حوار مع د. البشير عصام عن مآل الإسلام في القراءة العلمانية الحديثة..



عدد القراءات 1462

حوار مع د. البشير عصام عن مآل الإسلام في القراءة العلمانية الحديثة..

حاوره: نبيل غزال

القرآن الكريم ليس سوى إفرازا ثقافيا لمرحلة معينة انتهت وانقضت..!!

والحديث النبوي لم تعرف له سلطة إلا مع ظهور الأصوليين وصراع أيديولوجي خاص من أجل فرض السيطرة السياسية..!!

أما النبوة فهي لا تتطلب ذهنا كاملا بل خيالا خصبا فقط..!!

والبخاري ومسلم وغيرهم وضعوا أحاديث مكذوبة خدمة للحكام..!!

أما الفتوحات الإسلامية فلم تخلِّف سوى القلاقل والصراعات والهدف وراءها كان هو الجنس والمال..!!

ورسائل النبي محمد كانت رسائل إرهابية..!!

والنقاب أمر استفزازي يشوه معالم الحضارات..!!

أما الأخلاق فهي متغيرة ولا تعرف الثبات..!!

هذه جملة من أقوال العلمانيين التي يقذفون بها في المجال الإعلامي، والحقل والمعرفي..!!

يكررونها ولا يملون من ذلك، عسى أن يجدوا من يقتنع بما يقولون..!!

في هذا الحوار، سنناقش مع الدكتور البشير عصام، الباحث في المسائل الشرعية والقضايا الفكرية، مرجعيةَ أصحاب هذه المقولات، ونظرَتَهم لنصوص الوحي، والأدوات التي يوظفونها لتدنيس المقدس، ومآل الإسلام أيضا في القراءة العلمانية الحديثة.. كما سنتطرق لخصائصِ وسماتِ النصوص الشرعية ومَن هو المؤهَّلُ لفهم هذه النصوص والحديث عنها.

– كيف ينظر العلمانيون للدين وأصل نشأته؟ هل يرون أنه وحي من الخالق الرازق المدبر أم يعتبرونه منتجا بشريا، أو لنقل دينا محمديا فحسب؟

أود في البداية أن أنبه على معنى مصطلح “علماني” الوارد في سؤالكم.

العلمانية -على ما في تعريفها من اختلاف وتجاذب فكري- هي في أشهر تعريفاتها: “فصل الدين عن الدولة”؛ وهي في تعريفها الشمولي: “نزع القيم الدينية عن الممارسة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية”. وهي في جوهرها مناقضة للإسلام، لأنها تنزع عنه القدرة على التحكم في مجالات الشأن العام جميعها، وتحصره في دائرة التعبدات الفردية. وهذا مخالف لنظرة الدين الإسلامي للعلاقة بين الدين والواقع.

ولكن -مع مناقضتها للإسلام- فإنها لا تقتضي الإلحاد ولا إنكار الوحي، ولا أن الدين منتج بشري كما تفضلتم به في السؤال. بل لا إشكال -من الناحية المفاهيمية الخالصة- في أن يعتقد العلماني أن الدين وحي إلهي، ويعتقد مع ذلك أنه محصور في الدائرة الشخصية.

هذا التنبيه لا بد منه، لأننا قد نستعمل مصطلح “علماني” في هذا الحوار، ولكننا لا نقصد به هذا المعنى، وإنما نقصد به الانتساب إلى طائفة معينة، تجمع بين الانتساب النظري لمبادئ العلمانية والديمقراطية والحداثة، وبين الممارسة العملية لمحاربة الدين والطعن في مقدساته ومحاولة هدم ثوابته.

المنتمون لهذه الطائفة لا يصرحون بهذا المذكور في السؤال من أن الإسلام منتج بشري لا إلهي، لأنهم يعرفون شدة تشبث العامة في بلداننا بالدين الإسلامي، فليسوا حريصين على مجابهتهم بما يكرهون؛ ولكن مواقفهم وأفكارهم التي يتبنّونها، تَشِي بهذا المعنى. مثال ذلك:

* قولهم بضرورة إخضاع النص القرآني لآليات النقد الفيلولوجي، وضرورة اعتبار السياق التاريخي لهذا النص، وإرجاع كثير من معانيه لنصوص دينية أو فلسفية أو ميثولوجية سابقة. وهذا لا يقوله مؤمن بالمصدر الإلهي للقرآن!

* تبني كثير منهم رؤية المذهب الاجتماعي (الذي أسسه دوركايم) والمبنية على أن التدين وليد أسباب اجتماعية، وأن الدين الأول نشأ من المعتقد الطوطمي! وهذا كسابقه في الدلالة.

* نصب المعارضة والمفاضلة بين الشرائع الإلهية القطعية والقوانين البشرية الوضعية. وهذا لا يخطر ببال من يرى الشرائع وحيا إلهيا! (والكلام هنا ليس عن الشرائع الظنية المستنبطة بالاجتهاد).

* إنكار الغيبيات الثابتة في الوحي، وإلحاقها بالخرافات الشعبية المتداولة بين العامة.

* إنكار سلوك الأسباب الروحية المعنوية كالدعاء والذكر، والاستهزاء بذلك، والاعتداد بالأسباب المادية الدنيوية وحدها، مما هو واضح الدلالة على ما ذكرنا.

– فيما يخص القرآن الكريم، كلام رب العالمين، هل يعتقد المنتمون لهذا التيار أنه إلهي المنشأ وأنه كتاب هداية في الدنيا والآخرة، ودستور للأمة إن صح هذا التعبير؟ أم أن لهم قناعات أخرى غير ما ذكرتُ..؟

الغالب على هذا التيار: أن القرآن كتاب تعبدي خالص، ولا إشكال عندهم في التصريح بذلك انطلاقا من مرجعيتهم العلمانية، التي سبق شرحها.

ولذلك لا ينبغي أن نغترّ إذا رأيناهم يعظّمون القرآن من حيث هو، فليس هذا لب الخلاف بيننا! ولا إشكال في أن يعتني العلماني بقراءة القرآن وحفظه ونشر المصاحف وطباعتها، فهذا لا يناقض العلمانية في جوهرها. هذا مع علمنا أن من أبناء هذا التيار من يصرح بالإلحاد أو اللادينية أو التشكك.

سبق لي أن ذكرتُ أن تشريح النص القرآني بمبضع التفسير الهرمنيوطيقي دليل على أنهم يتعاملون مع القرآن كغيره من النصوص اللغوية القديمة، وإن كانوا لا يصرحون -مثل المستشرقين- بأنه من تأليف محمد (صلى الله عليه وسلم).

أما أن يكون القرآن كتاب هداية للشأن العام في السياسة والاقتصاد وعموم مظاهر الحضارة، فهذا غير مقبول عندهم ألبتة!

– بالأمس القريب هاجمت -في المغرب- خديجة البيطار صحيح البخاري وألفت كتابها “في نقد البخاري”، وطعن بعدها مصطفى بوهندي في كتب السنة ودعا إلى تنقيتها من الإسرائيليات، كما هاجم الصحابيَّ الجليل المكثر من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألف كتابا سماه “أكثر أبو هريرة”. وقبلهما ألف نصر حامد أبو زيد وحسن حنفي ومحمد أركون وعبد المجيد الشرفي.. وغيرهم، وادعوا أن تأسيس سلطة الحديث جاءت مع الأصوليين نتيجة صراع أيديولوجي خاص، ومن أجل فرض السيطرة السياسية.. وقالوا أن تفكيك سلطة النص لا يتم إلا بإلغاء مبدأ العصمة، فكيف تفسرون هذا الهجوم العنيف على السنة وكتبها وروات الحديث تحديدا؟

هذا ليس جديدا!

منذ القرون الأولى، كان المبتدعة – باستثناء الغلاة الذين يلفظهم العامة ولا يجدون عندهم أدنى قبول – لا يجرؤون على نقد القرآن، لخشيتهم من سطوة العوام؛ ويفرّون إلى نقد السنة النبوية وردّها.

وكان علماء أهل السنة، يفهمون هذا “التكتيك” حق الفهم، فيأمرون الطلبة وعموم أهل السنة بالاعتماد على السنن والأحاديث في مناظرة هؤلاء المبتدعة، حتى سمّوا أهل الحديث، لاعتمادهم على السنة في فهم القرآن، وترجيح بعض ما يحتمله لفظه على بعضه الآخر.

الحق أن جرأة المبتدعة قديما، وجرأة هذه الطائفة حديثا، لها سببان:

* الأول: إشكالية الثبوت في السنة النبوية، بخلاف القرآن. وهي عندنا -كغيرها من الإشكاليات العلمية- إشكالية محلولة في إطارها العلمي الخالص، وذلك من خلال علوم الحديث كالمصطلح والجرح والتعديل والعلل. أما هؤلاء فيثيرون الإشكال، ولا يتكلفون عناء بحثه وفق منهج علمي منضبط، بل يكتفون إما بالرد المطلق، أو بالرد غير المنضبط (أي: الرد بحسب أهواء العقول فقط).

* الثاني: إشكالية الدلالة في القرآن، وهي التي ورد التعبير عنها في بعض الآثار بأنه “حمال أوجه”، والمقصود أن السنة مفسرة للقرآن، وفيها بيان مجمله، وإيضاح مشكله، وتقييد مطلقه. فسلطة الحديث – إن صح هذا التعبير – لم تأت من صراع إيديولوجي كما يقال، بل من حاجة معرفية، هي وجوب تكميل فهم القرآن بالحديث، الذي هو وحي كوحي القرآن، مع الفروق المعروفة بين الوحيين.

ومما يدل على عدم براءة هذه الحملة العصرية على السنة، وعدم تجردها للحق، أنهم لا يكلفون أنفسهم عناء الدراسة المتعمقة لعلم المصطلح والجرح والتعديل والعلل، التي فيها الجواب العلمي منذ قرون على إشكالية الثبوت. فإذا كنت أمام معضلة علمية، وأخبرك آلاف المتخصصين عبر قرون مديدة بأن لديهم حلها، فإنك تبادر – إذا كنت متجردا للحق، متبعا لمنهج علمي سليم – إلى النظر في هذا الحل المقترح، وتدبّرِه واتهام فهمك القاصر؛ لا أن تبدأ من نقطة الصفر، ملغيا جهود من سبقك!

– فيما يخص بعض الأحاديث الصحيحة التي رواها البخاري ومسلم والتي يهاجمها العلمانيون بقوة بسبب مخالفتها عقولَهم أو مواثيقَ حقوق الإنسان الغربية، كيف تقيمون هذا الحكم على الأحاديث النبوية الشريفة ونصوص الوحي عموما؟

القضية في الحقيقة ليست مرتبطة بالعقل – خلافا لبعض المبتدعة المتقدمين!

لب القضية أنهم ينطلقون من أصول فكرية راسخة هي الحق المطلق لديهم (أصول: العلمانية والحداثة والديمقراطية والحرية وغيرها – كما استقرت مفاهيمها في الثقافة الغربية المهيمنة)؛ وكل ما خالفها فينبغي أن يكون باطلا!

فلديهم إذن مرجعية متجاوِزة، هي الحداثة (أو ما بعد الحداثة بسيولتها المسيطرة على الحياة كلها)، ولديهم أيضا إلى جانب هذه المرجعية “مزاج علماني” متحكم في فهم النصوص وتنزيلها على الواقع.

وهم يحتاجون في إطار اتباعهم لهذه المرجعية وانضباطهم بهذا المزاج، إلى رد بض النصوص وتحريف بعضها الآخر، وذلك وفق منهج غير منضبط، وليست له قواعد واضحة.

أما علماء الأمة – ونحن نرجو أن نكون متابعين لهم في ذلك -، فيسلّمون ابتداء بكل ما ثبت كونه من الشرع، ويجعلون ذلك مرجعيتهم الأولى والأخيرة. ومنهجهم المعرفي مبني على محورَي معايير الثبوت (علوم الحديث) وضوابط الاستدلال (علم أصول الفقه)، وهما محوران منطلقان من تجرد تام عن أية خلفية فكرية. فهم يسيرون خلف النصوص الثابتة حيث قادتهم، بمنهج الاستنباط المنضبط المؤصل.

هذا هو الفرق الجوهري بيننا وبينهم!

– يجرنا الكلام هنا للحديث عن الفرق بين الإكليروس أو نظام الكهنوت عند النصارى وطبقة العلماء (محدثين فقهاء..) عند المسلمين، ما الفرق بينهما؟ خاصة وأنه يتم التشبيه بينهما في كثير من المنابر الإعلامية..

أخطر العقد النفسية ما يسري من مجتمع لآخر، ومن ثقافة لأخرى، خاصة من الغالب للمغلوب – كما نبه على ذلك علماء الاجتماع وعلى رأسهم ابن خلدون.

ومن العقد المنتشرة عند نخَبنا المعلمنة، كراهة علماء الدين، والحساسية المفرطة تجاه دورهم في الدولة والمجتمع. وهي عقدة سَرَت إليهم من أوروبا، من آثار صراع حركة التنوير ضد الكنيسة.

العلماء عندنا لا يملكون تحليلا ولا تحريما، وإنما هي قضية تخصص يمكنني شرحها كالآتي: (ديننا مرتبط بالنصوص لا بالأشخاص؛ والأخذ من النصوص قضية علمية تدخل فيها مباحث عقلية ولغوية؛ وكل قضية علمية تفرض ألا يتحدث فيها إلا العالم المتخصص). هذا العالم المتخصص هو الذي يسمى في الاصطلاح الشرعي: “العالم”، وهو الذي يسميه هؤلاء: “رجل الدين” إحالة منهم على السياق المفاهيمي الغربي.

أما عندهم – أي عند النصارى – فليس الأمر مبنيا على النصوص القديمة، ولكن الكنيسة نفسها هي التي كانت تقرر ما هو مباح وما هو ممنوع، بقطع النظر عن النصوص؛ وذلك بعد أن مرّ علم اللاهوت النصراني بمراحل تطورية طويلة، جذّرت هذا المعنى.

وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله). وروى أحمد والترمذي وغيرهما عن عدي بن حاتم – رضي الله عنه – أنه سمع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يتلو هذه الآية، فقال: إنهم لم يعبدوهم. فقال: بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم.

هكذا كان رجال الدين (الأحبار والرهبان) يفعلون! وهو الفعل الذي أنكره الإسلام وأبطله.

– أدوات تدنيس المقدس والعبث به كالهرمينوطيقا والتاريخانية.. وغيرها هل ترون أنها نجحت في تحقيق مقصود العلمانيين منها؛ خاصة ونحن نعيش سطوة علمانية على كثير من مجالات الحياة؟ 

ارتفع نجم الفيلولوجيا (وهي: التحليل الثقافي للنصوص اللغوية القديمة) في القرن التاسع عشر، وقد يقال إنها فرع من الهرمينوطيقا التي هي “منهج التفسير”، وارتبطت بعلم اللاهوت النصراني. تشبع المستشرقون بهذه الآليات التفسيرية، وانطلقوا يطبقونها على النصوص الدينية الإسلامية، بدءا بنصوص الوحي. وتلقفت منهم هذه الطريقة، النخَبُ المثقفة المتغربة في بلادنا، فعاثوا فسادا في نصوص الشريعة.

الذي أعتقده أن هذه الأدوات – رغم خطورتها البالغة، وأثرها البليغ في الحطّ من قدسية النص الديني – لم تحقق المراد منها، وذلك لثلاثة أسباب:

الأول: أنها وسائل نخبوية، لا يكاد يفهمها حق الفهم، ويحسن التصرف فيها، إلا قلة من المتخصصين. وأكثر أتباع هذا التيار ليسوا كذلك!

والثاني: أنها أدوات غير منضبطة، بل فيها مجال كبير للاجتهاد الشخصي المتأثر بالثقافة والمؤهلات والبيئة وغير ذلك. ومخرَجاتها – بالتالي – فيها قدر غير يسير من الاختلاف والتناقض.

والثالث: قوة الممانعة الفكرية، من طرف علماء الأمة ومفكريها.

– بالنسبة لكم؛ ما هو مآل الإسلام في القراءة العلمانية الحديثة؟

التطور الطبيعي الذي يريده هؤلاء، هو أن يوجد إسلام له صفات معينة، تضمن عدم “تشويشِه” على المرجعية العلمانية الحداثية المهيمنة.

أهم هذه الصفات:

– “القولبة” أي سهولة التشكل في قالب البلد، والتشبع بخصائص المجتمع الذي يوجد فيه. ولذلك يحدثوننا مثلا عن الإسلام الفرنسي والإسلام المغربي، دون أن يكون لهذه النسبة مسوّغ معرفي واضح.

– الفردية: أي انحسار التأثير إلى أصغر دائرة ممكنة، وانحصاره في دائرة التعبد النسكي الشخصي، وعدم الانشغال بأي شيء هو من قبيل الشأن العام! وهذه حقيقة العلمانية – كما لا يخفى.

– “السلموية”: وهو اصطلاح خاص أصوغه مخالفا قواعد العربية، لأعبّر به عن النزعة السلمية في غير موضعها. فالإسلام دين سلم حين يكون السلم محمودا، أما حين تتسلط على الأمة جميع مظاهر الظلم والقهر السياسي والاقتصادي والعسكري والثقافي، فإن التباهي بالدعوة إلى السلم – لغير ضرورة – “سلموية” مذمومة. هم يريدون إسلاما “منزوع المخالب”، ليس فيه أي مظهر للعزة وإباء الضيم واستعلاء المؤمن بإيمانه.

– النسبية: فمن اتبع هذا الدين، عليه أن يعتقد أنه ليس الحق المطلق، وإنما هو وسيلة لعبادة الخالق لا تخالف في جوهرها غيرها من الوسائل. فالأديان كلها حق في ذاتها، ولا وجه لإبطال شيء منها، أو الحكم بضلال متبعيه!

هذا ما يسعون إليه، تصريحا أو تلميحا؛ وينبغي التفطن إلى عبثهم في مهده، قبل أن تتسرب تأصيلاتهم إلى عقر دار التيار الإسلامي، من حيث لا ندري!

– ما هو هدف العلمانيين من تأويل القرآن والعبث بفهم النص إذا كانوا لا ينوون العمل به أصلا؟

هدفهم الأول: استخراج ما يوافق مرجعيتهم منه، لتثبيت هذه المرجعية في نفوس العامة، الذين يقدسون القرآن.

وهدفهم في مرحلة ثانية: إلغاؤه من الحكم في السياسة والاقتصاد وسائر مناحي الحياة، ونزع قدسيته من النفوس، بعد أن تصبح مرجعيتهم التي ثبّتوها أولا هي الأصل المهيمن!

فاستراتيجيتهم إذن مبنية على: المواءمة في أفق المخاصمة!

وهذه استراتيجية استعملها بعض المبتدعة المتقدمين، في حالات مشابهة، مثل: العقل مع القرآن، أو الفلسفة مع الشريعة، وغير ذلك.

– فيما يخص طرق تصريف العلمانيين لخطابهم، هل يعتمدون المواجهة المباشرة والتصريح بأفكارهم وقناعاتهم ومخططاتهم بكل وضوح، أم أن لهم طرقا أخرى يعتمدونها حتى يصلوا إلى أهدافهم؟

الشجاعة الفكرية عند أتباع هذا التيار قليلة. ومن مظاهر جبنهم الفكري: أن الواحد منهم قد يصرح بما يقتضي خروجه من الإسلام، ولكنه لا يقبل أن يحكم الآخرون بكفره، بل يعدّ ذلك من قبيل التكفير المرفوض!

ولذلك فإن لهم طرقا متعددة لتمرير أفكارهم، منها:

– إظهار حب الدين ومقدساته، وأن مشكلتهم مع تأويل النصوص، لا مع النصوص ذاتها (وإن كانت حقيقة مذهبهم تظهر من لحن قولهم).

– تصوير الصراع على أنه ليس مع الدين ولكن مع طائفة معينة، هي طائفة الأصوليين أو الإسلاميين أو السلفيين (وتسمية المخالف تتغير عندهم بحسب السياق الزماني والمكاني).

– استغلال الأخطاء البشرية التي تقع عند المخالفين، أو الضلالات الواقعة عند بعض الغلاة لضرب المشروع الإسلامي كله. مع تبنّي القصف الإعلامي المنهجي بهذه الأخطاء والضلالات.

– الاعتداد بالأجنبي، والتقوّي به فكريا وماديا وسياسيا.

– بعد كل ما ذكرت هل يمكننا الحديث عن تعايش بين الإسلام والعلمانية أو عن وجود أحدهما مع وجود الآخر؟

العلمانية الموجودة اليوم نوعان:

– نموذج أنجلوسكسوني متعايش مع الدين، ما دام منحصرا في الدائرة الفردية؛

– ونموذج فرنسي محارب للدين، مضيّق عليه حتى في الدائرة الفردية.

والنموذجان ناتجان عن تشكل تاريخي، مرتبط بالعلاقة الصدامية أو التعايشية بين الدولة والكنيسة في البلدين (بريطانيا وفرنسا).

لكنّ النموذجين معا مناقضان للإسلام (والاستدلال الشرعي على ذلك يطول بنا جدا)، خلافا للنصرانية مثلا فإنها معَلمنة منذ عصورها الأولى.

ولذلك فجوابي على سؤالكم: لا يمكن التعايش بين الإسلام والعلمانية، إلا إذا “عُلْمِنَ” الإسلام، ففقد هويته المميزة، وتخلى المسلمون عن كل النصوص المتعلقة بالسياسة والاقتصاد والثقافة وغيرها، وعن كل التراث الفقهي المنبني على تلك النصوص!

– دعني د البشير أنتقل وإياك إلى محور آخر يمثل أهمية كبرى في موضوع اللقاء: هل نحن في حاجة إلى إعادة قراءة وفهم للنص الشرعي؟

الذي نحتاج إليه حقا هو تحقيق المناط، أي فقه تنزيل النصوص والقواعد على النوازل المستجدة. ولسنا محتاجين إلى إعادة بناء المعمار التراثي الضخم، في شقّي الثبوت والدلالة، والذي تتابع على تشييده وتزيينه آلاف العلماء عبر تاريخ الأمة، مع دفع الاعتراضات والإيرادات، ومعالجة الإشكالات والتناقضات، وتدبير جميع أصناف الاختلافات.

نعم، الترميم ممكن .. أما الدعوة إلى الهدم وإعادة البناء، فنوع من السخف والغباء.

في مجال فهم النصوص، لا أشك أن هنالك اجتهادات حكمت بظروف معينة، وبيئة قديمة. وحينئذ فلا إشكال في إعادة النظر فيها. ولكنني أقرّر أولا: أن هذه الاجتهادات ليست بالكثيرة، وثانيا: أن إعادة النظر ينبغي أن تكون وفق منهج منضبط واضح المعالم، لا وفق شعار “التنقيح” المفتوح لكل من هب ودب!

– بالنسبة لكم؛ مَن المؤهَّلُ لفهم النُّصوص الشَّرعيَّة؟

من توفرت فيه صفات ومؤهلات لا بد منها:

1- التجرد للحق، والتخلي عن أية خلفية فكرية، أو هوى من أهواء النفوس.

2- المعرفة الجيدة الشاملة بالنصوص القرآنية والحديثية، مع ضبط معايير ثبوتها.

3- الرسوخ التام في اللغة العربية، إلى درجة تحصيل الملَكة اللغوية التي تمكّن من حسن فهم النصوص الشرعية.

4- المهارة في استعمال قواعد الاستنباط، وأصول الاستدلال.

5- الاطلاع الكافي على التراث الفقهي والعقدي، لأن الانطلاق من “الصفحة البيضاء”: هدر للأعمار، فوق كونه وهما محال التحقق!

– ما هي خصائص وسمات النصوص الشرعية؟

كثيرة، لكن أهمها:

– الشمولية، أي الصلاحية لكل زمان ولكل مكان.

– الثبات، أي عدم القابلية للتغير بحسب الظروف. والذي قد يتغير هو تنزيلها على المستجدات.

– تحقيق مصالح العباد، فالنصوص رحمة للعالمين، وفيها تحقيق مصالح الدنيا والآخرة.

ولا أجد الوقت لتفصيل هذه الخصائص والاستدلال عليها.

– هل اعتماد منهج السلف في فهم النصوص الشرعية يؤدي إلى تحجير العقل وتجميد الفكر؟

هذا سوء فهم لمعنى الرجوع لفهم السلف!

المطلوب الرجوع إلى منهجهم في الفهم، وطريقتهم في التعامل مع النص، لا أنهم يقلّدون في كل جزئية فقهية قالوا بها!

حين نقول مثلا: يجب الرجوع في قضايا الصحة إلى الأطباء لا إلى المشعوذين، لأن منهج الأولين أدق وأحكم وأعلم، فهل يكون ذلك حجرا على العقول، وتجميدا للفكر؟

وهل للمشعوذ أن يقول: (كيف تلغون عقولكم، وتتبعون منهج الأطباء؟ وهل الأبدان حكر على طائفة معينة من الناس دون غيرها؟)؟

نحن كذلك نرفض أن يقال: (كيف تلغون عقولكم وتتبعون منهج السلف؟ وهل الأديان حكر عليهم دون غيرهم؟)!

ومن الطرائف في هذا الباب: أن المنتسبين للسلف هم أكثر الناس إنكارا للتقليد، ونبذا للتعصب للرجال؛ وقد كان منهم عبر التاريخ قامات عقلية باذخة. ولكن أين من يفهم وينصف؟

– لماذا الرجوع إلى منهج السَّلف الصَّالح لفهم النصوص الشَّرعية؟

لأنهم أقرب لمنبع النص الأول، وهم لأجل ذلك أعلم بمقاصد الشارع الحكيم؛

ولأنهم أعلم باللغة العربية من غيرهم، فقد كانوا عربا أقحاحا في عصور الاحتجاج، قبل اختلاط العرب بغيرهم من الأمم؛

ولأنهم أزكى نفوسا، وأرق قلوبا، كما تدل على ذلك سيرهم؛

ولأنهم أسلم من المؤثرات الخارجية، أي من أية ثقافة خارجية مهيمنة؛

ولأنهم شيدوا حضارة عظيمة، لم يتأتّ للأمة من بعدهم أن تبني مثلها، بل كان همّ المسلمين من بعدهم المحافظة على الإرث الحضاري العظيم الذي بناه السلف رضوان الله عليهم.

والله الموفق.

لا يوجد تعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق