د. البشير عصام المراكشي: من جنى اليراع.. عندما انقطعت الكهرباء..



عدد القراءات 1708

درس 04 || مقدمات في العقيدة والفقه || شرح الرسالة لابن أبي زيد القيرواني

هوية بريس – د. البشير عصام المراكشي

الحديث السابع #من_جنى_اليراععندما انقطعت الكهرباء..
من ذكرياتي مع الإدارة المغربية، والتي تركت عندي ذكرى ملهمة إلى حد كبير، أنني منذ سنوات بعيدة ذهبت لأداء فاتورة الماء والكهرباء في إحدى الوكالات بمدينة الرباط. حين دخلت، وجدت موظفا وراء الشباك، لا يكاد يظهر منه سوى قنّة رأسه، وقد تجمع عليه خلق من الناس، يلوّحون بفواتيرهم، ويتدافعون ليصلوا إلى أداء غرضهم قبل غيرهم, كأنهم نحل متجمع على خليته!
ما الذي يمكن للعاقل المتحضر أن يفعل في مثل هذه الحالة: يدافع بمنكبيه لينال مراده، أم يحاول المرور من غير هذا الشباك بواسطةٍ أو مال، أو يرجع إلى بيته بخفي حنين مع احتمال قطع الخدمة عنه؟
أترك الجواب لكم..
مرت أشهر قليلة، غِبتُ خلالها عن التعامل مع هذا الموضوع، ثم رجعت إلى الوكالة نفسها، فإذا بي أجد النحل قد تشتت شذر مذر، وإذا بهم جالسين على الكراسي ينتظرون دورهم، وفي أيديهم ورقة صغيرة تحمل رقما تسلسليا، قد استلمه كل واحد من آلة مُعدَّة لهذا الاستعمال.
ليت شعري: هل هذه أوراق سحرية، أم أن طبيعة الشعب المغربي “الفوضوي” قد تغيرت في هذه المدة القصيرة؟

كان أحد أصدقائي في بعض حواراتنا يقول لي: “في “جيناتنا” معشرَ العرب توجد أمور لا يمكننا الانفكاك عنها”؛ ثم يذكر مجموعة من العيوب والنقائص. وكنت أتأمل هذه الأمور، فأجد الرجل جمع فيها عيوبه هو! فكنت أقول له: “لقد اخترتَ السهل الذي لا يكلفك شيئا، حين نسبتَ عيوبك للمورّثات الجينية، بدلا من أن تنسبها لنفسك فتسعى لإصلاحها”.
وقد رأيت هذا النموذج يتكرر كثيرا عند غير هذا الصديق، فتجده ينسب إلى شعبه كل نقيصة (نحن المغاربة نفعل، نحن العرب نترك..) وينسب إلى بعض الشعوب الأخرى كل فضيلة – بحق أحيانا، وبتهويل أو تزوير أحيانا كثيرة.
وأنا لا أؤمن -ولم أؤمن قط- بأن الشعوب تحمل في “مورّثاتها العِرقية” ما يجعلها أقل تحضرا، أو احتراما لقواعد التمدن، من الشعوب الأخرى؛ بل قابلية التحضر موجودة عند الجميع، ظهرت أو لم تظهر.
وما يزيدني تأمل التاريخ، وتدبر الحاضر، إلا اقتناعا بهذا الرأي!
هذه الشعوب التي يمدحها الناس عندنا بكل منقبة حضارية، هل تستحق ذلك المدح المطلق عن كل قيد؟
تعالوا نُلقِ نظرةً سريعة على ماضي هذه الشعوب أو على حاضرها، أو عليهما معا، لنجيب على هذا السؤال..
اليابانيون الذين صار يضرب بهم المثل في التحضر، إلى درجة عدّهم من “كوكب آخر”، فعلوا في تاريخهم القريب من المخازي والفظائع ما يندى له جبين البشرية، وتأبى البهائم أن تقترف عشر معشاره (مذبحة نان كينغ في الصين عام 1937 نموذجا). وإلى الآن لا يزال المجتمع الياباني طافحا بألوان من الرذائل الأخلاقية.
والسكندنافيون الذين يُعدّون اليوم قدوةً لكثير من الناس في مجال التَّمَدْيُنِ، ينحدرون من نسل شعب جرماني (الفيكنج) كان يملأ شمال أوروبا بوحشيته وتخلفه، في الوقت الذي كان المسلمون في جنوبها (الأندلس) يضعون أسس حضارة شهد التاريخ بعراقتها وتميزها..
والأوروبيون عموما الذين هم اليوم المثل الأعلى لبعض قومِنا، عرف تاريخُهم من الجرائم والوحشية والانحطاط الأخلاقي ما لا يمكن أن يجتمع مع “تميز عِرقي” مزعوم (مذابح الإسبان في أمريكا الجنوبية نموذجا).
وماذا أقول عن الأمريكان؟!
الأمر أطول من أن أحيط به في هذه العجالة. ولكنني أقترح هنا مثالا صغيرا يُناسب زمنَ كتابة هذا المقال (آخر شهر نونبر)، وهو ما يسمونه “الجمعة السوداء – Black Friday”. وأحيل كلَّ مَن يتحدث عن “جشع” المغاربة أو العرب، وتهافتِهم على المجّاني أو رخيصِ الثمن، وتدافعِهم العنيف من أجل ذلك (كما في #فاجعة_الصويرة )، على التاريخ الأسود “للجمعة السوداء” (آخر إحصاء: 10 قتلى و105 من الجرحى في السنوات العشر الأخيرة!). لكن جشعهم مع الثراءِ وفي أغنى دول العالم، و”جشعنا” مع الفقر وفي دول تسمّى -من باب التفاؤل- “نامية”.

القضية إذن ليست مرتبطة بالأعراق والأجناس، ولكن السلوك الحضاري يُكتسب عند الشعوب كلها بقوة القانون الملزم أولا، ثم تأتي بعده دعوات التوعية وحملات التحسيس والإرشاد (مثال عملي: حزام السلامة للسائقين في المغرب، بعد أن فُرض بقوة القانون وطُبقت العقوبات الزجرية عليه، مقارنةً بما كان الأمر عليه من قبل على الرغم من الحملات الإعلامية).
وحين نتحدث عن القانون الملزِم، فنقصد به: القانون العادل المطبَّق فعلا، وليس القانون الذي تسوّد به الأوراق، ويتباهى بحفظه المحامون والقضاة، ويُستدعى عند الحاجة فقط، ويطبَّق بسرعتين مختلفتين بحسب معايير المال والجاه والسلطة.
ولأننا بدأنا بالكهرباء، فلنختم بها أيضا..
حين انقطعت الكهرباء عن مدينة نيويورك في يوليوز 1977م، انطلقت موجة عاتية من الشغب والنهب تحت جنح الظلام، تعرضت فيها مئات المحلات التجارية للسرقة، وأضرمت مئات الحرائق، واعتُقل بعد ذلك الآلاف!
انقطاعُ الكهرباء يعني انقطاع الرقابة..
وذلك يعني القدرة على خرق القانون الملزِم، الذي تفرضه المؤسسة الأمنية والقضائية على عموم المواطنين.
فقط لا غير..
ومِنْ فَهْمِ هذا المعنى تكونُ نقطة البدء حقا..

1 تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق