د. سعيد شبار يكتب: العربية والعامية.. ثنائية للتكامل وليس للتقابل، وتساؤلات من أجل الفهم

09 سبتمبر 2018 23:02
د. سعيد شبار يكتب: العربية والعامية.. ثنائية للتكامل وليس للتقابل، وتساؤلات من أجل الفهم

هوية بريس – عبد الله المصمودي

مشاركة في النقاش الدائر وحملة الاستنكار والشجب الشعبية التي تشغل الساحة الوطنية هذه الأيام ضد إدراج كلمات بالعامية في مقرر دراسي للمستوى الثاني ابتدائي (مرشدي في اللغة العربية)، نشر الدكتور سعيد شبار رئيس المجلس العلمي المحلي لمدينة بني ملال، في سلسلته التي ينشرها في حسابه على فيسبوك (اللمعة الرابعة عشرة)، تحت عنوان “العربية والعامية.. ثنائية للتكامل وليس للتقابل، وتساؤلات من أجل الفهم”، مقالا مطولا دافع فيه عن فصحى اللغة العربية.

وكتب رئيس مركز الدراسات للمعرفة والحضارة “ليس المراد هنا إجراء مقارنة بين العربية والعامية، فلا معنى ولا موجب للمقارنة بينهما أصلا، كما ليس المراد جعلهما في وضعية تقابل وتضاد لكي نلزم أنفسنا أيهما ينبغي أن نختار. فالدخول في معركة “المقارنة”، أو معركة “التقابل”، هو دخول في معركة خاسرة لا ربح فيها إلا لمسار النكوص والانحطاط الحضاري الذي تعرفه الأمة ويتحكم فيه خصومها.
وإنما المراد بيان مجال اشتغال ووظيفة كل منهما، فالعربية نتعلمها ونطلب بها العلم ونتواصل بها مع غيرنا ومع تاريخنا وتراثنا. ولهذا فهي محدد أساسي في الهوية والمعرفة والثقافة، والتواصل مع الرصيد التاريخي والحضاري العريق للأمة الناطقة بها في أقطارها المختلفة. وهي فوق ذلك كله لغة القران التي بها انزل وبحفظه حفظت، وبسعته اتسعت واكتست من الخصائص ما لا يوجد لأية لغة من لغات العالم. ويكفي في ذلك أنها اللسان الذي حافظ على أصله، وبه يتلى القران الذي أنزل به أول مرة، في الوقت الذي تغيرت فيه اللغات حتى اندثر وتلاشى بعضها نهائيا، ولم يبق من البعض الآخر الا رسوم واشكال. وفي الوقت الذي تقلبت فيه النصوص الدينية السابقة بين لغات وترجمات متعددة أثرت على مضامينها وطرحت أسئلة عديدة على وثوقها ومدى صحة نسبتها.
والعامية نتكلمها بلهجاتها المختلفة، تعكس بدورها الغنى والتعدد اللغوي وأضرب التواصل المحلي أو الإقليمي بين الناطقين بها كذلك. بل رصيدا عريقا في التاريخ من خلال فنون وعادات وعلوم وآداب معينة. كما هو شأن الأمازيغية في جهاتها الثلاث والحسانية في الصحراء، والتراث الشفهي الدارج، حيث نجد قيما وطنية ودينية، وحِكما في العلم والمعرفة والسلوك الجمعي، وفي الأعمال والمهن المختلفة.
إن من مقومات النهوض الحضاري لدى أي أمة من الأمم: وحدة صفها وتكامل مكوناتها، وانسجام وانتظام اختلافها في أنساق مركبة من النظم: الفكرية أو السياسية أو التربوية، أو الاجتماعية أو غيرها، وهذا ما عرفته الأمم التي نهضت سابقا أو الناهضة اليوم. لكن حينما يصبح الصراع بين مكونين من مكونات الهوية فتلك مشكلة تضعف فرص الانسجام الضروري لذلك النهوض، وخصوصا إذا تطرق الى نظامها التعليمي ومنظومتها التربوية، حيث سينعدم النظام وستتفكك المنظومة يقينا. هذا إذا افترضنا سلامتها وقوتها مسبقا، أمَا وهي على وضع من الهشاشة والوهن بما لا يخفى، فلا يعني ذلك الا مزيدا من التردي والوهن.
ففي كل دول العالم هناك لغة وطنية جامعة، وهناك لهجات محلية مختلفة. وكما نتحدث عن الاقتصاد الوطني وعن الأمن الوطني وعن التنمية والسيادة الوطنية، فكذلك ينبغي التحدث عن اللغة الوطنية الجامعة، بنفس الأهمية من الحساسية الأمنية والوجود أو الهوية الحضارية التاريخية القديمة أو الحديثة الراهنة. ولهذا فهذه الدول تضع قوانين تنظيمية وأخرى زجرية لحماية لغاتها في الأنشطة العامة والرسمية خصوصا، كما تعتمدها لغة للتدريس والعلم والتعلم في أجيالها المتعاقبة. ويكاد عالمنا العربي فقط يتميز عن غيره في اعتماد لغة غيره للتدريس.
فما مشكلة العربية اليوم مع العلم والتعلم؟ وهل ينسب العجز إلى اللغة أم إلى أهلها؟
لقد اندثرت تقريبا العبرية طيلة قرون ولم تكن إلا بين طوائف اليهود أينما وجدوا في العالم، يتواصلون بها ويدرسون بها ابناءهم في مدارس خاصة وتجمعات مغلقة، وها هي اليوم لغة مُنافِسة في كل شيء.
ولقد كانت العربية إبان ازدهار حضارة المسلمين لغة العلم والمعرفة الأولى في الأندلس غربا والشام شرقا ومراكز العلم المختلفة، حيث كان على طالب العلوم في التخصصات العلمية الدقيقة المختلفة تعلمها لتحصيل تلك العلوم، كما هو شأن الإنجليزية اليوم تقريبا. فلا ينبغي أن ينسب شيء من العجز إلى اللغة ذاتها بقدر ما ينبغي أن ينسب إلى أهلها إعمالا لها في وجوه الحياة والحضارة المختلفة أو إهمالا.
إن معركة اللغة العربية ليست بيد أبنائها، بقدر ما هي بأيادي أجنبية تعرف رصيدها الحضاري والتاريخي كما تعرف إمكاناتها في النهوض المستقبلي، ولذلك خاضت وتخوض حروبا من أجل إضعافها في دول كثيرة، حيث سَخَّرت وتُسَخِّر لذلك أقلاما وحتى رموزا فكرية وأدبية لا يروقها تفرد العربية بخصائصها وارتباطها بالدين أساسا.
تعرف أنها عمق وامتداد ديني وتاريخي وحضاري حي، مرتبط بهوية وجودية تجمع بين لغة الدين الحي ولغة الحضارة والعلم. فمعركة التدريس بالعامية والتأليف بها تمتد الى أزيد من قرنين، وهي مرتبطة إما بالاستعمار ودوره في الاجهاز على عناصر ومقومات الوحدة في الأمة ومنها العربية، أو مرتبطة بحركات ومؤسسات التنصير التي تجعلها مطية للوصول الى عمق المجتمع والتواصل مع عامة الناس، ومعروف أن مبشرين كثيرين لم يتقنوا العربية فحسب وإنما أتقنوا لهجات محلية مختلفة كذلك، نظموا من خلالها أشعارا ومرروا روايات انجيلية وتعاليم كنسية.
تعرف أيضا أن من إمكانات الوحدة واليقظة بين الشعوب العربية والمسلمة عموما هذا اللسان، لأنه لسان الدين أيضا كما هو لسان الحضارة. وهي قيمة تفتقدها المنظومة الغربية، إذ رغم وحدتها الاقتصادية والمالية والسياسية والعسكرية… يبقى هنالك عجز على مستوى اللغات الأوروبية نفسها، والتي تشكو من “أمركة” تعليمها وأبنائها كما نشكو نحن اليوم من “فرنستهم”. فهناك سعي وجهد من أجل الوصول إلى لغة مشتركة على مستوى هذا الاتحاد لم يتحقق بعد، وهي عندنا كسب وصيد تاريخي وراهن وعاجزون تماما عن استثماره وتطويره في هذا الاتجاه.
فهل من مبررات لإدراج الدارجة في المقررات؟
نحن اليوم متخلفون كثيرا عن لغتنا العربية وليست هي المتخلفة عنا، فمن شرط تجاوز الشيء استيعابه وإثبات قصوره. فكيف ونحن لا زلنا نرجع إلى المعاجم والقواميس للتعرف على المفردات والكلمات بسبب اللحن والعجمة الطارئة عن التعريب على الأصول الأجنبية. فمئات المفردات نتداولها مُعربة على أصولها الأجنبية زحفت على كثير من العلوم، ولم يُبذل فيها للأسف اجتهاد مكافئ لإيجاد مقابلها العربي من أجل تداولها في سياق عربي يحقق المراد منها في مجاله التداولي كما حققته في مجالها الأصل. بل تُركت كما هي تمارس أضربا مختلفة من التشويش والاستلاب إلى نموذجها الأصل، دون التحقق بالمراد المطلوب منها في نموذجنا الخاص.
ثم إن نظامنا التعليمي ما يزال يعاني من انفصام لغوي حاد بين مستوياته وأسلاكه من تحصيل للعلوم بالعربية في مستوى، وبالفرنسية في مستوى آخر وهي معركة لم تحسم بعد. فهل يعقل أن يضاف إلى كل ذلك إشكال آخر، وأن يتم إحداث ثقب جديد في جدار مهترئ أصلا، يعاني عللا كثيرة لم تسعف فيه برامج ولا مناهج استعجالية، ولا اعتباره القضية الأولى. وكيف يكون هذا عقب خطاب ملكي سام في ضرورة العناية بهذا القطاع والنهوض به وببنياته المختلفة؟ ألا ينبغي أن تُعطي الأولوية وتخاض المعركة في قضايا الهدر المدرسي، وإحداث المزيد من المدارس في البوادي والجبال وتجهيزها بالضروري من الأثاث، وتعبيد الطرق والمسالك المؤدية إليها، والعناية بالأطر التربوية في هذه المناطق؟ فكيف نفتح نقاشا على الهامش ليس له مبرر، ونترك قضايا في الصلب والمتن كل المبررات قائمة من أجل التدخل العاجل فيها! ولست أقلل هنا من جهود المؤسسات الوصية بهذا الصدد وقد عاينت كثيرا مما تبذله مشكورة، ولكن إذا كان من جهد إضافي فينبغي أن يكون في مكاسب إضافية في الاتجاه لا في فتح واجهة نقاش وجدال تفرق أكثر مما توحد.
فهل هنالك ضرورة تعليمية وقيمة معرفية مضافة من خلال إدراج مفردات بالدارجة في المقررات الدراسية؟ ألا يتعلم التلميذ تلك المفردات في البيت وفي الشارع وفي السوق… وفي كل مكان، إذ المفروض أن تُعلمه المدرسة ما لا يتعلمه إلا فيها وهو النطق السليم والكتابة السليمة بالعربية. وهل سيقتصر الأمر على كلمات أم أنه سيتوسع إلى مقررات بكاملها أمام إصرار دعاة هذا الاتجاه؟ ألن نكون حينها أمام كارثة عظمى ومسؤولية جسيمة إزاء الأجيال المقبلة، إذ بدل أن نحارب فيها الأمية سنُرسِّمها في المدرسة. وهل تعني محاربة الأمية شيئا آخر غير الخروج من العامية والدارجة؟ فكيف نجعل المدرسة تناقض نفسها وتنقض رسالتها؟
إن معظم مساجد المملكة، وبتوجيهات ملكية سامية منذ العام 2000 تم تهيئتها لهذا الغرض، وأطرا تعليمية وتربوية تم تجنيدها لهذه الرسالة النبيلة “اقرأ”، وهو ما لا نعرف له نظيرا في بلد مسلم آخر، حيث استطاع الآلاف من الرجال النساء الدخول الى عالم القراءة والتواصل مع الكتب والرسائل.
وهل في إدراج مفردات بالدارجة في المقررات، خدمة للهوية والحضارة وتعرف على العادات والتقاليد الوطنية…الخ؟ ألن نكون أمام حلقة مفرغة تُعلم ما هو معلوم في البيت والسوق والشارع. وحتى إذا اضطررنا اليه ألا يمكن ذلك بعد الأصل العربي المشترك، ويبقى دور المدرس في البيان بحسب اللهجات المختلفة.
أعتقد أن ثمة حرمة وقداسة في رسالة التعليم ينبغي مراعاتها والحفاظ عليها، فذلك ما تفعله الأمم المؤمنة برسالة العلم والتعلم وهي تعد أجيالها للمستقبل، فلا تحدث تغييرا إلا في اتجاه ترقيته والنهوض به من أجل جودة مضمونة نحو الأفضل.
وبعد، فهل في هذا الأمر تهويل وتضخيم أكثر من اللازم، والأمر لا يتعلق إلا بكلمات معدودات؟ وهل فيه أيضا تضخيم لنظرية المؤامرة الخارجية؟
لا أعتقد أن في ذلك تضخيما بالنسبة للاحتياط الواجب أمام الثوابت والمقدسات، خصوصا أمام إصرار وتكرار خصومها لمحاولاتهم بل وتجاوزهم للمؤسسات وإرادة الأمة استقواء بالخارج نفسه”.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M