خطبة السلطان سليمان بن محمد العلوي في نصرة السنة ومحاربة البدعة



عدد القراءات 1361

خطبة السلطان سليمان بن محمد العلوي في نصرة السنة ومحاربة البدعة

 

هوية بريس – إعداد: عبد الغني بن محمد المؤذن

تقديم

الحمد لله الذي أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، لدعوة الناس إلى توحيد الله رب العالمين، وإنقاذهم من ظلمات الشرك وسبل الشياطين، وصلى الله وسلم على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فمن رحمة الله بعباده أن يمن عليهم في كل زمان بمن ينهج نهج النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى توحيد الله تعالى، والقيام على الحق ونشر السنن، والرد على أهل البدع والتحريف والتأويل والزيغ والضلال، غير أن انتشار الجهل وكثرة أهل الزيغ والضلال قد يحول دون بلوغ الخير إلى جميع الناس، فكلما قام أحد دعاة الحق في مصر من الأمصار اعترضه أنصار الباطل مستدلين عليه بسكوت من كان قبله من العلماء وأهل الفضل، وصوروا لأتباعهم أن هذا الداعية محدث دينًا جديدًا، فيكون نشر ما تقدم من كلام دعاة الحق وأنصار الهدى في الزمان السالف من أعظم ما يُرد به على المغرضين، ويكشف حقائقهم أمام أتباعهم المغترين بهم.

ومما عُنيَ به العلماء والدعاة: الخطبة المباركة لملك المغرب أمير المؤمنين المولى سليمان بن محمد بن عبدالله بن إسماعيل العلوي ~؛ لما اشتملت عليه من النصيحة للمسلمين، وإبعادهم عن سلوك طريق المجرمين الذين يتمتعون بنعم الله ويعبدون غير الله، وسنورد بإذن الله تعالى نص الخطبة؛ ليتضح المنهج الذي كان يسير عليه الملك الصالح في دعوة رعاياه إلى سنة جده المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولم يثنه منصبه عن القيام بأشرف الأعمال، ممتثلا قول الله جل وعلا: «وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ» [فصلت:33].

وقد قدم العلامة محمد تقي الدين الهلالي رحمه الله لهذه الخطبة بمقدمة نفيسة([1]) أبرز فيها أهمية هذه الخطبة في نصرة التوحيد والسنة وتطهير العقول من الشرك والبدع، وتوجيه الناس لاتِّباع الكتاب والسنة.

كما نشرتها الجريدة الأسبوعية “البصائر” وقسمتها إلى جزئين: جزءٍ نشرته في العدد السابع والعشرين، الصفحة الأولى، يوم الجمعة 20 ربيع الثاني 1355ه‍، وجزءٍ في العدد الثامن والعشرين، الصفحة الأولى، يوم الجمعة 27 ربيع الثاني 1355ه‍. مشيرة في ذلك إلى من سبقها في نشر هذه الخطبة، وهي الجريدة الأسبوعية “الشهاب”

وقد صدّرَتْها بمقدمة ماتعة أثنَتْ فيها على صاحب الخطبة ~ وما كان ينعم به من نصرة الحق وأهله والتحذير من الباطل وذم أهله.

وسنخص هذه الورقة العلمية بالتعريف بهذه الخطبة، ونقسم حديثنا إلى أربعة أقسام:

1- التعريف بصاحب الخطبة

2- ثناء العلماء على خطبته

3- نص الخطبة بتمامه

4- فوائد من الخطبة

أولًا: التعريف بصاحب الخطبة؟

هو أبو الربيع سليمان([2]) بن محمد بن عبدالله بن إسماعيل بن الشريف (ولد في 20 محرم 1180ه‍ – وتوفي في 13 ربيع الأول 1238ه‍)، سلطان المغرب الأقصى صاحب المآثر الخالدة التي لا تحصى، كان فقيهًا نبيلًا يجالس العلماء والفقهاء ويحب المساكين والضعفاء ويحوط الشريعة بأقواله ويشير إلى الوقوف عندها بأفعاله، من سلالة الشريف بن علي (العلويين)، ابن السلطان محمد الثالث. حفظ القرآن وجوده، وأتقن رسمه وضبطه على الشيخ المقرئ أبي محمد أجانا، عرف عن المولى سليمان زهده في أمور الدنيا وإكثاره الصوم، وابتعاده عن الإسراف، وكان له اطلاع واسع على الفقه الإسلامي ومصنفاته ودواوينه، وله فيه مساهمات مهمة، تأليفًا، ودراسة، وإفتاء، ومناظرة. وله مؤلفات تدل على تعلقه بالقرآن الكريم وارتباطه به. ومن هذه المؤلفات:

  • رسالة انتقد فيها مواضعَ من وقف الهبطي([3])، وربما كان أميل إلى الوقف السني.
  • رسلة في قوله تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ» [الحج:52]- تعرض فيها لمسألة الغرانيق([4])، وصحح أوهامًا وقع فيها كثير من المفسرين.
  • بحث في آية «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا» [الأحزاب:72].
  • بحث آخر في آية «وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ» [الزخرف:60]، تعرض فيها لمعنى (مِن)، وذكر وجهًا ربما كان أنسب لمعنى الآية أغفله المفسرون، ولم يشر إليه أحد من النحويين.
  • رسالة في آية «وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ» [النساء:157-158]- أطال النفس فيها، وحرر القول في مباحثها.
  • عناية أولي المجد بذكر آل الفاسي ابن الجد.
  • تقييد في حكم الغناء.
  • إمتاع الأسماع بتحرير ما التبس من حكم السماع.
  • أرجوزة ضمنها مشايخَه ورواياتِهِم وأسانيدَهم..
  • وله فهرس جمعه له كاتبه المؤرخ أبو القاسم الزياني سماه “جمهرة التيجان وفهرسة اللؤلؤ والياقوت والمرجان في ذكر الملوك وأشياخ مولانا سليمان”.

ثانيًا: ثناء العلماء على هذه الخطبة:

سبقت الإشارة إلى المقدمة التي وضعها العلامة تقي الدين الهلالي ~ وأثنى فيها على الخطبة وعلى صاحبها، وسنورد أيضًا بعضا ممن أثنى على الخطبة:

قال أبو العباس أحمد بن خالد بن محمد الناصري ~: “ولأجله (يعني منع زيارة العوام لقبور الأولياء سدًّا للذريعة) كتب رسالته المشهورة التي تكلم فيها على حال متفقرة الوقت، وحذر فيها رضي الله عنه من الخروج عن السُّنة والتغالي في البدعة، وبين فيها بعض آداب زيارة الأولياء وحذر من تغالي العوام في ذلك وأغلظ فيها مبالغة في النصح للمسلمين جزاه الله خيرًا”([5]).

ومدحها الفقيه الأديب الأريب الحبيب الرشدي ~ ومدح منشئها بقصيدة غراء من أربعين بيتًا قال فيها:

يا حسنها مـن خطبة أحيـا بها***ما مات من سنن الشيوخ المجـد

وفيها أيضًا:

فيهـا دعـا لله قومـًا أعلنـوا***بالشطح والتصفيق والفعل الـردي

جعلـوا مواسم ما لها في سنـة***أصل بأضرحـة الفحـول الزهـد

رفضوا علوم الشرع إيغالًا كمـا***جلسـوا لتنقيص الشيوخ بمرصـد

فَهُمُو على دين النبي أضر مـن***متبوعهـم والكـل عـاد معتـد

حتى رمـاهـم ربنـا بثواقـب***من عدل سيدنا الهمـام الأوحـد

فأقامـهم – والله راض عنه- فـي***سجـن المهـانة بالمقـام الأبعـد

وقال أبو القاسم الزياني رحمه الله: “الخطبة التي لم يسمع مثلها فيما مضى من العصور، ولا ذكرها ملك ولا عالم مشهور؛ فهي سادسة خطب الخلفاء الأربع، اللواتي انتفع الناس بها أجمع، مع خطبة الإبريز، التي أملاها عمر بن عبدالعزيز ~، فَمن سمع هذه الخطبة وتأملها عَلِم عِلْم اليقين، وتحقق أنها برزت من قلب خالص عارف بما أعده الله في الآخرة للمتقين، وأن ذلك من المواهب الربانية، وفوق المواهب اللدنية، وأن أمير المؤمنين ممن يقال فيه -ويكون القائل قصر عما فيه-: الإمام الذي ضاهت أسرار كلامه كلام الإحياء، وهي قوت القلوب إلى الأموات والأحياء، وحاذى بعبارة (حكم ابن عطاء) (والتنوير) فكان ما فيها من (لطائف المنن) ما هو طبق الحديث والتفسير”([6]).

وها نحن نذكر هذه الخطبة مع الإشارة إلى أهم ما يستفاد منها.

ثالثًا: نَصُّ الخُطْبَة:

(الحمد لله الذي تعبدنا بالسمع والطاعة، وأمرنا بالمحافظة على السنة والجماعة، وحفظ ملة نبيه الكريم، وصفيه الرؤوف الرحيم، من الإضاعة إلى قيام الساعة، وجعل التأسي به انفع الوسائل النافعة.

أحمده حمدًا ينتج اعتماد العبد على ربه وانقطاعه، وأشكره شكرًا يقصر عنه لسان البراعة، وأستمد معونته بلسان المذلة والضراعة، وأصلي على محمد رسوله المخصوص بمقام الشفاعة، على العموم والإشاعة، والرضا عن آله وصحبه الذين اقتدوا بهديه بحسب الاستطاعة.

أما بعد: أيها الناس، شرح الله لقبول النصيحة صدوركم، وأصلح بعنايته أموركم، واستعمل فيما يرضيه آمركم ومأموركم؛ فإن الله قد استرعانا جماعتكم، وأوجب لنا طاعتكم، وحذرنا إضاعتكم، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:59]، سيما فيما أمر الله به ورسوله، أو هو محرم بالكتاب والسنة النبوية، وإجماع الأمة المحمدية.

﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الحج:41].

ولهذا نرثي لغفلتكم! أو عدم إحساسكم! ونغار من استيلاء الشيطان بالبدع على أنواعكم وأجناسكم.

فألقوا لأمر الله آذانكم، وأيقظوا من نوم الغفلة أجفانكم، وطهروا من دنس البدع إيمانكم، وأخلصوا لله إسراركم وإعلانكم، واعلموا أن الله بفضله أوضح لكم طرق السنة لتسلكوها، وصرح بذم اللهو والشهوات لتملكوها، وكلفكم لينظر عملكم، فاسمعوا قوله في ذلك وأطيعوه، واعرفوا فضله عليكم وَعُوه، واتركوا عنكم بدع المواسم التي أنتم بها متلبسون، والبدع التي يزينها أهل الأهواء ويلبسون، وافترَقوا أوزاعًا، وانتزعوا الأديان والأموال انتزاعًا، فيما هو حرام كتابًا وسنةً وإجماعًا، وتسموا فُقَرَا، وأحدثوا في دين الله ما استوجبوا به سقرًا.

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:103-104].

وكل ذلك بدعة شنيعة، وفعلة فظيعة، وسبة وضيعة، وسنة مخالفة لأحكام الشريعة، وتلبيس وضلال، وتدليس شيطاني وخبال زينه الشيطان لأوليائه فوقتوا له أوقاتًا، وأنفقوا في سبيل الطاغوت في ذلك دراهم وأقواتًا، وتصدى له أهل البدع من «عيساوة»([7])  و«جلالة»([8]) وغيرهم من ذوي البدع والضلالة، والحماقة والجهالة، وصاروا يترقبون للهوهم الساعات، وتتزاحم على حبال الشيطان وعصيه منهم الجماعات، وكل ذلك حرام ممنوع، والإنفاق فيه إنفاق في غير مشروع.

فأنشدكم الله عباد الله: هل فعل رسول الله ﷺ لعمه سيد الشهداء موسمًا؟

وهل فعل سيد الأمة أبو بكر لسيد الإرسال ﷺ وعلى جميع الصحابة والآل موسمًا؟

وهل تصدى لذلك أحد من التابعين رضي الله عنهم أجمعين؟

ثُم أنشدكم الله: هل زُخرفت على عهد رسول الله ﷺ المساجد؟

أو زُوقت أضرحة الصحابة والتابعين الأماجد؟

كأني بكم تقولون في نحو هذه المواسم المذكورة وفي زخرفة أضرحة الصالحين، وغير ذلك من أنواع الابتداع: حسبنا الاقتداء والاتباع ﴿إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وإنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:22].

وهذه المقالة قالها الجاحدون! ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون:36]، وقد رد الله مقالتهم، ووبخهم وما أقالهم؛ فالعاقل من اقتدى بآبائه المهتدين، وأهل الصلاح والدين، «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي..»([9]) الحديث.

وبالضرورة أنه لن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها؛ فقد قُبض رسول الله ﷺ وعَقد الدين قد سُجِّل، ووعْدُ الله بإكماله قد عُجِّل، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:03].

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه على منبر رسول الله ﷺ بحضرة الصحابة رضي الله عنهم: «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ سُنَّتْ لَكُمْ السُّنَنُ، وَفُرِضَتْ الْفَرَائِضُ، وَتُرِكْتُمْ عَلَى الجَادَّةِ؛ فَلاَ تَمِيلُوا بِالنَّاسِ يَمِينًا وَشِمَالًا»([10]).

فليس في دين الله ولا فيما شرع نبي الله: أن يتقرب بغناء ولا شطح، والذكر الذي أمر الله به وحث عليه ومدح الذاكرين به، هو على الوجه الذي كان يفعله ﷺ، ولم يكن على طريق الجمع ورفع الأصوات على لسان واحد؛ فهذه طريقة الخلف، فمن قال بغير طريقتهم فلا يُستمع، ومن سلك غير سبيلهم فلا يُتبع؛ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:115]، ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّه عَلَى بَصِيرَة أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّه وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:108].

فما لكم يا عباد الله ولهذه البدع؟!

أَأَمْنًا من مكر الله؟!

أم تلبيسًا على عباد الله!؟

أم منابذةً لمن النواصي بيده؟!

أم غرورًا لمن الرجوع بعدُ إليه؟!

فتوبوا واعتبروا، وغيِّروا المناكر واستغفروا؛ فقد أخذ الله بذنب المترفين مَن دونهم، وعاقب الجمهور لما أغضوا عن المنكر عيونهم، وساءت بالغفلة عن الله عقبى الجميع، ما بين العاصي والمداهن المطيع.

أَفَيُزين لكم الشيطان وكتاب الله بأيديكم؟!

أم كيف يضلكم وسنة نبيكم تناديكم؟!

فتوبوا إلى رب الأرباب، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب، ثم لا تنصرون، ومن أراد منكم التقرب بصدقة، أو وُفق لمعروف أو إطعام أو نفقة، فعلى مَن ذَكر الله في كتابه، ووعدكم فيهم بجزيل ثوابه، كَذوِي الضرورة الغير الخافية، والمرضى الذين لستم بأَولى منهم بالعافية؛ ففي مثل هذا تُسَد الذرائع، وفيه تُمتَثل أوامر الشرائع؛ ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ﴾ [التوبة:60].

ولا يُتقرب على مالك النواصي، بالبدع والمعاصي، بل بما يَتقرب به الأولياء والصالحون، والأتقياء المفلحون: أكل الحلال وقيام الليالي، ومجاهد النفس في حفظ الأحوال، بالأقوال والأفعال، «الْبَطْنُ وَمَا حَوَى، وَالرَّأْسُ وَمَا وَعَى»([11])، وآيات تتلى، وسلوك الطريقة المثلى، وحج وجهاد، ورعاية السنة في المواسم والأعياد، ونصيحة تهتدى، وأمانة تؤدى، وخلق على خُلُقِ القرآن يحدى، وصلاة وصيام، واجتناب مواقع الأثام، وبيع النفس والمال من الله.

﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ الآية. [التوبة:111].

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:153].

الصراط المستقيم: كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، وليس الصراط المستقيم كثرة الرايات، والاجتماع للبيات، وحضور النساء والأحداث، وتغيير الأحكام الشرعية بالبدع والإحداث، والتصفيق والرقص، وغير ذلك من أوصاف الرذائل والنقص.

﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَناً﴾ [فاطر:08].

عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يجاء بالرجل يوم القيامة وبين يديه راية يحملها، وأناس يتبعونها، فيسأل عنهم ويسألون عنه»([12]).

﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ* وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا﴾ [البقرة:166-167].

فيجب على من ولاه الله من أمر المسلمين شيئًا من السلطان والخلائق: أن يمنعوا هؤلاء الطوائف، من الحضور في المساجد وغيرها، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم أو يعينهم على باطلهم؛ فإياكم ثم إياكم والبدع؛ فإنها تترك مراسم الدين خالية خاوية، والسكوت عن المناكر يحيل رياض الشرائع ذابلة ذاوية.

فمن المنقول عن الملل، والمشهور في الأواخر والأول: أن المناكر والبدع إذا فشت في قوم أحاط بهم سوء كسبهم، وأظلم ما بينهم وبين ربهم، وانقطعت عنهم الرحمات، ووقعت فيهم المثُلاث، وشحت السماء وحلت النقماء، وغيض الماء، واستولت الأعداء، وانتشر الداء، وجفت الضروع، ونقعت بركة الزروع؛ لأن سوء الأدب مع الله يفتح أبواب الشدائد، ويسد طرق الفوائد.

والأدب مع الله ثلاثة:

– حفظ الحرمة بالاستسلام والاتباع.

– ورعاية السنة من غير إخلال ولا ابتداع.

– ومراعاتها في الضيق والاتساع.

لا ما يفعله هؤلاء الفقراء، فكل ذلك كذب على الله وافتراء، ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:31].

عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رضي الله عنه قال: «وَعَظَنَا رَسُولُ اللهِ مَوْعِظَةً، ذَرَفَتْ مِنْهَا العُيونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا- أَوْ قَالَ: أَوْصِنَا-؛ فَقَالَ: أُصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، لِمَنْ وَلَّى اللهُ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيّاً؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافاً كَثِيراً، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ»([13]).

وها نحن عباد الله أرشدناكم وأنذرناكم وحذرناكم، فمن ذهب بعد لهذه المواسم، أو أحدث بدعة في شريعة نبيه أبي القاسم، فقد سعى في هلاك نفسه، وجر الوبال عليه وعلى أبناء جنسه، وتله الشيطان للجبين، وخسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين.

﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:63].

 رابعًا: ما يستفاد من الخطبة:

  • وجوب طاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ وطاعة أولي الأمر بالمعروف.
  • التحذير من استيلاء الشيطان على العبد بالبدع التي يزينها أهل الأهواء، ووقتوا لها أوقاتًا، وجعلوا لها أماكن تزار، وتُشد إليها الرحال.
  • لا خير في عبادة لم يفعلها النبي ﷺ، ولا أصحابه رضي الله عنهم من بعده، ولا التابعون لهم بإحسان.
  • لم يمت النبي ﷺ حتى أكمل الله الدين، وأتم النعمة على عباده أجمعين، ورضي الإسلام دينا للعالمين.
  • ليس في دين الله تعالى ولا فيما شرع نبي الله ﷺ أن يتقرب بغناء أو شطح.
  • أمر السلطان سليمان رعيته بتغيير المنكر والرجوع إلى الله تعالى وحذر من الأمن من مكر الله والتلبيس على عباد الله.
  • التمسك بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ.
  • حث من أراد الصدقة والإطعام أن يتحرى أهلها، وألا يغتر بمن يدعي الفقر والدروشة.
  • لا يتقرب العبد إلى الله تعالى بالبدع والمعاصي، بل برعاية السنة والاهتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم سيد الأولياء والصالحين.
  • الصراط المستقيم هو كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس هو الإحداث في الدين والابتداع فيه.
  • يجب على من ولاه الله أمرا من أمور المسلمين أن يمنعوا أهل البدع والمواسم.
  • السكوت عن البدع والمنكرات يذهب برونق الشريعة ويجعلها ذابلة.
  • فشو البدع والمناكر سبب في حجب الرحمات وحلول النقم والعقوبات؛ لأنها سوء أدب مع الله.
  • والأدب مع الله ثلاثة: حفظ الحرمة بالاستسلام والاتباع، ورعاية السنة من غير إخلال ولا ابتداع، ومراعاتها في الضيق والاتساع.
  • التهديد بالعقوبة لمن خالف ما أمر به الله وما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ارتكب ما نهى عنه الله وما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فهذه إطلالة على خطبة العلامة المجاهد السُّلطان مولاي سليمان مَفخرة ملوك المسلمين في المغرب رحمه الله، سُقناها لإبراز شيء مما كان يتمتع به هذا الحاكم الفذّ من غيرة على السنن، وتحذير من البدع، فجزاه الله خيرًا على ما قدم للإسلام والمسلمين، وجعل مثواه في عليِّين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) طبعة مكتبة ومطبعة الساحل – الرباط (المملكة المغربية)

([2]) ينظر في ترجمته: “الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى” للناصري (8/87)، و”شجرة النور الزكية في طبقات المالكية” لمخلوف (ص 545)، و”فهرس الفهارس” لعبدالحي الكتاني (2/981).

([3]) نسبة إلى واضعه: أبي عبدالله محمد بن أبي جمعة الهبطي الصماتي، المتوفى بمدينة فاس سنة (930 ه‍)

([4]) واحد الغَرانِيقُ غُرْنَيْق وغِرْنَيْق وقيل غير ذلك، وهي في الأصل الذكور من طير الماء سمي به لبياضه، وكانوا يزعمون أن الأصنام تقرّبهم من الله عز وجل وتشفع لهم إليه، فشبهت بالطيور التي تعلو وترتفع في السماء. ينظر لسان العرب (10/286).

([5]) “الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى” للناصري (8/123).

([6]) الترجمانة الكبرى في أخبار المعمورة برًّا وبحرا (ص 471).

([7]) عيساوة أو الطريقة العيساوية هي فرقة صوفية مغربية أسسها سيدي محمد بن عيسى المغربي، لها طقوس غريبة منها شطحات الصوفية وينادى فيها على الأولياء وشيوخ الطائفة المتوفين، ويؤخذ ماعز خلال مرحلة من الطقوس ليُقذف في السماء من طرف عيساوة ويتم تفريق أطرافها وهي طائرة ويُراق دمه عن طريق الجر والشد دون سكين ويشرب منه البعض. ولا تزال هذه الظاهرة إلى الوقت الحاضر، والله المستعان

([8]) وهي طريقة صوفية تسمى أيضا القادرية أو الجيلانية نسبة -ظلمًا وزورًا- إلى عبدالقادر الجيلاني رحمه الله.

([9]) متفق عليه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا بلفظ «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». صحيح البخاري (2652)، وصحيح مسلم (2533).

([10]) رواه مالك في الموطأ (1506)، وإسناده صحيح. ينظر تهذيب التهذيب (4/87).

([11]) جزء من حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي ﷺ، وفيه: «ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى». رواه الترمذي في سننه (2458)، وحسنه النووي في “خلاصة الأحكام” (2/894).

([12]) رواه ابن أبي عاصم في سنة (1099)، والطبراني في الكبير (652)، ولا يصح. ينظر “مجمع الزوائد” (9051)، و”ظلال الجنة في تخريج السنة لابن أبي عاصم” للألباني (2/275).

([13]) رواه أبو داود (4609)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (42)، وهو حديث صحيح. ينظر البدر المنير (9/582)، وإرواء الغليل (8/107).

لا يوجد تعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق