حول موروث ابن عاشر تدندن وزارة الأوقاف (ح3)



عدد القراءات 493

المسبعات العشر ومتاهات المتصوفين المحيرة للأذهان!!

هوية بريس – د. محمد وراضي

أوضحنا كيف أن التدين رسميا وشعبيا لدى المغاربة، بني على ثلاثة أركان: المذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية، وطريقة الجنيد في التصوف. ثم أوضحنا كيف أن عقيدتنا كمغاربة، لم يكن ينقصها أي شيء، ما دمنا مرتبطين قبل ولادة الأشعري، بالمذهب المالكي. فبينما كان أبو الحسن الأشعري معتزليا قحا، ينافح عن العقيدة المعتزلية، ضد عقيدة أهل السنة والجماعة، كان الإمام مالك يواجه خصوم عقيدتنا السنية بالمنقول والمعقول كليهما. غير أن الأشعري تبين له أن المعتزلة بخصوص العقائد على خطإ جسيم، عندها تاب واعترف بأن السنيين هم وحدهم من بين بقية الفرق الإسلامية على صواب، فكان أن دأب حتى وفاته على الدفاع عن عقائد أهل السنة بالحجج العقلية. فصح أن أهل السنة لم يغيروا قط فهمهم للعقائد الإيمانية، وإنما هم رحبوا في صفوفهم بالإمام الأشعري، وأطلقوا على عقيدتهم السنية، اسم العقيدة الأشعرية تكريما منهم له على دفاعه عن نفس العقيدة التي هم عليها حتى قبل ولادته! يعني أن الزعم القائل  بأن المغاربة على عقيدة الأشعري زعم كاذب بناء على الحجج التي قدمناها!

أما الزعم القائل بأن المغاربة على طريقة الجنيد في التصوف، فزعم آخر غاية في البطلان! لأن الطريقة في العموم، ينظر إليها من وجهين على الأقل:

1ـ طريقة مادية أو طرق. يقال عن طريق (يذكر ويؤنث): ممر واسع ممتد. وطريق معبدة. ودرب. ومسلك. ومنهج. وسبيل. ووسيلة.

2ـ طريقة معنوية أو مجردة روحية: يعبر عنها في مثل قولنا: “طريقة تفكير” و”طريقة الإقناع” و”طريقة التعبد” المعتمدة لبلوغ هدف أو لبلوغ غاية. وهي هنا إن شئنا نيل رضى الرحمان عز وجل.

وحتى تسهل علينا المحاجة، نؤكد أولا كيف أن التصوف “علم حادث في الملة” كما ورد عند ابن خلدون في مقدمته. ونؤكد ثانيا بأن الهدف أو الغاية من سلوك طريقة التعبد بكل ما تقتضيه من ضوابط، تم التنصيص عليها في قوله سبحانه -والخطاب موجه إلى مجتباه-: “قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم”. وقوله عز وجل: “يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم”.

وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله ص موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون. فقلنا يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فأوصنا. قال: “أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد. وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجد، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة”.

ولا نظن أن علماءنا من رسميين وشعبيين، يجهلون مضامين ما سقناه من نصوص قرآنية وحديثية، لأن ما سقناه لا يلفه غموض. وخلاصته أن نيل حب الله كغاية للمتصوفة على حد ما يزعمون، لا ينال بطرق محدثة في التعبد. وإنما ينال بطريقة واحدة هي السنة كما يفهم من قوله ص: “فمن رغب عن سنتي فليس مني”.

فلماذا إذن نتحدث عن العقيدة الأشعرية؟ وعقيدتنا واضحة كل الوضوح في كتاب الله وسنة رسوله؟ ثم لماذا نتحدث عن طريقة الجنيد في التعبد، بينما سنة رسول الله  فيه، هي وحدها التي علينا اتباعها بنصوص نقلية معروفة؟ أو ليس عيبا فينا أن ندعي بأننا على طريقة الجنيد في التقرب إلى ربنا؟ أو لا نشعر هكذا بأننا نسيء إلى رسول الله، حين نزعم أن عقيدتنا، هي عقيدة واحد من إخواننا في الدين؟ أو لا يصح القول بأن عقيدتنا هي ما تركنا عليها رسول رب العالمين؟ ولم لا نقول: طريقتنا في التعبد هي السنة كما أمرنا بنصوص قرآنية وحديثية؟ أما القول بكوننا على مذهب مالك، فلكون أجدادنا انتسبوا -عن وعي تام- إلى إمام لم يحد عن سنة رسول الله قيد أنملة؟

وإن نحن استحضرنا ثانيا مقولة ابن خلدون في مقدمته: “التصوف علم حادث في الملة” فلأن اختبار هذه المقولة واقعيا للتيقن مما إذا كان التصوف من ضمن العمل بسنة المختار أم لا؟ وإن لم يكن من ضمن العمل بها، كان ولا يزال واجبا على أولي الأمر من العلماء والحكام – إن هم ادعوا خدمة الدين وحمايته – أن يقيموا جنازة غير مهيبة على التصوف الطرقي إعلانا منهم عن إعدامه وعن إقباره إلى الأبد؟؟؟

نقول: إن المغاربة من علماء وطرقيين من غير الشيوخ لا يعرفون حقيقة الجنيد؟ لا يعرفونه لأنه ذو وجهين: وجه يضعه ضمن القائلين بوحدة الوجود والاتحاد؟ ووجه يبدو من خلاله أنه من المتسنين حيث يقول: “الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرسول عليه الصلاة والسلام”؟ وحيث يقول: “من لم يحفظ القرآن الكريم ولم يكتب الحديث، لا يقتدى به في هذا الأمر، لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة”؟

ولهذين القولين المنسوبين إليه، عده المشايخ رائدا فيما يعرف بالتصوف السني. إنما السؤال المطروح بإلحاح هو: هل الطرقيون يقتفون بالفعل أثر رسول الله في أدائهم لكافة القربات؟ وهل هم جميعهم يحفظون القرآن ويكتبون الحديث؟

يقول الجنيد إذن: لا بد لكل راغب في الاشتغال بالتصوف، أن يتقيد بالكتاب والسنة أولا، وأن يحفظ القرآن الكريم ثانيا، وأن يحصل على قدر لا بأس به من الأحاديث النبوية ثالثا. إلا أن واقع مشايخ التصوف وواقع مريديهم تاريخيا لا يخبران بأن الشروط المذكورة قبله متوفرة عند كافة الشيوخ والمريدين. فمن الشيوخ من لم يحفظ القرآن، ومن لم يكن لديهم نصيب من العلم بأحاديث المختار، مثلهم مثل مريديهم الأميين الذين يقدرون بالآلاف؟؟؟

إضافة إلى أن الجنيد لم يعقد مع مريديه حلقات للذكر الجماعي؟ ونتحدى علماءنا وكافة مشايخ الطرق عندنا أن يبرهنوا على أن الجنيد كان وراء إحداث مسمى “العمارة” أو “الحضرة”؟

والأدهى والأمر، أن يمثل الجنيد في سند الطرقيين، آخر شيخ من شيوخ السلسلة التي تربطهم برسول الله ص؟ وكأن رسول الله في الحقيقة هو الذي أذن لكل شيوخ الطرق بما يشتغلون به من الأذكار، وبالكيفيات التي ترافق أداءهم لتلك الأذكار.

هذا عن الوجه السني لطريقة الجنيد كما يدعي المدعون. فماذا عن الوجه البدعي لطريقة الجنيد، والذي غابت عن الطرقيين حقيقته، إن لم يكن جل المشايخ يعرفونه ولكنهم يخفونه؟؟؟

1 تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق