حفتر.. نصف قرن من الانقلابات بحثًا عن السلطة (بروفايل)

03 يناير 2020 18:20
لماذا وافق حفتر على وقف إطلاق النار؟ (تحليل)

هوية بريس – وكالات

من المشاركة في الانقلاب على ملكه، إلى أسير لدى تشاد، فمحاولة انقلاب فاشلة من وراء البحار ضد رفيق الدرب السابق، ليركب موجة الربيع العربي، التي بدل أن ترفعه إلى كرسي الحكم وضعته في سلة التقاعد.

لم ييأس.. عاد ليقود انقلابا لم يسبقه أحد في التاريخ، لُقب بـ”الانفلاش”.. أو انقلاب عبر شاشة قناة عربية، لم يستغرق سوى تلك الدقائق التي تلى فيها كلمات جوفاء لم يكن لها صدى على الأرض، وتحول الأمر الجلل إلى مدعاة للتندر والضحك.

كبيرٌ عِنْدُه، وليس أكبر منه سوى حقده، قرر الانتقام من الربيع العربي الذي “قلب له ظهر المِجنّ”، فتحالف مع عرّابي الثورات المضادة، وجمع الغاضبين والطامحين والخائفين والمهزومين، واستعار عنوانا كان موضة العصر “الحرب على الإرهاب”.

خاض معاركه الأولى بغرور، فطُرد رجاله من عاصمتي الغرب والشرق.. كان محاصرا ويائسا في معقله.. قبِل على مضض حوارا بين الشرق والغرب تحت رعاية أممية، أفضى لتشكيل حكومة وفاق تنهي حالة الانقسام، لكن “رجل الانقلابات” صُعق عندما وجد أن الاتفاق يضع حلمه رهينة للمادة الثامنة التي تمنح المجلس الرئاسي الحق في إنهاء مستقبله العسكري وربما السياسي أيضا بجرة قلم.

رفض هذه المرة أنصاف الحلول، وعلى عادته انقلب على “اتفاق الصخيرات” بل على كل التفاهمات حتى تلك التي رعاها عرّابوه الإماراتيون والفرنسيون، فأكمل سيطرته على الشرق بدخوله مدينة درنة، ووضع يده على منطقة فزان في الجنوب.

وفي اللحظة التي انكفأت فيها الجارة الغربية (الجزائر) على مشاكلها، هجم على العاصمة طرابلس، بعد أن جمع حوله جنود الراحل معمر القذافي وسلفيو المدخلية، ومرتزقة الجنجويد ومتمردي دارفور وتشاد وقناصة فاغنر، وطائرات الإمارات ومدرعات مصر وخبراء فرنسا.

هجم على “عروس البحر” على حين غرة، بينما كان الجمع ينتظرونه في مدينة غدامس على مائدة الحوار، مُمَزِّقا كل المواثيق والعهود، زاحفا بقطعان جنوده من ثلاثة محاور، وفي اللحظة التي ظن الجميع أن طرابلس استسلمت لمصيرها المشؤوم، أنجدها أحرار مصراتة والزنتان والزاوية بالمدد، وشكلوا بوحدتهم جدار صد تكسرت على أسواره هجمات لجماعات متعددة الأجناس.

هذه باختصار قصة “جنرال الانقلابات” خليفة حفتر، مع هوسه المجنون بالسلطة ولو على حساب أشلاء الليبيين ومستقبلهم الحالم بالازدهار.

** أول الانقلابات

ينحدر حفتر (77 سنة)، من قبيلة الفرجان، إحدى فروع القبائل الهلالية العربية، ورغم أنه من مواليد مدينة أجدابيا (شرق)، إلا أن منطقة الداوون، شرق ترهونة (غرب)، تعتبر معقل الفرجان الرئيسي بليبيا، كما ينتشرون أكثر في مدينة سرت وضواحيها (غرب)، وفي طرابلس بمنطقة خلة الفرجان، التي تشهد أشرس المعارك خاصة حول معسكر اليرموك، وبدرجة أقل في بنغازي وطبرق (شرق).

التحق حفتر، بالكلية العسكرية الملكية في 1964 ببنغازي (شرق)، التي استقر بها، وتخصص في سلاح المدفعية بمدينة المرج (شرق).

أول وآخر انقلاب ناجح لحفتر، كان في 1 سبتمبر/أيلول 1969، بقيادة الملازم الأول القذافي، ضد الملك إدريس السنوسي (من أصول جزائرية)، عندما كان خارج البلاد، وآخر رتبة وصل إليها حينها عقيد، عندما كان مسؤولا عن منطقة طبرق العسكرية القريبة من الحدود المصرية.

لكن اللحظة التي كان لها الأثر البالغ في مساره العسكري، هزيمته في معركة وادي الدوم، ضد الجيش التشادي في مارس 1987، واقتيد أسيرا مع أكثر من 400 جندياً فضلا عن مقتل مئات آخرين.

لم يبذل القذافي الكثير لتحرير ضابطه (المهزوم) من الأسر، بل تنصل أصلا من معرفته، ما خلف لدى العقيد المأسور رغبة للانتقام من رفيقه السابق، وقرر حفتر في أواخر 1987 الانضمام مع نحو 2000 من رجاله الانضمام إلى المعارضة للإطاحة بنظام القذافي، وسهل له ذلك الفكاك من الأسر، دون التمكن من العودة إلى الوطن.

استفاد الرئيس التشادي حسين حبري، من هذا الخلاف، وأراد استخدام حفتر ضد القذافي، لكن سقوط نظام حبري، ووصول إدريس ديبي، إلى الحكم في انقلاب عسكري عام 1990، أفشل هذا المخطط، حيث تم تفكيك قوات حفتر في تشاد، وبشكل غامض، تكفلت المخابرات الأمريكية بتهريبه إلى الولايات المتحدة.

وخلال إقامته في مدينة لانغلي بولاية فرجينيا الأمريكية، اتُهم حفتر بالتخطيط لانقلاب 1993، وحكم عليه بالإعدام، بعد انكشاف مخطط الانقلاب قبل تنفيذه، رغم أن أغلبية الضباط المعنيين بالانقلاب من قبيلة الورفلة، إحدى أكبر القبائل الليبية، وكان هذا التاريخ (إلى جانب هزيمة وادي الدوم) بداية انهيار الجيش الليبي، وتقوية الكتائب الأمنية المكلفة بحماية نظام القذافي.

** ركوب موجة الربيع العربي

اندلاع الثورة ضد نظام القذافي في 17 فبراير 2011، كانت فرصة لحفتر للعودة للظهور مجددا إلى الواجهة، وأراد ركوب الموجة وقيادة قوات الثوار، لكن نجم عبد الفتاح يونس، وزير الداخلية الأسبق المنشق عن القذافي، خطف منه الأضواء، وتولى بدلا منه القيادة.

اكتفى حينها حفتر، بقيادة القوات البرية للثوار، ورُقي من عقيد إلى فريق، ومن إنجازاته خلال الثورة دخوله مدينة بني وليد (180 كلم جنوب شرق)، معقل قبائل الورفلة الداعمة للقذافي (بعد أن كانت أكبر ضحاياه في انقلاب 1993)، ولذلك تعتبر الورفلة من القبائل المنقسمة حاليا بشأن حفتر، رغم أن أغلب أنصار القذافي يؤيدونه.

سقط القذافي، وانتصرت الثورة، لكن حفتر بدل أن يرتقي إلى قائد للجيش (بعد مقتل منافسه عبد الفتاح يونس) كأقل شيء يطمح إليه.. أحيل على التقاعد، وذلك كان آخر شيء ينتظره.

عاد حفتر إلى الولايات المتحدة خالي الوفاض، لكنه أسرّ في نفسه أمرا، وبدأ في تجميع الرجال، خاصة العسكريين الغاضبين المحالين على التقاعد بعد الثورة.

ويتهم الرائد محمد حجازي، الناطق السابق باسم قوات حفتر، مخابرات أجنبية بالوقوف وراء الاغتيالات الغامضة التي استهدفت ضباطا في الجيش والشرطة بهدف “تأجيج الرأي العام في بنغازي، وإعطاء حفتر الذريعة ليطلق بها عملية الكرامة ويسيطر على المنطقة”.

وكان لهذه الخطة صدى لدى فئات واسعة من العسكريين في شرق البلاد، الذين وجدوا في حفتر المنقذ من هذه الاغتيالات الغامضة، التي اتهمت كتائب الثوار، بالوقوف وراءها.

لكن حفتر تسرع في إعلان انقلابه على المؤتمر الوطني العام (البرلمان التأسيسي) وحكومة علي زيدان، في فبراير 2014، وتحدث عن سيطرة قوات تابعة له على مواقع عسكرية وحيوية في البلاد، لكن أيّا من ذلك حدث على الأرض، ما سمي حينها “انفلاشا” (جمع بين كلمتي انقلاب وفلاش).

أصبح بعدها مطاردا إثر إعلان رئيس الحكومة أنه أصدر أوامره لوزارة الدفاع، لاتخاذ الإجراءات اللازمة ضد حفتر.

الغريب أنه بعد أشهر من ذلك التاريخ لجأ كل من رئيس الحكومة (علي زيدان) ووزير دفاعه حينها (عبد الله الثني) لحماية حفتر من كتائب الثوار.

ففي منتصف مايو 2014، أطلق حفتر عملية الكرامة، بعد حصوله على تأييد قبائل الشرق، وقوات الصاعقة في بنغازي، وحرس المنشآت النفطية بالهلال النفطي (وسط)، أما في الغرب فتحالف حفتر مع كتائب الزنتان، وعلى رأسها كتائب القعقاع والصواعق والمدني، التي كانت تسيطر على أجزاء واسعة من العاصمة طرابلس وعلى رأسها مطارها الدولي.

قسّم حفتر البلاد إلى طائفتين كبيرتين؛ من معه ومن ضده، لكن سرعان ما خسر حلفاؤه في الغرب مطار طرابلس الدولي، وتمكن تحالف “فجر ليبيا” من طردهم من العاصمة، وفي بنغازي معقل الانقلاب، تمكن تحالف “مجلس شورى ثوار بنغازي” من طرد قواته من المدينة، ومطاردتها إلى غاية مطار بنينا الدولي وقاعدة الرجمة العسكرية، شرق مدينة بنغازي.

كاد مشروع حفتر ينهار في سنته الأولى، رغم حصوله على الدعم المصري والإماراتي، فضلا عن الدعم السياسي من معظم أعضاء مجلس النواب، الذي انتخب في يوليوز 2014، واختار مدينة طبرق لعقد جلساته بدل أن يستلم مهامه في طرابلس وينتقل بشكل دائم إلى بنغازي، وفقا للإعلان الدستوري، مما خلق أزمة دستورية عمقت الانقسام.

مع نهاية 2015، تمكن الفرقاء الليبيون من الشرق والغرب من التوصل إلى اتفاق ينهي حالة الانقسام، وأفرز 3 أجسام رئيسية؛ المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، مجلس النواب (تم التمديد له بعد انقضاء ولايته الدستورية لعام واحد)، والمجلس الأعلى للدولة (معظم أعضائه من المؤتمر الوطني العام).

رفض حفتر الاتفاق لأنه يعطي للمجلس الرئاسي صلاحية خلعه من قيادة الجيش، التي عيّنه فيها مجلس النواب الموالي له، كما أن الاتفاق يضع المؤسسة العسكرية تحت سلطة مدنية، الأمر الذي رفضه حفتر جملة وتفصيلا.

قسّمت حكومة الوفاق معسكري حفتر ومناوئيه في حكومة الإنقاذ بطرابلس، وأعادت توزيع التحالفات داخل كل معسكر، لكن حفتر حافظ على أعلى قدر من تماسك معسكره، بعد أن حيّد المنشقين عليه، وسيطر على كتائبهم ومناطقهم على غرار منطقة الهلال النفطي الاستراتيجية، وكتيبة الدبابات في بنغازي، لكن أكبر خسارة تعرض لها انشقاق كتائب الزنتان بقيادة أسامة الجويلي في الغرب، لكنه حافظ على تأييد جناح منها بقيادة إدريس مادي.

وأوعز حفتر لنواب موالين له بعدم اعتماد “اتفاق الصخيرات” ولا حتى منح الثقة لحكومة الوفاق، ومع ذلك انتقل الاعتراف الدولي من الحكومة المؤقتة بقيادة عبد الله الثني في الشرق، إلى حكومة الوفاق بقيادة فائز السراج في الغرب، مما حوّل حفتر، من قائد شرعي في نظر المجتمع الدولي إلى أقرب لانقلابي متمرد لا يخضع لسلطة مدنية.

عسكريا، استطاع حفتر فك الحصار عن قواته في الرجمة، نهاية 2014، بعد تحالفه مع أنصار القذافي، داخل المدينة، الذي انتفضوا ضد ثوار بنغازي، الذي كان معظمهم في جبهات القتال خارج المدينة.

وبدعم عسكري إماراتي مصري فرنسي، تمكن حفتر من السيطرة على قاعدة براك الشاطئ الجوية (جنوب غرب) في 2016، ثم قاعدة الجفرة الجوية (وسط) الاستراتيجية عام 2017، وأنهى سيطرته على الشرق في 2018، باقتحامه مدينة درنة، التي كانت خاضعة لتحالف كتائب “مجلس شورى مجاهدي درنة”.

وفي بداية 2019، سيطر حفتر على أهم مدن وبلدات إقليم فزان في الجنوب الغربي، وعلى رأسها سبها وأوباري وغات ومرزق خلال ثلاثة أشهر.

** خداع وإغراء وسراب

أصبح حفتر يبسط سيطرته على نحو 70 بالمئة من مساحة البلاد، لكن ذلك لا يعني شيئا بدون سيطرته على العاصمة، المحصنة بكتائب قوية وعلى رأسها مصراتة، فلجأ إلى الخداع وإغرار بعض قادة المليشيات في الغرب بالمال والمناصب.

بهذه الطريقة استمال إلى صفه الإخوة الكاني قادة مليشيات اللواء السابع في مدينة ترهونة (90 جنوب شرق طرابلس)، وعادل دعاب، قائد مليشيا شهداء غريان، (100 كلم جنوب طرابلس)، وتسرب أنصاره لمدينتي صبراتة وصرمان (70 و60 كلم على التوالي) تحت شعار مكافحة الاتجار بالبشر.

واستغل حفتر زيارة الأمين العام الأممي أنطونيو غوتيريش، إلى ليبيا، فقام بهجوم مباغت على طرابلس، قبل 10 أيام من لقاء جامع بمدينة غدامس (جنوب غرب) برعاية أممية، وبعد يومين فقط من استقالة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في 2 أبريل 2019.

توقع أن يحسم معركة طرابلس في 48 ساعة وربما أسبوعين أو شهرين لكن بعد 9 شهور من بداية هجومه في 4 أبريل 2019، أعلن ساعة الحسم أربع مرات، دون أن يحسم شيئا.

استنجد حفتر بعدة قوى إقليمية ودولية، ومنحها قواعد جوية ليبية على غرار قاعدة “الخادم” بضواحي المرج، التي تتمركز بها الطائرات الإماراتية، وقاعدة الجفرة (وسط) التي توجد بها مرتزقة من روسيا والجنجويد (قوات الدعم السريع السودانية)، وقاعدة الوطية (غرب)، ويتمركز بها مرتزقة فاغنر الروسية.

وما زالت ميليشياته تخوض إلى اليوم معركة كر وفر دون أن تتمكن من دخول قلب طرابلس، ورغم إشهاره لورقة مرتزقة فاغنر في وجه الحكومة الليبية، إلا الأخيرة لا زالت تملك أوراق بإمكانها تحويل حلم حفتر إلى سراب.

المصدر: وكالة الأناضول.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
24°
25°
الجمعة
26°
السبت
33°
أحد
36°
الإثنين

حديث الصورة

كاريكاتير