د. رشيد بنكيران يكتب: وقفات مع مصطلح “الاغتصاب الزوجي”

11 يناير 2019 16:28
د. رشيد بنكيران يكتب: قُــفّــة العيد وزكاة الـفـطر

هوية بريس – د. رشيد بنكيران

الوقفة الأولى

الاغتصاب هو أخذ حق الغير ظلما وقهرا وعدوانا، وإضافته إلى كلمة الزوجي (الاغتصاب الزوجي) يراد به إجبار الزوج زوجته على ممارسة الجنس ضد إرادتها. ويقال كذلك: هو كل ممارسة جنسية تتم بدون رضا الزوجة بالعنف والإكراه، والضغط والابتزاز.
وقد عُرف هذا المصطلح في المجتمع الغربي ذي المرجعية اللادينية والفكر المخالف للمرجعية الإسلامية، ثم تبنته هيئة حقوق الإنسان وأصبح تجريم هذا السلوك يدخل حيز القانون في بعض دول العالم، ويراد فرضه على الدول الإسلامية والمجتمعات ذات الأعراف المختلفة على المجتمع الغربي. ويتم عرضه في المؤتمرات الحقوقية والندوات الثقافية على أنه ظلم يمارس على المرأة المتزوجة التي هي حرة في جسدها حسب رأي من يعتقد ذلك، كما تدعيه بعض الجمعيات النسائية المستوردة للفكر الغربي بالمغرب.

ونظرا لمصادمة مفهوم الاغتصاب الزوجي بالتفسير الآنف الذكر للصواب ، ومناقضته للأسس التي قامت عليها العلاقة الزوجية في الإسلام، نقف وقفات تحليلية ونقدية مع دلالات هذا المصطلح، ونبين وجه المناقضة التي تكمن فيه ومصادمته للمعقول، كما نسلط الضوء على بعض التصرفات غير المقبولة والمخالفة لمفهوم المعاشرة الزوجية في الإسلام.

• الوقفة الأولى: المغتصب من أخذ حق الغير

الاغتصاب لغة من الغَصْب؛ وهو أخذ الشيء ظلماً وقهراً، وإضافته إلى كلمة الزوجي (=الاغتصاب الزوجي) يدل على أن جماع الزوج زوجتَه وممارسة الجنس معها دون رضاها ظلم وقهر، وبالتالي لا حق له في ذلك.
وهذا غير صحيح ولا يستقيم، فالاستمتاع بالزوجة حق للزوج، كما أن الزوجة من حقها أن تستمتع بزوجها، والذي أخذ حقه لا يقال عنه مغتصبا ولا يكون معتديا، وإنما المغتصب هو من اعتدى على حق الغير، بدليل أن الشرع (وكذلك القانون) يلزم أحد الزوجين الذي امتنع من تمكين نفسه للآخر دون أعذار شرعية أحكاماً زجرية، مثل مشروعية عدم إنفاق الزوج على المرأة الناشز، أو إجبار القاضي الرجلَ بالتطليق إذا تضررت زوجته من نفوره منها وهجره لها في الفراش…

ولو كانت المطالبة بحق الجماع من أحد الزوجين دون رضا الطرف الآخر تعد اغتصابا حقيقة لكان الطالب مدانا وليس العكس. وبناء منطق العدل الذي يقرر أن من استحق العقوبة شرعا (أو قانونا) هو المدان وهو الملام ، فإن مَن امتنع من تمكين نفسه لزوجه هو المغتصب الحقيقي؛ لأنه هو الذي حَرَمَ الحقَّ صاحبه.
ولهذا، لو امتنعت المرأة دون مسوغ شرعي من تلبية رغبة زوجها لكانت هي المغتصبة والمدانة؛ لأنها أخلت بواجب من الواجبات التي عليها، والتي هي من صميم عقد النكاح ومنعت الزوج حقه. يشهد لهذا المعنى ما جاء في الصحيحين واللفظ للبخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ». فالجماع حق للزوج على زوجته، كما هو حق للزوجة على زوجها، ولابد أن يُعطى كل صاحب حق حقه.

وبناء عليه، فمصطلح “الاغتصاب الزوجي” لا ينسجم مع مقتضيات عقد الزواج ، وأوله يتناقض مع آخره؛ لأن الاغتصاب مناف للرضا، والزواج أعظم أركانه هو الرضا، وتعد العلاقة الحميمية أو الجماع مجسدة لروح الزواج . والرجل والمرأة حينما يتعاقدان على الزواج على سنة الله ورسوله فإن كلا المتعاقدين يعاهد الآخر من تمكين نفسه له، راضيا بذلك في حدود ما أباحه الشرع، دون شرط أو تأفف، فلا مجال أصلا للحديث عن الاغتصاب بين الزوجين وإقحام هذا اللفظ في العلاقة الزوجية لا معنى له.

ونظرا لذلك العهد المأخوذ من الزوجين وارتباطه بحق كلا الطرفين والـمُسلّم به منهما علق الشرع الحكيم ثوابا لمن وفّـى بالعهد المأخوذ، ففي صحيح مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: « وَفِى بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ ». والبضع هو الجماع، فرُتب على فعله أجر من الله سبحانه، وفي مقابل هذا علق الشرع إثما على من أخل بالعهد ولم يوفّ به، ففي صحيح مسلم قال رسول الله « وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهَا فَتَأْبَى عَلَيْهِ إِلاَّ كَانَ الَّذِى فِى السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا ».
ولا فرق بين الرجل والمرأة في أصل هذه الأحكام ثوابا وعقابا، وإنما يختلفان في بعض الفروع التي لا تؤثر في أصل الحكم.

لكن، لو امتنعت المرأة من تمكين نفسها لزوجها دون عذر شرعي ـ وأكرر: دون عذر شرعي ـ ورفضت أداء حقه عليها في هذا الجانب، وقابل الزوج هذا الرفض والامتناع من الزوجة بالتعنيف اللفظي أو الجسدي وأرغمها على جماعه قوة، فما موقف الشرع من سلوكها وسلوكه، وماذا يمكن أن نصف السلوك الذي قام به الرجل؟

كذلك، لو رغب الرجل في ممارسة جنسية محرمة شرعا والتي أصبحت تعرف بالشذوذ الجنسي وطالب امرأته أن تستجيب إلى ما يرغب فيه، وأبت هي عليه وامتنعت، وقابل الزوج هذا الإباء والامتناع بالتعنيف اللفظي أو الجسدي، وأرغم المرأة على ما يريده منها بالعنف، فما موقف الشرع من هذه التصرفات، وأي وصف مناسب لما قام به الرجل؟
ولمحاولة الجواب عن هذين السؤالين نقف وقفة ثانية.
الوقفة الثانية مع مصطلح “الاغتصاب الزوجي”:

• استعمال العنف اللفظي أو الجسدي لغرض الجماع وموقف الشرع منه

يراد بالتعنيف اللفظي كل خطاب يتضمن عبارات الإهانات والشتائم ومعاني التحقير، وقد نهى الإسلام عن هذا الأسلوب المشين نهيا قاطعا حتى ولو صدر من الزوج اتجاه زوجته أو العكس، ففي صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ ».
فعبارة “كل مسلم” هي من صيغ العموم التي تشمل الكبير والصغير والرجل والمرأة والغني والفقير والزوج والزوجة، وقد جعل الشرع من أقدم على تحقير المسلم (والمسلم هنا خرج مخرج الغالب) أو تعنيفه باللفظ والكلام المشين واقعا في شرور جسيمة وكافية أن تورده الآثام والتي يستحق عليها العقاب.
وإذا كان هذا جزاء من سلك أسلوب التعنيف اللفظي مع مطلق الناس، فإنه يتأكد تحريمه ويقوى وعيده أكثر فأكثر لمن عنف أقرب الناس إليه، ومنهم الزوجة؛ لأنه وقع فيما نهى عنه الشرع هذا أولا، وثانيا لأنه خالف امتثال أمر رباني كما جاء في القرآن {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]، ونقض الميثاق الغليظ الذي أخذه الله عليه، وثالثا خالف وصية رسول الله عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا ».

وإذا تقرر أن التعنيف اللفظي من طرف الزوج لزوجته منهي عنه شرعا ، فإن قياس الأولى يقتضي منع ما هو أعلى منه كالتعنيف الجسدي وإلحاق الضرر بجسدها مثلا، فالضرب أشد من السب والشتم ولا يقارن بهما، والنهي عن الضرب يتوجه إليه من باب أولى من التعنيف اللفظي.
لكن، قد يعكر على هذا المعنى أو القياس الأولى ظاهرُ آية {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34] . ذلك: أن الآية أفادت بظاهرها أن للزوج ضرب زوجته في حالة معينة، وهي حالة النشوز.
وأصل النشوز في اللغة هو الارتفاع والعلو، وفي الاصطلاح الفقهي هو معصية الزوجة لزوجها فيما يلزمها من طاعته، فالمرأة إذا ارتفعت عن طاعة زوجها ورفضت الخضوع إلى حقوقه المشروعة، أمر الشارع الرجل أن يسلك مع زوجته هذا الأسلوب التأديبي بغية الإصلاح ودفع الشقاق.
فمثلا إذا كانت الزوجة تبيت خارج بيت الزوجية دون إذن زوجها فهذا نوع من النشوز ، فشرع الله منهاجا ربانيا وطريقا يسلكه الزوج المشتكي بغية الإصلاح.
وأول مراحل هذا الطريق هو الموعظة الحسنة، والتي في الغالب تأتي بنتائج طيبة إذا كانت مؤثرة ووجدت محلا وقابلية.
فإن لم يتحقق بها المقصود انتقل الزوج إلى هجر الفراش وابتعد جسدا وشعورا عن مكان المضاجعة؛ وهجر الفراش وسيلة عملية تخاطب إيمان الزوجة وضميرها، وذات أثر شديد عليها إن كانت فعلا تحب زوجها وتقدره ولا تريد أن تتطلق منه.
ومن المناسب جدا ـ وأنا في هذا المقام ـ أن أشير إلى أن نشوز المرأة المذكور في الآية الكريمة يغلب عليه أنه لا يشمل امتناع الزوجة عن حق الفراش أو الوقاع، وإلا لكان بعيدا عن محاسن الشريعة التي بهرت العقول أن تطلب تأديب الزوجة الناشز بهجر الفراش وفي الوقت نفسه يراد إيجاده وتستجيب الزوجة لحق الفراش، فهذا بعيد جدا.

فإن لم يتحقق المقصود بهجر الفراش وبقي النشوز من الزوجة، انتقل الزوج إلى وسيلة أخرى وهي الضرب بلغة القرآن، وقد بينت السنة النبوية الضوابط الشرعية لتطبيق هذه الوسيلة، وزادها ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وضوحا حينما سئل ما الضرب غير المبرح؟ فقال بالسواك ونحوه، وعرفه بعض الفقهاء بالضرب الذي لا يكسر عظما ولا يشين جارحة كاللكزة ونحوها.
وعليه، فليس من الإنصاف أن نشبه هذه الوسيلة بما يصطلح عليه اليوم بالتعنيف الجسدي أو ما يمارسه بعض الملاكمين من الأزواج في حق زوجاتهم، ولا مجال للمقارنة بين الأمرين باعثا وشكلا وممارسة وهدفا.
والمتأمل لحقيقة هذه الوسيلة بإنصاف وتجرد للحق سيجد أنها لا تفيد ضرب الإذاية الذي يلحق الأذى والضرر بالمرأة، بقدر ما تقوم مقام إخبار من الزوج لزوجته بلسان الحال على أنه لم يبق له من الحلول إذا لم تعد الزوجة إلى رشدها، وترتدع عن ظلهما وعلوها وغيها سوى الطلاق، والذي هو أبغض الحلال إلى الله تعالى، و مصيبة من المصائب تحل بأسرة المرأة بالدرجة الأولى والمجتمع كما هو مشاهد ومعلوم .
وقد تمدني معاودة التأمل لوسيلة الضرب المشروع بالشكل الذي سبق بيانه أن أؤكد مرة أخرى ما سبق الإشارة إليه أن النشوز المذكور في الآية الكريمة لا يشمل رفض الزوجة حق الفراش والجماع، لأن وسيلة الضرب المشروع فضلا عن استعمال العنف بشقيه اللفظي أو الجسدي ينافي تماما مع ما يتطلبه الجماع من مقدمات جاء الشرع بالترغيب بها ، كما جاء في الأثر ـ وإن كان ضعيف السند إلا أن معناه صحيح : “لا يقعن أحدكم على امرأته كما تقع البهيمة ليكن بينهما رسول. قيل: وما الرسول؟ فقيل: القبلة والكلام”…
وفي الصحيحين قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «لاَ يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ، ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِى آخِرِ الْيَوْمِ»، فقوله «ثم يجامعها» فيه دليل على أن علة النهي لهذا السلوك المشين أنه لا يستحسنه العقلاء في مجرى العادات، وعبر الشرع بالنفي (لاَ يَجْلِدُ) الذي هو أقوى في إفادة النهي وأجدر في التنفير من هذا السلوك المشين.
وقد بين بعض أهل العلم وجه ذلك ، فقال العلامة الأمير الصنعاني في كتابه سبل السلام عند شرحه للحديث: “لأن الجماع والمضاجعة أنما تليق مع ميل نفس والرغبة في العشرة، والمجلود غالبا ينفر عمن جلده، بخلاف التأديب المستحسن فأنه لا ينفر الطباع، ولاريب أن عدم الضرب والاغتفار والسماحة أشرف من ذلك كما هو أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم”اهـ .
وإذا كان لا يستحسن عند العقلاء والحكماء ضرب الزوجة بسبب نشوز عام لا يتعلق برفضها للجماع، فكيف يكون مرغوبا فيه ومأذونا بسبب نشوز يتعلق بامتناع المرأة عن الجماع !؟؟
وليس هذا فحسب، بل ويجعل الضرب وسيلة لإصلاح الزوجة في نشوز الجماع والعلاقة الحميمية، فالشرع أعقل من كل عاقل وأحكم من كل حكيم.

كان الغرض من محاولة استنطاق الآية الكريمة أمرين:
الأول منهما : بيان أن التعنيف الجسدي الذي هو إلحاق الضرر بالزوجة والانتقام منها لا وجه الشبه بينه وبين الضرب الوارد في الآية وبينته السنة، والذي لا يعدو أن يكون وسيلة تأديب يتوقف القيام بها واللجوء إليها على مدى حصول المقصد من تشريعها وهو ودفع النشوز، وقد نص الفقهاء المالكية ومنهم الحطاب في مواهبه أنه إذا غلب على ظن الزوج أن ضرب زوجته لا يفيد لم يجز له ضربها.
ولا يخفى على الجميع أن أعراف المجتمع قد تغيرت تغيرا كبيرا مما أثر على صلاحية هذه الوسيلة ولم تعد مستساغة ومفيدة ، فرُبّ وسيلة كانت في الصدر الأول ناجحة وتحقق الهدف من تشريعها، أصبحت اليوم يؤدي استعمالها إلى عكس ما كان يراد منها، والأحكام تتعلق بالمقاصد لا بالوسائل، وتوجد من الأمثلة في سنة الخلفاء الراشدين التي أمرنا باتباعها ما يقرر هذا الأصل الأصيل دون أي شك وارتياب .
ولهذا، يمكن الجزم بكل اطمئنان أن الضرب غير المبرح للزوجات لم يعد جائزا اليوم.

والثاني: بيان أن النشوز الذي ورد في الآية الكريمة لا يشمل جميع أنواعه ، لأنه ذكر بلفظ الفعل (نُشُوزَهُنَّ) ، والفعل ليس فيه عموم، كما قال الناظم:
ثم العموم أبطلت دعواه *** في الفعل بل وما جرى مجراه
ولهذا، كان الاكتفاء بلفظ (نُشُوزَهُنَّ) في إرادة العموم والذي منه امتناع الزوجة من حق الفراش غير ظاهر ، وقد دل فيما سبق أن إصلاح نشوز المرأة المتعلق بحق الفراش بالضرب ـ وإن كان غير مبرح ـ لا يستقيم، ونتائجه غالبا ستكون عكس المطلوب، فالمناسب لفظا ومعنى أن تستثنى هذه الصورة من نشوز المرأة على أنها غير مرادة للشارع .

وبناء عليه، فإنه لو امتنعت المرأة من تمكين نفسها لزوجها دون عذر شرعي ، ورفضت أداء حقه الذي عليها في هذا الجانب، فلا يجوز للرجل أن يرغم زوجته على الممارسة الجنسية معه ويكرهها على ذلك مستعملا التعنيف اللفظي أو الجسدي، فإن الشرع لم يأذن له في ذلك، وله بعد نصح زوجته وعدم استجابتها له ورجوعها إلى الصواب والوفاء بالعهد الذي بينهما أن يمنع عليها النفقة فهي ناشز، ويرفع أمرها للقاضي أو يطلقها.

وإذا قابل الزوج رفض الزوجة وامتناعها من حق الفراش دون عذر شرعي بالقوة والعنف ونال منها ما نال، فلن يكون أبدا مغتصبا في نظر الشرع والمنطق؛ لأنه أخذ حقه الذي له عليها، ولكنه أساء إساءة كبيرة إذ استعمل وسيلة غير شرعية في المطالبة بحقه، وليس في ديننا أن الغاية الشرعية تبرر الوسيلة مطلقا، فلابد أن تكون الغاية شرعية والوسيلة كذلك شرعية،
فهو وإن لم يكن مغتصبا فيما أخذ فإنه ظالم كيف أخذ، وقابل سيئة الزوجة بسيئة أعظم منها، ولابد أن ينال الظالم جزاءه الذي يستحق، ولا نجد أفضل من التعبير المستوحى من القرآن في وصف ما قام به الزوج المعنِّف ، فهناك المعاشرة بالمعروف ويقابلها المعاشرة بغير المعروف أو الإساءة في المعاشرة الزوجية.

أما إذا رغب الزوج في ممارسة جنسية محرمة شرعا والتي أصبحت تعرف بالشذوذ الجنسي وأبت عليه زوجته وامتنعت، وقابل الزوج هذا الإباء والامتناع بالتعنيف اللفظي أو الجسدي وقهرها على فعل ذلك، فإنه سيكون ظالما لزوجته كما سبق بيانه، وكذلك سيكون منتهكا لحمى الله و معتديا على حدوده لأنه وقع في الحرام.

ولا عبرة ـ حقيقة ـ برضا الزوجة في هذه الصورة، فحتى لو رضيت بتلك الممارسة دون عنف فإن ذلك لا يجوز، فالحق فيه لله سبحانه وتعالى، ولهذا أفتى العلماء بالتفريق بين الزوجين إذا ثبت أنهما يمارسان الجنس ممارسة محرمة شرعا.

ولهذا، كان مصطلح “الاغتصاب الزوجي” على ما فيه من مغالطة سبق كشفها، يضم كذلك سطوا على حق الشرع، وهذا لا يجوز.
ولا غرابة في أن يتبنى المجتمع الغربي هذا المصطلح ومقتضياته، فأن المرجعية فيه للإنسان والسيادة له، والإنسان حر في جسده مطلقا كما يزعمون، أما لدى المسلمين، فإن المرجعية فيه لله ولشرعه، وهذا أصل من أعظم الأصول في الإسلام.
فالواجب على المسلمين وخصوصا أهل العلم والقضاء أن يتحروا من المصطلحات ما يحقق المقصود دون التباس أو اعتداء.
والله أعلم.

آخر اﻷخبار
3 تعليقات
  1. أظن أن د. رشيد لم يحالفه الصواب عندما نتهى إلى أنه” يمكن الجزم بكل اطمئنان أن الضرب غير المبرح للزوجات (الناشزات بطبيعة الحال) لم يعد جائزا اليوم” وهذا الكلام فيه مجازفة خطيرة، إذ يتضمن تحريم ما أجازه الله تعالى بالنص الواضح الصريح، وفيه فتح لباب التهجم على نصوص الشريعة بالإلغاء والتعطيل لتغير الأمزجة والأعراف، وهذه هي نفس الأطروحة التي يروج لها دعاة العلمنة من معطلة النصوص في عصرنا. إن الإدعاء بأن الضرب غير المبرح للزوجة الناشز صار غير جائز، يجعل من يمارس ذلك من الأزواج بشرطه وفي محله آثما مأزورا، وهذا مصادمة لنص من بيده التحليل والتحريم، والإثابة والمعاقبة وهو الله تعالى.

  2. كما ينبغي أن يعلم أنه ليس كل النساء يأنفن من الضرب غير المبرح في بعض الحالات، بل منهن من يرينه محبة وحرصا، لذلك شاع عندهن قولهن. “ضرب الحبيب كأكل الزبيب” وأخشى ما أخشاه أن يتحول دفاعنا عن الشريعة وكمالها ومحاسنها إلى تنازل عن بعض أحكامها تحت ضغط الحضارة الغربية وما تحبه وتهواه، بجيث نعمل على تقريب الإسلام من الغربيين بإجراء عمليات تجميلية تخرجه عن طبيعته ليستحسنوه ويرضوا عنه.

  3. إن أحسن فهم لنص ضرب النساء الناشزات، هو ما فعله فقهاونا الأجلاء، وهو ما يلي:
    -الإبقاء على مسطرة تأديب المرأة الناشر بما فيها الضرب غير المبرح، والحكم على هذه المسطرة بأن الأمر الشرعي فيها للجواز والإرشاد لا للوجوب.
    -بيان كيفية الضرب، وأنه ضرب غير مبرح، يأتي بعد استنفاذ الوسائل الأخرى من الوعظ والهجر.
    -بيان أن من آنس من زوجه أن الضرب غير المبرح لا يعالج المشكلة، بل يفاقمها، أن لا يمارس هذا الإجراء التأديبي.
    -بيان أن عدم الضرب هو ما يليق بالرجال الكرماء الأخيار ، وأن عدم اضطرار الرجل إليه، هو ما يليق بالنساء الحرات الشريفات.

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
25°
21°
الخميس
21°
الجمعة
22°
السبت
21°
أحد

حديث الصورة

روجت صورة لرجلي أمن وهما يمكسان بقوة أحد الجانحين، يشكل كبير في موقع فيسبوك، مع وصف ذلك، بأنه إلقاء للقبض على زعيم عصابة إجرامية

كاريكاتير

كاريكاتير.. الأقلام المأجورة