رحبة الطبّ في أسواق المغرب



عدد القراءات 654

هوية بريس – عبد العزيز غياتي

مثله كمثل مركّب طبّي بدون علم القطاعات الوصيّة؛ ذلك المشهَد المُشاهد بالسّوق الأسبوعي سبت أولاد النمّة وكباقي الأسواق الأسبوعيّة في المدن والقرى المغربيّة؛ حيث تتواجد بعض الاختصاصات الطبيّة الرخيصة التّكلفة؛ فهناك طبّ الأسنان الذي يعرض خدمات علاج ألم الأسنان أو قلعها بدون ألم، سواء باستعمال البنج أو بدونه، وكذلك القضاء على رائحة الفم الكريهة، وهناك اختصاص الجهاز الهضمي؛ الذي يعالج الغثيان، والقيء، وقرحة وحرقة المعدة، والتهابها، ويعالج كذلك مشاكل الأمعاء وما يعتريها من ألم أو انتفاخ، ويشفي نهائيّا من مرض البواسير بدون جراحة.

أمّا الأروع؛ فهو الثّمن البخس للعلاج السّريع لأدواء الأذن، وما يصيبها من تعفّن، وطنين، وصمم حاد أو مزمن وغير ذلك، أمّا تطبيب العيون فحاضر بقوّة حيث يعيد للبصر قوّته ويشفي من كلّ أمراض العيون، وفي نفس المكان وعلى يد المعالج الموسوعة يمكن للإنسان أن يجد وفي ظرف خمس دقائق علاجا لأمراض الروماتزم والأمراض الجلديّة والكزيما وتعفّنات الكلي والجهاز البولي، دون أن ننسى توفّر الأدويّة لعلاج التوتّر والضعف الجنسي. ولتعمّ الفائدة يُستعمل مكبّر الصّوت وتُبثّ من خلاله دروس في الصحّة البدنيّة والنّفسيّة وكذلك في العلاقات الزّوجيّة، إضافة إلى الكثير من الاختصاصات أعتذر عن ذكرها لضيق المجال، كما أعتذر عن عدم إدراج الكثير من الجمل والكلمات بين قوسين .

ليس غريبا أن يسلّم المواطن مصير عينيه، أو أذنيه، أو كليتيه، أو أحد أغلى أعضاء جسمه إلى شخص في سوق أسبوعي يتقمّص دور خبير أعشاب وصيدلاني وطبيب مختص في أكثر من جهاز؛ فقد يكون هذا ما وجد عليه آباءه، وذلك مبلغه من العلم والوعي، أو يكون ذلك ما جنته عليه قلّة الحيلة وقصر ذات اليد؛ ولكنّ الغريب أن لا ترى أو تسمع طيلة سنوات ارتيادك لمثل هذه الأسواق أنّ موظّفا يمثّل قطاعا حكوميّا له علاقة وصاية بالصحّة يعاقب أو يحاسب أو يعاتب أو يناقش شخصا يدّعي أمام الملأ، وعبر مكبّر الصّوت بفضل علمه وبواسطة خلطة لا يعلم أحد ما تحويه من أعشاب ومواد، ويقسم بأغلظ الأيمان ويتحدّى ويجزم أنّه قادر على علاج صمم مزمن أو طنين في الأذن استعصى على خرّيجي كلّيات الطب علاجه، وقادر على علاج ضعف البصر، وعلاج البواسير بدون جراحة أمام الشّهود وفي خمس دقائق.

وبالتّالي ليس غريبا أن يُسقط المواطن ما يتعلّمه عند روّاد الحلقة والمعالجين التّقليديين في الأسواق الأسبوعيّة على تعامله مع المراكز الاستشفائيّة والصحيّة لوزارة الصحّة، ومع المصحّات والعيّادات الطبيّة؛ فتراه ينتظر الشّفاء في الحين أو في يوم وليلة بتناول دواء وصفه الطّبيب، أو تراه يصف معاناته ويشخّص مرضه بناء على معطيات استقاها من الأسواق؛ لأنّه اكتسب بتردّده على خيّام هؤلاء المعالجين وحلقاتهم المناعة ضدّ تأثير البرامج التّحسيسيّة لوزارة الصحّة، ولكن الغريب أن تترك هذه الأخيرة هؤلاء المسترزقين لحالهم وتتجنّب إزعاجهم على الرّغم من أنهمّ قد يشكّلون خطرا على صحّة الغير، بل هم أنفسهم يعتبرون مشكلا صحّيا؛ فقد يكون التّداوي الغير السّليم بالأعشاب والمواد المجهولة المصدر وبكميات مبالغ فيها وبصفة متكرّرة، قد يكون سببا مباشرا أو غير مباشر في ارتفاع عدد حالات مرضيّة خطيرة مثل القصور الكلوي المزمن والتي لم تستطع الوزارة التكلّف بكلّ مرضاه، والغريب كذلك أن يقف الفاعلون الآخرون في مجال حفظ الصحّة، كالجماعات التّرابيّة مثلا، موقف المتفرّج على هذه المهزلة التي تضع صحّة المواطن على المحك.

تطوّر المجتمع وطوّرت الدّولة آليات التعامل معه، وبدل اعتبار السّوق الأسبوعي فضاء مناسبا ومهيّئا للتّحسيس والتّواصل المستمر مع المواطن حول كلّ ما يعنيه من برامج صحيّة واجتماعيّة ودينيّة وغيرها؛ ظلّ في نظرها تجمّعا اقتصاديا- اجتماعيّا يحرّك الدّورة الاقتصاديّة محليّا على مدار الأسبوع لا أقلّ ولا أكثر، وتحوّل بسبب ذلك الفراغ إلى مصدر ومعين لا ينضب لمصائب صحيّة وفكريّة ثقافيّة، حيث أصبح بمثابة الخزّان المتجدّد والمتوارث خلفا عن سلف بين روّاد الخرافة؛ سواء المتعلّقة بالصحّة والتّداوي، أو الخرافة الثّقافيّة المحضة.

لا يوجد تعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق