د. البشير عصام المراكشي: من جنى اليراع.. مفكرون وثوار..



عدد القراءات 1697

د. البشير عصام المراكشي: من جنى اليراع.. مفكرون وثوار..

هوية بريس – د. البشير عصام المراكشي

الحديث الخامس #من_جنى_اليراع : مفكرون وثوار ..
يقع لي أن أتأمل الصراع الطريف/المخيف بين الدكتاتور المراهق “كيم جونغ أون” والأحمق المطاع “دونالد ترامب”، فتتملكني الحسرة أن يكون مصير خلق من الناس بين أيدي أمثال هؤلاء المغامرين الجهلة، بدلا من أن تكون بين أيدي أهل الفكر والتروي والحكمة.
وأسأل نفسي: هل عدِمت أمريكا رجلا عاقلا حكيما تضعه على رأس جهازها التنفيذي؟
بل أسأل سؤالا أعم حين أرى أحوال أغلب حكام بلاد العالم اليوم: هل عقمت أرحام نساء العالم في عصرنا، فعدِمت الإنسانيةُ مَن يقودها من أهل العلم والفكر؟
ثم -كعادتي في البحث لأسئلة الحاضر عن أجوبة من الماضي- ألقيت نظرة شمولية عجلى على التاريخ، فهالني الجواب الذي وجدته ..

إذا استثنينا زمن الأنبياء، ومن سار على نهجهم من أهل العلم والصلاح، فإننا نجد الغالب الأعم أن قادة التقلبات السياسية الكبرى هم من المغامرين، الفاشلين في المجال الفكري، والناجحين في ميدان الحركة والعمل – وهو ميدان يتخلى أصحابه كثيرا عن دثار الأخلاق ولبوس القيم، ولا يعتدّون بغير قيمة المكيافيلية.
خذ مثلا: قادة الثورة الفرنسية، التي هي الحدث المؤسّس للأزمنة الديمقراطية الحديثة في الغرب:
كان روبسبيير (Robespierre) مغرورا، يظن نفسه قرين روسو، لكنه كان -قبل الثورة- متقلبا في مبادئه، وفاشلا في الأدب وفي الحياة عموما؛ ولولا الثورة لأمضى حياته محاميا مجهولا..
وكان ميرابو (Mirabeau) فاسقا إلى أحطّ ما يكون عليه الفسق والفجور، ساقطا من الناحية الأخلاقية إلى أبعد ما يكون عليه السقوط، ثم كانت الثورة فكان من رؤوسها..
وكان (Marat) لصا دخل السجن وهرب منه -أو على الأقل هذا ما اتهم به في قصة مشهورة-، وخاض غمار الكتابة والعمل الفكري فلم يفلح، لكن حين قامت الثورة كان في الصف الأول، واشتهر بطلبه “مائة ألف رأس” من رؤوس خصوم الثورة، لكي يشلّ الرعبُ الأعداء..
وكان سان جوست (Saint-Just) نصابا محترفا، وكغيره من قادة الثورة، كان ممن حاول دخول عالم الفكر والإبداع الأدبي والتأليف ففشل فشلا ذريعا، لكن لم يمنعه ذلك من أن يكون المنظّر الأكبر لمرحلة الرعب خلال الثورة، قبل أن يسقط بدوره في طاحونتها..
وقُل الشيء نفسه -وأنت مطمئن- عن سائر قادة الثورة الفرنسية..
ولم تكن الثورة البلشفية -التي أقامت نظاما عالميا هيمن على نصف الكرة الأرضية خلال القرن العشرين- أفضل حالا، فلتراجع تراجم لينين وستالين وأضرابهما ..
وهل كان هتلر -الذي سيطر على أوروبا، وقلب العالم كله- في بدء أمره إلا رساما فاشلا، ورجلا محدود الثقافة، ضحل الفكر؟!
وفي العالم الإسلامي أيضا: كثير من مؤسسي الدول أو من موطدي دعائمها، لم يكونوا من العلماء الجهابذة، بل كانوا من هواة المغامرة، ومحبي الحركة التي لا تعترف بقيود الحكمة والتعقل؛ واعتبر في هذا بتراجم مؤسسي أكثر الدول الإسلامية، تجد الغالب ما ذكرته لك..
فهل معنى ذلك أن المكتوب على أهل الفكر والعلم في كل زمن أن يكونوا تحت سطوة المغامرين الجهلة، وألا يكون لهم أدنى دور في تحريك عجلة التاريخ؟

بلى..
دور العلماء والمفكرين هو الشيء الذي اشتق اسمهم منه، ولا يُعرفون إلا به، ولا يَقدر أحد أن يحُل محلهم فيه، أعني: العلم والفكر..
نعم، ولا شيء غير العلم والفكر..
ودورهم في ذلك عظيم جدا.. ومؤثر جدا.. علمه من علمه، وجهله من جهله..
فإن جميع الأحداث التاريخية العظمى تندرج في إطار فكري، يحدد معالمها، ويسطر الغايات التي ينبغي أن تسعى إليها، بل قد يقترح أنجع الوسائل للوصول إليها أيضا (كما نجد مثلا التنظير للثورة والعنف الثوري في كلام ماركس، عقودا قبل التطبيق البلشفي)!
فقبل الثورة الفرنسية كان فلاسفة الأنوار..
وقبل الثورة البلشفية كان ماركس وإنجلز..
ووراء هتلر كان روزنبرغ وهايدجر، وربما نيتشه أيضا..
(وهذا دون أن نصل إلى تبني ما يسميه هيجل “حيلة العقل La ruse de la raison”، ويعني به أن العقل يؤثر في التاريخ بطريق الحيلة: حين يتبع الفرد شهواته ظانا أنه لا يعمل إلا لمصلحته الشخصية، فإنه -دون وعي- يعمل في إطار عمل أَسمى، هو الطريق الذي يرسمه زعماء الفكر الكبار.. يراجَع لذلك كتاب هيجل “La raison dans l’histoire”).
نعم، قد يسبقُ العمل حينا ويبقى التأصيل الفكري متأخرا، كما قد يسبق الفكر حينا آخر ويبقى العمل متأخرا.. ولكن في آخر المطاف، لا بد من أن يكون للعمل فكر يؤسسه ويؤطره ويهذبه ويقومه..

إن الذي يطلب من أهل الفكر أن يتركوا ثغور الفكر، ليتقدموا صفوف الحركة، يرتكب خطأ استراتيجيا حين يضحّي بالأساس في سبيل رفع البناء، مع أنه لا بناء إلا على أساس!
ثم هو -فوق ذلك- واهم وهما كبيرا، فأهل الفكر لا يصلحون -لما فيهم من مراعاة الحكمة واحترام الأخلاق والقيم- لأن يقودوا عملا حركيا يقتضي في كثير من تفاصيله التخلص من الحكمة، والتحرر من الأخلاق. وقد عرف التاريخ علماء كانوا شديدي المراعاة للسائد من الأعراف والأديان، ولكن أفكارهم أحدثت -مع ذلك- رجات وثورات، بدءا بجاليليو المهادن للكنيسة، ومرورا بمونتيسكيو المتلطف في عباراته كي لا يجر على نفسه لعنات السوربون أو رجال الدين.
ولن تصلح الأمور إلا حين يضطلع كل واحد بالأمانة التي يُحسن حملها، ويترك ما لا يتقنه..

1 تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق