قوتان:

أ- قوة للحكم يحركها نظام الحكم لا نفاذ للشرع أو القانون إلا بوجودها؛ وهي التي تكسب القواعد القانونية صفة الإلزام وانتفاؤها يعني الفوضى والدمار؛ وبهذا يحدث الهرج وتتعطل مصالح الناس.

ب- قوة للشعب؛ وهي قوة مادية يحركها زعماء الأمة عندما يستجيبون لثوابتها، ويقومون بالدفاع عن مصالح الشعب، ويظهرون من التضحية والبذل والشجاعة؛ ما يعطيهم تفويضا من الشعب للنيابة عنهم في مخاطبة قوة الحكم عندما تُمارس الظلم والشطط.

فكلما كانت القوتان متحدتين كان الاستقرار والازدهار هما الطابع العام للمجتمع حكاما ومحكومين؛ وكلما كانتا متنافرتين متعاديتين كان الضعف والخوف والقتل والسجن والتشريد هو الغالب على حال المجتمع حكاما ومحكومين؛ ولا يكون حينها رابح وغالب بل الكل خاسر ومهزوم.

والخطير في الحراك الريفي أنه حراك شعبي لا زعماء له كبار معروفون يوجهونه ويفاوضون عنه؛ فهو يكتسب صدقيته من مطالبه الوجيهة، وكذلك من حجم المعاناة التي يعيشها الشعب جراء سنوات التهميش والإقصاء والفساد. وهذا ما عمق صعوبة إيجاد حلول سريعة.

كما أن الخطير في جانب الدولة هو أنها دأبت على تسفيه النخب الصادقة وتهميشها والحيلولة دون وصول النخب لامتلاك زعامة حقيقية تنفع في تسكين المواطنين وإعطائهم الضمانات التي تضفي طابع النزاهة والصدق على وعود الدولة؛ في وقت مَلّ الناس فيه من الوعود الكاذبة الخاطئة التي لا يعقبها تنفيذ؛ ويئسوا من فعالية الأحزاب وقدرة قادتها على تغيير الواقع وتحريك عجلة الإصلاح؛ بل أصبحت غالبيتهم محط اتهام الجماهير بالتواطئ مع الفساد والاستبداد.

إن الاستقرار والأمن لن يكونا في تلبية مطالب الريف فقط؛ فهذا لن يحل المعضلة فإذا جلس الريف وقفت أرياف؛ بل الاستقرار يكمن في صدق اتخاذ الإصلاح هدفا؛ ومن مستلزمات الإصلاح حتى يكون أمرا واقعا وجوب إحداث تغيير جدري في طريقة الاشتغال التي تحكم العقل الذي يشخص مصلحة النظام؛ والذي يغلب عليه الهاجس الأمني فينحو منحى استعمال القوة والاعتقال في موطن الحوار والحكمة.

الاستقرار ينتجه الإصلاح، فإذا كنّا صادقين في دعاوى الحفاظ على الاستقرار؛ فعلى الدولة أن تحدث ثورة استباقية حقيقية على نفسها؛ وتقوم بانقلاب على بنيتها السفلى المستفيدة من قوة وسلطة البنية العليا.

والبنية السفلى هي تلك العائلات والشخصيات المتنفذة في مفاصل السياسة والاقتصاد؛ والتي لا يمكن بحال أن تكون خادمة للصالح العام؛ ومنخرطة في عملية الإصلاح إلا بالقدر الذي يحفظ مصالحها ويحدث لها الاغتناء الفاحش والثروات الهائلة المكدسة؛ الأمر الذي سيزيد من استفحال الظلم والفقر والإحساس بالحگرة والقهر؛ الذي يعتبر الأساس في حركات العصيان والاحتجاج.

وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم

3 تعليقات

  1. إن الله لا يصلح عمل المفسدين” لقد طفح الكيل وصار الفساد هو القاعدة في هذا البلد الجميل والعدل هو الاستثناء، وهذا امر ينذر بكارثة بشرية ستحل بالمغاربة عاجلا ام اجلا لان الفساد اذا كثر ضرب الله المفسدين بعضهم ببعض {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض}

  2. كلام روعة الروعة وروح الروعة خذ مثلا” في وقت مَلّ الناس فيه من الوعود الكاذبة الخاطئة التي لا يعقبها تنفيذ؛ ويئسوا من فعالية الأحزاب وقدرة قادتها على تغيير الواقع وتحريك عجلة الإصلاح؛ بل أصبحت غالبيتهم محط اتهام الجماهير بالتواطئ مع الفساد والاستبداد.”وزيد وزيد…كلام نوراني يشكر كاتبه الوطن والراية وكل إنسان بيعي يحب الخير،كلام يسفه صحاب البهجة اللي بغاو لفيلا والسيارة والزوجة بلاشقى بلاتبكار ويمسخ ويقيم الحجة على حزب المسرفين بلغة البلاغة الدامغة وروح الإسلام والإيمان والإحسان واليقين في ملك يوم الدين.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

اترك تعليقا