دونية المرأة عند الفلاسفة بين التاريخ والواقع



عدد القراءات 842

دونية المرأة عند الفلاسفة بين التاريخ والواقع

هوية بريس – عبد الله الشتوي

على عكس الشعارات المرفوعة دفاعا عن المرأة وتحريرها، فإن الواقع يخفي كثيرا من التحيز ضد المرأة حتى في المجتمعات التي تعرف نسبا كبيرة من العلمانية أو اللادينية، الكلام هنا ليس عن واقع الحياة عموما وما تعانيه المرأة تحت ضغط الواقع في خروجها للأماكن العامة وفي المواصلات وأماكن العمل، فهذه أمور تتعلق بالمستوى الأخلاقي للمجتمعات وما ينتشر فيه من ظواهر سلبية، بل الحديث هنا عن أوساط نُخبوية يفترض أنها تلتزم العلمانية وتتبنى تحرير المرأة من قيود الأديان.
وسنتطرق في هذا المقال لواقع المرأة الغربية في الأوساط الأكاديمية الفلسفية اليوم، وقبل ذلك في تاريخها مع الفلسفة.
وفي المقال الموالي -بحول الله- سنسلط الضوء على مكانة المرأة وسط نخبة الإلحاد الجديد.

1)- موجز عن تاريخ المرأة عند الفلاسفة:
هيمن الرجال على تاريخ الفلسفة وإليهم نسبت أكثر المذاهب الفلسفية وأقواها تأثيرا على الفكر البشري، ومع وجود فيلسوفات منذ العصور اليونانية القديمة (هيبارشيا، أسباسيا، كاترين…) إلا أن الهيمنة كانت كاسحة للرجال، وانضاف إلى ذلك الإقصاء المتعمد من طرف الفلاسفة والمؤرخين للنشاط الفلسفي النسوي.
وانعكس هذا التحيز على موقف الفلاسفة من المرأة والذي جاء في عمومه سلبيا يكرّس دونية المرأة،
ففي العهد اليوناني كانت آراء أرسطو تقرر أن المرأة لا تصلح إلا للإنجاب وأنها لا يمكن أن تمارس الفضائل الأخلاقية مثل الرجل، فهي مجرد مخلوق مشوه أنتجته الطبيعة، أما أفلاطون فيرى المرأة أدنى من الرجل من حيث العقل والفضيلة، فكان يأسف لأنه ابن امرأة ويزدري أمه لأنها أنثى!
أما سقراط فكان يرى أن المرأة مثل الشجرة المسمومة التي يكون ظاهرها جميلا لكن الطيور تموت عندما تأكل منها.
وبعد العصر اليوناني لم يختلف الأمر كثيرا بل استمرت النظرة الدونية في كتابات الفلاسفة، فمع فلاسفة الأنوار يرى جون جاك روسو أن المرأة لم تخلق لا للعلم ولا للحكمة، وإنما لإشباع غرائز الرجل وإقناعه بحسنها وجمالها.
ويرى إيمانويل كانط أن عقل المرأة لا يرقى إلى عقل الرجل، ونجد نيتشه يرى أن المرأة لا تزال في أفضل الأحوال حيوانا كالقطط والكلاب والأبقار وأنها تتآمر مع كل أشكال الانحلال ضد الرجال.
أما فيلسوف الشؤم شوبنهاور فقد جاءت فلسلفته مترجمة لحياة البؤس التي عاشها، فقد بقي معاديا للمرأة بسبب موقفه من فجور والدته، وكان يرى أن المرأة ليست سوى حيوان بشعر طويل وعقل قصير!
ومع ظهور نظريات علمية جديدة مثل الداروينية ازداد النظرة الدونية للمرأة باعتبارها جنسا في مرتبة أدنى من سلم التطور!
وينقل لنا الفرنسي كوستاف لوبون موقف المجتمع العلمي في عصره بعبارات موغلة في الانحطاط : (في أكثر العرقيات الذكية -كما في الباريسيين- هناك عدد كبير من النساء اللواتي حجم أدمغتهن أقرب إلى الغوريلات من الرجال الأكثر تطورا، وهذه دونية واضحة جدا، كل علماء النفس الذين درسوا ذكاء النساء يدركون اليوم أنهن يمثلن الاشكال الأكثر تدنيا من تطور الانسان وأنهن أقرب للأطفال والسذج منهن للرجال البالغين المتحضرين، لا شك هناك نساء متميزات أرقى بكثير من الرجل المتوسط، لكنهن استثناء، كولادة أي مخلوق مشوه على سبيل المثال : غوريلا برأسين وبالتالي فيمكننا أن نهمل وجود هؤلاء النساء تماما)[1].
أما جون لوك فقد اتجهت فلسفته الاقتصادية إلى إقصاء المرأة عن الحياة الاقتصادية ولم ترفع قيمة المرأة عن مستوى الممتلكات.
ودون الحاجة إلى سرد تفاصيل الحط من كرامة المرأة فإن الأمر لم يختلف كثيرا عند هيجل وهيوم وفرويد وديكارت وهوبز وغيرهم من كبار عقول الفلسفة الغربية.
وهكذا كانت الصورة السوداء للمرأة على طول تاريخ الفلاسفة، ثم انعكست هذه التصورات على واقع المرأة داخل مجتمع الفلاسفة إلى اليوم، وفيما يلي وجه من أوجه التحيز ضد المرأة في مجتمع الفكر والفلسفة.

2)- المرأة في المجتمع الفلسفي المعاصر:
في القرن الواحد والعشرين وإلى حدود سنة 2007 لم تتجاوز نسبة المقالات الفلسفية المنشورة من قبل النساء 12 في المئة[2]! ويقول استاذ علم الاجتماع (Kieran Healy)[3] أن النساء المشاركات في أربع مجلات علمية مشهورة لا يمثلن سوى 3.6 في المئة!
كما أن النساء في المملكة المتحدة مثلا يشكِّلن أقل من ربع أساتذة الفلسفة في الجامعات وفي الجامعات الأمريكية ينخفض العدد إلى 17 في المئة فقط.
هذه الأرقام[4] تختصر موقف الفلاسفة مع المرأة خلافا لمجالات علمية أخرى كالتاريخ أو الطب…
فهل هناك إقصاء للمرأة اليوم في عالم الفلسفة؟
يرى المدير التنفيذي للجمعية الأمريكية الفلسفية ديفيد شريدر (David Schrader) أن سبب ضعف تمثيلية المرأة اليوم في المجال الأكاديمي الفلسفي هو وجود جيوب مقاومة ضد المرأة بسبب النظرة الفلسفية التاريخية للمرأة وبسبب توجس الكثيرين من تصاعد الفلسفة النسوية الراديكالية.
وقد أعلنت الجمعية الكندية الفلسفية[5] سنة 1992 أن هناك تحيزا ضد المرأة في المجال الأكاديمي الفلسفي وأصدرت توصيات بأن تشغل النساء نصف المناصب المقترحة في مجال البحث والادارة.

ما هي أسباب هذا التحيز؟

أ- النظرة الدونية للمرأة:
رغم التطور الحاصل في مختلف العلوم فإن الفلسفة كانت أقل العلوم تأثرا بالتغيرات داخل المجتمع وحافظت على طابعها الذي يحتكم للعقل ولا يميز بين الذكور والإناث لكنه في نفس الوقت يستبطن النظرة الفلسفية التاريخية نحو المرأة، مما جعله وسطا يظهر فيه التمييز ضد المرأة أكثر من غيره.
تقول الفيلسوفة الأمريكية سالي هاسلنجر[6] (Sally Haslanger) أنه يصعب على المرأة أن تجد موطئ قدم داخل وسط فلسفي معاد للمرأة والأقليات.
ويقول أستاذ الفلسفة إيريك شلينسر[7] (Eric Schliesser) في جامعة Ghent: (أن النمط المنهجي لاستبعاد المرأة يرجع جزئيا إلى أن هذه المهنة سمحت بثقافة التحرش والتسلط ليتم استنساخها من جيل إلى جيل)

ب- التحرش والمضايقات:

رغم أن المرأة قد التحقت بالجامعات الغربية منذ القرن التاسع عشر، وازدادت أعداد الملتحقات بعد الحربين العالميتين لأسباب ديموغرافية، فإن وضع المرأة في الفلسفة يبقى أضعف بكثير مقارنة بغيره من التخصصات العلمية، بل ظهرت في المجتمع الغربي ظاهرة التحرش والمضايقة تجاه المرأة في الوسط الأكاديمي خاصة في تخصص الفلسفة[8].
ومن أجل القضاء على التحرش الجنسي بين الفلاسفة شكلت الجمعية الفلسفية الأمريكية لجنة التحرش الجنسي والتي أصدرت سنة 1993 توصيات تهدف إلى الحد من هذه الظاهرة وتشجع المتضررات على تقديم الشكاوى إلى لجنة الدفاع عن الحقوق المهنية للفلاسفة.
ورغم ذلك فالنقاش لا يزال حادا حول هذه الظاهرة التي تدفع كثيرا من النساء إلى ترك دراسة الفلسفة، يقول أستاذ الفلسفة (Jennifer Saul) في جامعة شيفيلد: ”إن النساء يتركن الفلسفة بعد تعرضهن للتحرش أو الاعتداء أو الانتقام منهن[9]“.
هذا التمييز الممنهج –حسب بعض المتابعين- دفع بكثير من النسويات إلى التمركز بعيدا عن الفلسفة والحركات النسوية التقليدية في اتجاه إنشاء تيار نسوي راديكالي يغالي في تقديس المرأة ويرفعها إلى درجة الآلهة ! لتتحول بعض الحركات النسوية إلى حركات روحانية تتمركز حول الانثى: ”الوثنية النسوية” ويظهر بذلك ”علم اللاهوت النسوي” في الفكر المعاصر!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]: من مقال ستيفن جاي جولد (أدمغة المرأة) ، أستاذ الجيولوجيا وتاريخ العلوم بجامعة هارفورد.

[2]: https://www.insidehighered.com/news/2007/09/10/philos

[3]: أستاذ علم الاجتماع (ايرلاندي) بجامعة ديوك Duke، وعضو في معهد كينان للأخلاقيات.

[4]: انظر مزيدا من الاحصائيات في هذا البحث ل Scott Jaschik : https://www.insidehighered.com/news/2007/09/10/philos

[5]: جمعية كندية تأسست سنة 1958 وتضم أكاديميين وفلاسفة كنديين، ومقرها حاليا في جامعة سانت بول.

[6]: فيلسوفة أمريكية تولت التدريس في عدد من الجامعات الأمريكية وعضو بالجمعية الفلسفية الأمريكية.

[7]: أستاذ وباحث في العلوم السياسية والفلسفية ومحاضر بعدد من الجامعات، ونشرت له أبحاث معمقة عن فلسفات سبينوزا وهيوم وبيركلي وغيرهم.

[8]: انظر مزيدا من التفاصيل على مقال لجريدة الغارديان البريطانية : https://www.theguardian.com/higher-education-network/2015/jan/05/philosophy-is-for-posh-white-boys-with-trust-funds-why-are-there-so-few-women

[9]: https://www.theguardian.com/higher-education-network/2015/jan/05/philosophy-is-for-posh-white-boys-with-trust-funds-why-are-there-so-few-women

(المصدر: موقع يقين).

1 تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق