رحيل أحمد زهران.. الفقيه الذي جمع بين التوضاع والعلم والعمل

05 أغسطس 2020 10:28

هوية بريس – إبراهيم وامومن

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المخلوقين، وإمام المرسلين، سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين،  وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا مزيدا.

أما بعد.

فإن موت العلماء مصيبة من المصائب العظيمة التي تنزل بالامة، وأن ذهاب الصّالحين وفقدانهم لمن أعظم الكوارث، ذلك لأن صلاحهم وعلمهم وخيرهم يعم الناس جميعا، فإذا ذهبوا فقدت الأرض من كان ينشر فيها العلم والصلاح،  فتحن الأرض إلى رجال العلم والفضل، كما تحن إلى الأمطار، فأهل العلم والفضل، والخير والصلاح، بمثابة الاوتاد في هذه الحياة، ولا يعلم قدر ذهاب أهل العلم إلا العلماء، ولا يقدر ثمن وجودهم في هذه الدنيا إلا اولوا البصيرة من الناس. ولذلك قالوا: موت العالم ثلمة.

وتخليدا لذكر علماءنا، وتسجيلا لمآثرهم، واعترافا بمجهودهم، واقرارا بفضلهم، وحفاظا على العهد والود، دأب علماء الإسلام على كتابة أعمالهم الجليلة، وما جادت به قرائحهم، في تراجم تعد ناطقة بمآثرهم، تربط  الأجيال ببعضها البعض، وتبقى دليلا وشاهدا على ما قدمه السّلف للخلف، ولا يكاد يحصي الدارس ما كتبه المؤرخون القدامى والمحدثون في هذا الصّدد، ومن كل الاتجاهات وكافة التخصصات، ومما له علاقة بتراجم القراء، نذكر على سبيل المثال لا الحصر بعضها، منها: غاية النهاية في طبقات القراء، للإمام ابن الجزري، وطبقات القراء للإمام شمس الدين الذهبي، وكتاب طبقات القراء السّبعة وذكر مناقبهم وقراءاتهم لأبي محمد عبد الوهاب بن السّلار، وكتاب تراجم لبعض علماء القراءات لمحمد سالم محيسن…وسيرا على هذا النهج القويم، واحياء لهذه السّنة الحميدة، نتناول في هذه العجالة حياة إمام مغمور، ومقرىء مجيد، وصالح تقي، فارقنا هذه الأيام، ترك في النفوس أثرا، وفي القوب جرحا، وفي المجتمع فراغا، إنه الإمام المقرئ المجيد، والفقيه الاريب، الزاهد التقي، المتعبد الناسك، الولي الصّالح، سيدي أحمد زهران، المشهور ب لقب “ورش” بين تلامذته وطلبته،  وأرجو أن تكون هذه المحاولة لبنة أولى، تليها محاولات أخرى من طرف تلامذته ومحبيه، لوضع ترجمة كاملة تتناول جميع الجوانب المتعلقة بحياته.

وسيتم التركيز في هذه السّطور على بعض الأوصاف المتعلقه بشخصيته، وبسببها عرف، وتميز وتفرد، عسى أن يتولى أحد من طلبته إبراز ما يتعلق بالجانب القرائي والصناعي، وما أكثرهم بحمد الله تعالى.

أوصافه ومناقبه:

إن الذي يهمنا من ترجمة الشّيخ في هذا المقام، إبراز الأوصاف التي كان يتحلى بها الشّيخ، والخلال التي كان يتصف بها، والأخلاق التي كان يتسم بها، وميزته بين اقرانه، ورفعته في مجتمعه، وهذه الأوصاف تعد بحق الترجمة الفعلية لمعاني القرآن الكريم الذي كان يحمله في صدره، وتجسيدا له في أرض الواقع، ولا يمكن أن نذكر هنا كل تلك الأوصاف، واستقصاءها وتتبعها، وحصرها، بقدر ما يهمنا أن نعدد بعضها، لنبرز من خلالها مكانة الشّيخ ودرجته، وما لا يدرك كله لا يترك جله، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، من هذه الأوصاف ما يلي:

1- الإخلاص في القول والعمل:

إن أعظم ما كان يتميز به الشّيخ رحمه الله إخلاصه في عمله، وتفانيه في تحفيظ القرآن الكريم، وتلقين قواعد التجويد ومبادئه لكل طلبته، دل على هذا قرائن وأحوال، كان يتميز بها.

منها: ان الشّيخ منذ أن عرفناه إلا وهو في محراب القرآن الكريم وفي حضرته، ليلا ونهارا، سفرا وحضرا، صبحا وعشيا، صحة ومرضا، وبجد واجتهاد، وتفان وإتقان، لا يعرف الكلل، ولا يتسرب إليه الملل، وباعتباري ممن تتلمذ على يديه فقد كان يحرص الحرص الشّديد، على حلقته، حتى في أوقات السّفر والمرض، وأوقات زيارة أهله واقاربه، فقد جرت العادة أن يسافر الشّيخ صباح يوم كل خميس لزيارة والدته باقليم مدينة أكادير، وفي الكثير من الأحيان يوصي أحد طلابه للنيابة عنه من باب الاحتياط، فيلتحق الشّيخ بحلقته قبل الوقت، وتجده ينتظر طلابه قبل مجيئهم، ويحاول أن يخفى تعبه من شدة طول السّفر، وآثار العياء، وعلامة التعب بادية على محياه، وقد تأخذه السّنة وهو في وسط الحصة والطلبة يستظهرون عليه، فتكشف في الأخير ان الشّيخ قد التحق بالحصة مباشرة بعد السّفر، أي من الحافلة إلى الحلقة.

كما أن الشّيخ رحمه الله لم يكن يذكر لك أمور الدنيا قطعا، أو أن يتحدث عن المقابل، أو عن الأجر، أو عن الامتيازات، هجيراه هو تدريس القرآن، شغله الشّاغل الاستماع لطلبته، في دار القرآن، وفي كتابه بمسجد بوكار، أو في الطريق، أو داخل البيوت، ما توقف عن تحفيظ القرآن الكريم في يوم، أو لحظة، حتى هاجمه المرض، والزمه بيته.

2 الحرص على طلبته والاهتمام بهم وبشؤونهم:

مما هو معروف عن الشّيخ رحمه الله تعالى، واسكنه فسيح جناته، اهتمامه الكبير، وعنايته الشّديدة بطلبته، والحرص عليهم، وقضاء حوائجهم، والسعي في مصالحهم، فكان يهتم بهم من الناحية الاقرائية، كما كان يهتم بهم من الناحية الاجتماعية، شأنه في ذلك شأن كل عالم رباني، وكان يفعل ذلك لعلمه ان الطالب المنكسر والمحتاج لا يستطيع التحصيل، ولذلك تجده يتبنى الطالب، فيرعى شؤونه، ويتولى أموره، فيحس الطالب بقرب الشّيخ منه، ودنوه منه.

إن الشّيخ رحمه الله تعالى في هذه النقطة جسد ما أصله علماء الإسلام في ادبيات طلب العلم، من حسن العلاقة بين الشّيخ وتلامذته.

ولا يكاد ينسى كل من تتلمذ على يديه، الإحسان والإكرام الذي يوليه لطلبته، وكيف يحرص على اسعافهم، وخاصة في أوقات الحاجة، مثل السّفر، والمرض، وقضاء الدّيون،…وحتى من لم يكن محتاجا يتعاهده بالهدية من أجل كسب وده، وتاليف قلبه، وتحبيب مجالس القرآن الكريم له، وكم كنا نسعد ونفرح ونحن تستظهر على الشّيخ في كتابه، فيوقف الحصة حتى نتناول وجبة الفطور، ومن ماله الخاص، وفي كل يوم، ويتخير لنا ما كنا نميل إليه، وتشتهيه من المآكل والمشارب، فرحمه الله تعالى واسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.

3 التواضع ولين الجانب وخفض الجناح:

مما كان يتميز به الشّيخ رحمه انه كان قريبا من الناس، في حلقة الاقراء، وفي الشّارع، وفي السّوق، وفي المجاميع، واللقاءات، فقد وضع الله له القبول في الأرض، وأعطاه الله تعالى قدرة كبيرة في استيعاب معظم شرائح المجتمع، ويستطيع ان يتعامل مع كل الأطياف والمشارب، وأن يعطي لكل ذي حق حقه، ومن هنا تجد للشيخ طلبة وتلاميذ من كل المستويات، من الطبقات العليا في المجتمع، مرورا بالطبقة المتوسطة، إلى الطبقة الدنيا، وحلقته كانت تضم الطبيب والمهندس والاعلامي والأستاذ والإداري، كما كانت تضم أرباب الأموال وأهل التجارة، وأصحاب السّلطة، على اختلاف مراتبهم، كما تجد فيها أيضا أهل الحرف والصنائع، وأصحاب المهن، من النجارين والحدادين والجزارين والسوقة….كما تضم الصّغار والكبار، وكافة الفآت العمرية، وحتى من لم يلج المدرسة قط، ولم يتعلم الحروف الأبجدية بعد، وهذه ميزة تميز بها الشّيخ وحده، ولا يستطيع شيخ مقرئ أو مدرر أن يستوعب كل هذه الفآت، وكل من مارس هذه المهمة سيعرف ان القضية فتح إلهي، وتوفيق رباني.

بل إن الشّيخ رحمه الله تعالى واسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، رزقه الله قبولا بين العباد، فتراه وهو في الشّارع يصافح هذا، ويسلم على ذاك، ويعانقه آخر، فلا تكاد تمر على صاحب محلة تجارية إلا ويناديه، ويوقفه ويقبل رأسه، ولا يمر على مجموعة إلا واستوقفوه وبادلوا التحية والسلام، وتجاذبوا معه أطراف الحديث، كان محبوبا عند الجميع، وحديثه مع الناس لا يكاد يخلو من دعابة، أو طرفة، أو نصيحة…ويصح أن نصف الشّيخ بأنه كان شعبويا بالمعنى الإيجابي للكلمة، قريبا من الناس، رحيما بهم.

4 التركيز على رواية ورش وحدها في الاقراء:

معروف عن سيدي أحمد رحمه الله  اهتمامه الكبير برواية ورش وحدها في الاقراء، دون غيرها من الروايات الأخرى. ولا يعد هذا إنكارا منه للروايات الصّحيحة والمتواترة والمشهورة، وإنما يعني هذا الصّنيع عنده تقديم للرواية التي جرى الأخذ بها في المغرب، كما يعني أيضا التدرج في باب طلب القراءات، كما هو الشّأن بالنسبه لجميع العلوم الأخرى، ويعني أيضا عدم الخلط بين الروايات، واحترام اختيارات المغاربة، وهذا ملحظ قوي، وفهم صحيح، وراي سديد في باب التربية والتعليم.

ومن شدة حرصه على هذه الرواية، كان لا يسمح للمبتدأ ان يبتدا برواية من الروايات إلا إذا أتقن رواية أهل البلد.

وانتسابه لهذه الرواية، واشتهاره بهذا الاسم “ورش” ليس زورا وبهتانا وكذبا، أو من باب الظهور والسمعة والرياء، وإنما من باب احقاق الحق، ومن باب الاعتراف بالواقع، فقد عرف عنه ضبطه الكبير لهذه الرواية، نظريا وتطبيقيا، أما من الناحية النظرية فهو ملم بجميع الأحكام المتعلقة برواية ورش عن نافع من طريق الأزرق، بكل اوجهها، وتحريراتها، وفروعها، فلا تكاد تمر على وجه خلافي في الاقراء إلا واوقفك عنده حتى تأتي بكل ما يتعلق به، وان فاته شيء من ذلك، أو نسيه سأل عنه من يثق فيه وفي علمه وإتقانه من اهل هذا الفن، وهذا من تواضعه رحمه الله تعالى.

وربما ذكرك به في حصة أخرى من أجل أن يوقفك عند الوجه المختار.

أما من الناحية التطبيقية والعملية فكل من جلس بين يديه يستحضر جيدا كيف كان الشّيخ لا يتسامح في مد، ولا ادغام، ولا قلقلة، ولا ترقيق او تفخيم، ولا قاعدة واحدة من قواعد التجويد، وخاصة ما يتعلق برواية ورش عن نافع من طريق الأزرق، بل كان الشّيخ يتفاعل مع الطالب وهو يستظهر عليه، ويعدد له حركات المد بأصبعه، وقد يستعمل معه بعض الأحيان ضربا خفيفا إن على كتفه، أو على ظهره، أو على يديه، وطبعا ضرب الشّيخ الرحيم بطلبته. وقد يحدث الشّيخ بلجة في حلقته بفضل الحركات التي يقوم بها، والأفعال التي تصدر منه أثناء قراءة الجزء المقرر مع احد طلبته، وتجد تفاعلا ونشاطا وحركية أثناء حصته، وخاصة مع بعض المبتدئين، ممن يجدون صعوبة كبيرة في إخراج الحروف من مخارحها، من ذوي التعتعة واللثغة، ولا شك أن هذه بيداغوجيا كان يتميز بها الشّيخ ويتفرد بها.

5 الجمع بين العلم والعمل:

مما أنعم الله به على الشّيخ واكرمه به، ان جمع بين علم الظاهر وعلم الباطن، كما يعبر أهل التربية والسلوك، فكان رحمه الله تعالى قارئا متدينا متنسكا، محافظا على الوجبات، مكثرا من نوافل الخير، وكل من عاشره وجده إماما في الزهد والتقوى، فلا يكاد يفوته قيام الليل، محافظا على اوراده، اما الصّلوات في وقتها ومع الجماعة فهذا مما لا يناقش في حياته رحمه الله تعالى، ولسانه لا يفتر عن ذكر الله، قوام بالليل، صوام بالنهار، ذاكر الله تعالى في كل احيانه، مؤديا الفرائض، مجتنبا النواهي، متحليا بمكارم الأخلاق، مجتنبا لسفاسفها، جامعا بين الشّدة والحزم، مع لطافة بطلبته وشئ من المزاح الذي لا يذهب بهيبته ولا يفقد كرامته.

وفي جملة: فقد كان وقافا عند كتاب الله تعالى، ممتثلا لاوامره، مجتنبا لنواهيه، متحليا بأخلاقه، متصفا باوصافه.

وختاما:

فإذا كان الكبار يخلدون اسماءهم من خلال المنجزات التي انجزوها، سياسية كانت، أو اقتصادية  أو اجتماعية، فإن العلماء والمصلحين خلدوا ذكرهم من خلال مؤلفاتهم وكتبهم وعلمهم، ومن خلال الأجيال التي علموها واحيوها وانشؤوها.

وإذا كان بعض علماء الأمة يذكرون بعد موتهم بسبب كتبهم، فإن الشّيخ رحمه الله تعالى ترك مجموعة من الطلبة بمثابة نسخا وكتبا، منتشرين في شتى المدن والقرى، داخل المغرب وخارجه، يحملون لواء العلم والتربية، وهم الدعوة والاصلاح، ما بين إمام من ائمة المساجد، واستاذا لمادة التربية الإسلامية، والشريعة والفقه والقانون، والطب والصيدلة، والقضاء والادارة، والحرفيين والصناعيين، فقد اخرج الله على يديه عددا كبيرا من طلبة القرآن الكريم، يحفظون كلام الله، ويتقنونه: أداء وتلاوة، وفهما وتنزيلا، وقد اجرى الله الفتح على يديه، فكل من جلس في حصته الا ونالته بركته، وسهل الله له حفظ كتابه.

فرحمه الله رحمة واسعة، واسكنه الفردوس الأعلى من الجنان، وجعل الله القرآن العظيم  في قبره مؤنسًا، وعلى الصّراط نورًا، والى الجنة رفيقا، وفي القيامة شفيعًا، كما نسأله أن يجزيه عن طلبته وعن الإسلام والمسلمين دخول الجنة، ومراففة الأنبياء، وورود حوض النبي صلى الله عليه وسلم.

والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرًا وباطنًا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليمًا كثيرًا.

آخر اﻷخبار
3 تعليقات
  1. الحمد لله كانت بدايتي مع القران على يد شخنا الفاضل في مسجد بوكار و اشهد الله انه كان محبا للقران و اهله . كان بمثابة الاب المعلم لتلامذته ، كان رحمه مخلصا متقنا لعمله يبتغي وجه الله . ابتلي الشيخ بفقدان صوته في شبابه وكان انذاك اماما قارئا حسن الصوت. فلم يثنه هذا البلاء العظيم على مواصلة المسير و التميز في تلقين القران وتعليمه .رحم الله شيخنا الفاضل وجزاه عنا خير الجزاء و اسكنه فسيح جناته

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
11°
20°
الأربعاء
17°
الخميس
17°
الجمعة
16°
السبت

كاريكاتير

كاريكاتير.. لماذا هذا أفضل من هذا الذي يملك الكثير؟!

حديث الصورة

صورة.. هنا وقعت فاجعة طنجة!!