دفاعا عن الأستاذة المعتقلة مليكة مزان!!!



عدد القراءات 1868

هوية بريس – د. محمد وراضي

ملف هذه السيدة الأمازيغية المطروح أمام القضاء ثقيل؟ لكن إدخال بعض الاعتبارات عليه، يجعله أخف مما يظنه المتحاملون عليها من أطراف اللعبة السياسية. كانوا من أقحاح العلمانيين؟ أو كانوا من أقحاح السلفيين؟

فما تغافلت عنه كافة الأطراف المساهمة في نحر الأستاذة وسلخها واستخراج أحشائها، تنقصه الموضوعية الكافية لتجنب إطلاق الكلمات النابية المشحونة بالبغضاء. إنها عاهرة؟ وسافلة؟ وفاسدة؟ وجاهلة؟ ومجنونة؟ وما شاءت ألسنة الدعويين على وجه التحديد إرساله من نعوت يمجها الذوق السليم! منظورا إليه من زاوية من أصبحوا يحملون أسماء الشيوخ! وهم عن المشيخة بعيدون بعد السماوات السبع عن الأراضين السبع؟؟؟

نعم، رأينا صورة قدوتها في اعتبار العرب الفاتحين غزاة يهمهم المال والنساء؟ رأينا  صورته وهو يحتسي القهوة في قلب منزلها كزوجين يجمع بينهما عقد عرفي، باركه إله أمازيغي هو “ياكوش” أو “باكوش” على حد سواء!!!

ثم اطلعنا على أطروحة السيدة المعتقلة التي تكن فيها العداء لكل من هو عربي! وفهمنا من هذه الأطروحة ما تحمله من مطابقة بين قناعاتها وبين قناعات من جعلت منه أستاذها وزوجها الذي وافقته في تحويل القناعات الإباحية تحديدا من النظري إلى التطبيقي؟؟؟ بحيث إن مزان تكاملت في القناعات مع من طعن في القادمين من شبه جزيرة العرب،  إضافة إلى اعتبارهم أخطر حتى من الرومان الذين كانوا جاثمين على الأراضي المغربية؟ لولا الفاتحون لظلوا فوقها إلى ما شاء الله؟ ومع ذلك، فتحت دولة المخزن بوابة سمعية بصرية لعصيد حتى يتأتى له تعميق التضليل وتعميمه بتعاون مع ضيوفه مرة! وباستغنائه عن المعية مرة! إنه إذن دون السيدة مليكة مزان التي لا تزال ترفض الاندماج كليا أو جزئيا في جوقة “الأقلية الخادعة”؟ هذه التي كانت تتذرع بالرفض، إلا أن ما يغري قلل من حدة هذا الرفض الذي كانت تتذرع به! مع التنبيه إلى أن التقليل من حدته، قد ينحذر من فرط استمراء العلاوات إلى حد الصفر؟ بحيث إنه ينقلب إلى القبول! مما يعني أن المسافة بين “لا” وبين “نعم” قد تتقلص إلى حد انعدامها بالكلية؟؟؟ دون أن ننسى إرجاع اللقاء الحاصل بين مزان وبين عصيد إلى القدر كما قالت بعظمة لسانها، في إشارة إلى كونها فطرية عن وعي أوعن لا وعي؟

فإن اعتبر عصيد العرب دخلاء محتلين، هدفهم المال والنساء، فلا بد أن نعتبر كلامه تحريضا للأمازيغ على كل من هو عربي؟؟؟ وقراءة كقراءتنا لما ادعاه، تفرض على الدولة التي على رأسها أمير المؤمنين تأديبه؟ خاصة وأن ما أجمله قامت مزان ببيانه! فكان من الضروري أن يربط الأمنيون بين ما أجمله عصيد وما فصلته تلميذته ومعشوقته؟ لكن عصيد لم يغضب عليه؟ لأنه قبل المراجعة التي هيأها له من دجنوه واستقبلوه صوريا لخدمة ما يتطلعون إلى ما عليه أداؤه من وظائف، أبرزها تفرغه لمهاجمة الإسلام والإسلاميين؟؟؟ بل وأكثر من هذه الشروح، وجدناه في طليعة من يزعمون بأن الله ظالم جاهل؟؟؟ ظالم لأنه فضل الرجل على المرأة في الإرث؟ وجاهل لأنه لا يعرف حقيقة الوضعية المادية للطرفين كليهما؟؟؟

ومغربنا الذي شهد ويشهد مراجعات أطراف عدة، يقدم عليها المعدودون من أقصى اليسار ومن أقصى اليمين، لا يوفر مناخا سياسيا صحيحا ملائما لإنزال العقوبة على تلميذة أستاذ لا يتردد في مهاجمته للدين جملة وتفصيلا؟؟؟ لكنه يوفر المناخ الذي حول الأستاذ إلى خادم مطيع للمخزن العميق بطريقة لا يفهمها إلا هذا المخزن وحده دون غيره؟؟؟

منذ أزيد من عامين، استضاف عصيد الذي يجهل منهج التاريخ كعلم موضوعه الأحداث الإنسانية في الماضي. استضاف أستاذا مؤرخا (= مدرس لمادة التاريخ) أمازيغيا رفيقا لي في الدراسة. ودار الحديث بينهما حول مسمى سبعة رجال رجراجة (وهم أمازيغيون). فكان أن اتضح لي -وأنا أتابع الحوار- أن السائل والمسؤول كليهما يخربطان بجهلهما للنقد الخارجي والداخلي للأحداث الماضية؟ مما يعني أنهما يبالغان في تضليل المشاهدين بخصوص ما أصبح حدثا تاريخيا مفبركا بامتياز!!! وراءه الادعاء بأن المغرب كالمشرق يتوفر على صحابة أجلاء! حتى قبل الفتح الإسلامي للشمال الإفريقي؟ ودور أولئك الصحابة الأمازيغ هو نشر الإسلام عبر المغرب بكامله! مما يفيد بأن المغرب لم يكن في حاجة إلى فاتحين! مع العلم بأن عقبة بن نافع وقف في فتوحاته على المحيط الأطلسي قرب آسفي! دون أن ينتهي إلى علمنا بأن رجراجة الصحابة رحبوا به وأكرموه وعززوه؟؟؟

فصح أن رجال رجراجة السبعة الأمازيغ؟ كرجال مراكش السبعة  العرب؟ مجرد خرافتين، لهما نظيرتهما في سبعة رجال فاس؟ وسبعة رجال تلمسان؟ وسبعة رجال بني عروس؟ (يراجع كتابنا: عرقلة الفكر الظلامي الديني للنهضة المغربية). ثم صح أن عصيد المدجن وضيفه الفقير إلى النقدين التاريخيين المشار إليهما، لم يسعه سوى الدخول عبر بوابة القناة التلفزية الرسمية لتأييد القناعات التي لم تتأخر الدولة في دعمها، من باب خدمة الدين المزيف الذي لا تريد بكل إصرار من وزير الأوقاف، وبكل إصرار من رجال المجلس العلمي الأعلى، إلا الدفاع عنه! مع التأكيد على أن سبعة رجال شياظمة كسبعة رجال مراكش مصنوعون عن قصد لغاية لا يعرفها إلا من قاموا بصنعهم على عهد الدولة العلوية!!!

إن الواقع السياسي إذن لا ينبغي أن يغيب عن محاكمة السيدة مليكة مزان التي هي نتاج لدولة لا هوية إسلامية لها كما يدعي الرسميون؟؟؟ فقد أعلن تخليها عن النظام الإسلامي منذ تولي عبد العزيز العلوي برعاية من الوزير با حماد مقاليد الحكم!!! ثم لاحقا بدأ المغرب الرسمي ينزع عنه ما تبقى من أردية النظام الإسلامي؟؟؟ فكان أن أدرك نظامنا العلماني ذروته حين سمح باعتبار رسول الله مجرد مخبول مصاب بالصرع (أنظر مجلة الزمان المغربي مطلع الثمانينيات من القرن الماضي)!!! وحين سمح باعتبار رسول الله دكتاتورا نظير القياصرة والفراعنة والأكاسرة!!! على لسان عصيد عاشق الأستاذة مزان المهددة بحكم لا ندرك قبل النطق به مضمونه.

إن هذه المعتقلة التي لم يصدر الحكم بعد بخصوصها حتى الآن، لم تصل ولا إلى قلامة ظفر أستاذها من حيث طعنه في الدين وفي العرب؟ فكان أن كوفئ على أفاعيله النكراء؟ فصح أن ما كوفئ به أشبه إلى حد ما بما كوفئ به من يعرفون بمشايخ السلفية؟ والحال أن هؤلاء الذين يحفظون النصوص النقلية، ولكنهم في الوقت ذاته يجهلون ما تعنيه قدسية الواقع السياسي الذي لا ينبغي أن يتعرض لأي تغيير بتنزيل ما يحفظونه من نصوص نقلية؟؟؟ إذ كل محاولة لتغييره مآلها الفشل الذريع باعتماد وسائل غير ملائمة لتغييره؟ إذ لو فهموا معطيات هذا الواقع وأبعاده لما وصفوا الأستاذة مليكة مزان بأبشع الصفات؟ وعندي أن لجوءهم إلى التهجم عليها بوصفها مرة بالعاهرة؟ ومرة بالمجنونة إلى آخره؟ أبعدهم عن اعتبار أنفسهم، وعن اعتبار غيرهم لهم، سلفيين دعاة مخلصين؟ والحال أن رسول الله كقدوة لكل مؤمن ولكل داعية على قدر كبير من الوعي بالدين الحق، كان رؤوفا رحيما -وهو يدعو إلى الله على بصيرة- مبشرا هاديا، وسيلته في الدعوة يتقدمها اللين والطراوة لا القسوة والجفاء!

فأن يعارض أحدهم أو يرفض، انتصارا منه للعدل والمساواة -إن هو تراجع- بحيث إنه قبل ما كان يرفضه، فانتصر للظلم، وساند خصوم الحرية، لكونه تمكن من تحسين وضعه المادي، فلأنه كان يتظاهر بما يروج له من أفكار لهدف واحد هو ضمان مداخيل قارة مغرية! وليعم بعده الطوفان؟؟؟

لقد ملأ الفيزازي الدنيا وشغل الناس. وذاق مرارة الاعتقال والسجن. ولما صلى بأمير المؤمنين، وانتفع بأكثر مما ينتفع به أي مساهم في الدروس الرمضانية الرسمية، أصبح في الصفوف مع علماء السلطان، بالرغم من بعض الفلتات التي تصدر عنه من حين إلى آخر، ليقول لمتتبعي تحركاته: إنه لا يزال شيخا مهموما بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ مثله في الاستفادة من المراجعة مثل اليساريين الذين اصطفوا جنبا إلى جنب، في إطار “الأقلية الخادعة”، لتشكيل قوة حامية ومدافعة عن الفكر الظلامي الديني من جهة، وعن الفكر الظلامي السلطوي والسياسي من جهة ثانية. فإن باع المشايخ المتراجعين دينهم بدنيا الحكام، كما باع المعارضون اليساريون قناعاتهم الأساسية بنفس العملة الصعبة! فلا مجال للحديث عن مشايخ يتحركون، وعن أحزاب تتحرك لأجل المصالح الحقيقية للأمة؟؟؟ فصح الحديث عن موت المشايخ والأحزاب، أو على الأقل، عن دخول هؤلاء وأولئك في مرحلة الاحتضار الأخيرة.

مع استحضار ممارسات كل من أدوا القسم أمام ملك البلاد كي يكونوا مخلصين للدين وله وللوطن! هذه الممارسات هي التي رسخت الأجواء التي ولد فيها عصيد ومزان ونظرائهما عبر التراب الوطني؟؟؟ فالمقسمون على أرض الواقع مفترون؟ وإن انتابتكم لحظة واحدة من الشك، فقفوا عند ممارسات وزير الأوقاف؟ ووزير الداخلية؟ ووزير الإعلام والاتصال؟ يكفي حملنا حملا على مشاهدة أضرحة يقبلها زوار آثمون ظلاميون محفوفون برعاية الدولة التي لا ترى فيما تقدمه مختلف قنواتها الأرضية والفضائية إلا ما يعتبر في نظر ممثليها إسلاما حقيقيا كما أنزل؟؟؟

لكن بعض المشايخ -وإن أدركوا هذا الواقع- نراهم يستفيدون من إكراميات، مقابل تحويل بوصلاتهم في اتجاه التهجم على المنتوج البشري الذي أفرزته الوضعية الدينية المشينة المهيمنة على أرض الواقع؟؟؟ إنما هل يقدم الواقع الديني والواقع السياسي والاجتماعي، والاقتصادي، والمالي ، والأخلاقي، ما يؤيد كون المقسمين بالله وفوا فعلا بما أقسموا عليه؟ وإذا صح أنهم لم يوفوا بإخلاصهم للدين وللملك وللوطن فهذا يعني أنهم كذابون؟

إن السياق الذي تجري فيه محاكمة الأستاذة مزان، يستدعي التمييز بين ما هو ديني وبين ما هو سياسي. فما هو سياسي هو الذي يلزم أن تحاكم عليه. أما ما هو ديني فيشترك في الإساءة  إليه كل من يصفون الدين بالفكر الظلامي. في حين أن ما صدر عن الأستاذة مزان، إنما هو من انفعال مصدره  شدة الغضب الناجم عن تصرفات حكام الوقت على اعتبار أنهم -في نظرها- عرب لا أمازيغ؟؟؟ أيد الواقع وجهة نظرها أو لم يؤيدها؟ فلتحكم المحكمة إذن عليها بناء على ما قدمناه من شروح لواقع يحمل الأفراد والجماعات على التبرم مما يجري، باعتماد عبارات قد تكون جارحة عن قصد، وربما عن غير قصد؟؟؟ وللقضاء أن يقول كلمة تتماشى مع ما كان على المشايخ والدعاة أن يفقهوه وهم يدعون إلى الله ويستنكرون المناكر، ويعملون لغاية تعميم المحبة والخير والأخوة والمساواة، والإحسان والعفو أو الصفح!!!

1 تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق