رمضان شهر انتصارات

12 مايو 2020 09:37

هوية بريس – د. عبد الله البوعلاوي

أستاذ الفكر والعقيدة بكلية الآداب بني ملال

يعتبر رمضان قوة دافعة إلى التغيير الإيجابي، فهو شهر الارتقاء بالنفس إلى أعلى مراتب الإرادة والأخلاق الإنسانية، ففي شهر رمضان يتوازن باطن الإنسان بظاهره، وتتوازن فطرته مع وجوده، وتتطهر الجوارح من كل الأمراض المعنوية، فتسمو النفس بالصوم إلى المعالي لتتجاوز هموم البطن والشهوات، وتأنس برب البريات. ولو أمعنا النظر في شهر الصيام لوجدنا أنه تحول من شهر الانتصار على الشهوات إلى شهر الإسراف في أنواع الشراب والطعام والمأكولات، فجانَبْنا الحكمة من الصيام، وأعتقد أن الله تعالى ما كان ليفرض علينا شهرا كاملا من الصوم، ويرغبنا النبي صلى الله عليه وسلم في أعمال البر كلها، ثم بعد ذلك يكون هباء فارغا من مقصد حقيقي، ومن مهمة تعود بالنفع على الإنسان في جانبه الروحي والمادي، ثم أنه لا يمكن أن يتصور العاقل أن يكون الغرض من الصيام مشقة وكلفة على الناس، والله تعالى يقول بعد الحديث عن آيات الصيام:  “يريد الله بكم اليسرَ ولا يريد بكم العُسر”[1]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: “رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَر”[2]، وأتصور أنه لو أدَّينا الصيام بروحنا وجوارحنا، وفَقِهنا أبعاده الروحية والمادية معا، لانعكس ذلك في سلوكيات الفرد والمجتمع والأمة.

في السابع عشر من كل رمضان يدور الحديث حول الانتصارات، ويتعلق الأمر بانتصار المسلمين في غزوة بدر بعدد قليل بثلاث مائة وبعضة رجل على عدد كبير من كفار قريش، والمعارك التي حدثت في رمضان وانتصر فيها المسلمون رغم عدم توازن القوى في العدد والعدة. إن ما يُحدِثُه الصيام من تغيير إيجابي في الحياة الروحية يقوي العزائم على كبح جماح هوى النفس والشيطان، حيث تتطهر النفس من رعوناتها، فترتقي إلى المعالي في نصرة قوة الحق، فتتجدد الإرادة  في النفوس بالتمسك  بأوامر الدين، يقول الله تعالى:  وَأَن تَصُومُوا خيرٌ لَكُم إِن كُنتُم تَعلمُونَ”[3].

إن هذه الانتصارات انطلاقا من بدر ومرورا بفتح مكة وفتح الأندلس ومعركة بلاط الشهداء، وفتح عمورية، وحطين وعين جالوت ونهاية بحرب أكتوبر العظيمة، تُوجت بطهارة النفس وإقبالها على خالقها، فتزداد يقينا بوعده، بتحقيق النصر، يقول الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ”[4]، فرمضان موسم يشحد الهمم إلى المعالي والفاعلية ويقظة الضمير، لكنه للأسف الشديد أصبح رمضان عند أغلب الناس موسما للدعة والكلالة عند المنهزمين نفسيا وروحيا، حيث ضعُفَت هممُهم وتعلقت بما يُشبع بطونهم، يحسبون كلَّ صيحة عليهم، فضاعت قضايا الأمة. إن نزول القرآن في رمضان، غايتُه صناعة الإنسان، وتجاوز شعورِه بضعفه وآدميته إلى تحرير نفسه من شهواتها ورغباتها والشعور بانتمائه إلى عالم الغيب، إنه شهر يقظة الضمير وإعادة تنزيل القرآن في واقع الناس ليستأنفوا دورهم في الخيرية بالأخذ بمهمة الاستخلاف في الأرض.

إن الانهزام النفسي والروحي أورثنا الخنوع والذلة في كل شيء، فحولنا شهر الصيام، شهر توليد المعرفة القرآنية ودراسته وتحقيق الإنتاج القرآني، إلى تلاوة عقيمة لا تتجاوز الحناجر، لا تتأثر بمنهجه ولا برؤيته للإنسان والكون، فآثرت العقول الإنتاج الفكري الساقط على الجهد العقلي الناقد لكل ما يُعرض عليه.

ليس عبثا أن ترتبط انتصارات المسلمين برمضان، بدءًا من عزوة بدر، التي ميزت الحق من الباطل والإيمان من الكفر، معركة انتصرت فيها كلمة التوحيد على الآلهة المزعومة، هذه المعركة تدخلت فيها السنن الإلهية والعناية الربانية “وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ”[5]. هكذا هو دأب الحق ينتصر على الباطل وإن قل حملتُه، وهي سنة الله تعالى في عباده، وبذلك يدرك المؤمن معية اللهِ لعباده وتأييده لهم، وليس بكثرة العدد والعدة، فالله تعالى أمر عباده بالأخذ بالأسباب وإعداد العدة اللازمة بالاستطاعة، وليس من الضروري أن تكون مكافئة العدة لأهل الباطل، يقول الله تعالى: “وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ”[6]، و”هذا تكليف من الله تعالى لعباده المؤمنين الذين يجاهدون لإعلاء كلمته بضرورة أن يعدوا دائماً قدر إمكانهم ما استطاعوا من قوة، لأن وراء قدرة المؤمنين قدرة الله سبحانه”[7].

إن رمضان وسيلة لشحن النفس بالإيمان، فصيام رمضان على الوجه المطلوب يؤدي دوره الأساسي في تحقيق الانتصار في صورته الشاملة، ويقضي على جوانب الضعف في النفس فيعطيها قوة ورغبة في إعلاء قوة الحق وإزهاق الباطل، فتَصبرُ وتثبُت أمام الابتلاءات والمحن، لذلك فنحن في حاجة إلى فقه الصيام المؤسس على أبعاده الروحية والكونية.

إن ملة الضلال و الفكر التضليلي واحدة تصنع الفكر الترابي الصلصالي، التي تنظر إلى الإنسان نظرة دونية تساوي، فتختزله في جانبه الطيني المادي، فتسعى في تحقيق رغبات جسده دون جانبه الوحي، لذلك سيبقى هذا الإنسان يجري وراء سعادة زائفة.

وإذا أرادت الأمة الإسلامية ورحمةً بالإنسانية وليس بالمسلمين فقط أن تحيا بإنسانيتها كما أمر الله تعالى بالتعارف والتعايش بالتصور الإسلامي أن تتمسك بأوامر الدين وتنشر قيَّمه رحمة بالعباد، إن الأمة المسلمةَ حقًّا تستمد قوتها وانتصارَها من الله، ولقد كانت مؤيَّدةً من قِبل الله، لا تخاف فيه لومة لائمٍ، فسحقت الشرك وأهله، وحققت انتصارا بفتح مكة في السنة8ه في رمضان، فدخلت وهدمت الأصنام التي كانت بداخلها وخارِجها، ورُفع الصوت بقول الله تعالى: “وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا”[8]،  ففي  فتح مكة تجلت كل مظاهر القيم الإنسانية والأخلاق العالية من طرف رسول الله  صل ى صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين عفوا وصفحوا عمن أساء إليهم عندما  كانوا قلة مستضعفين، وليس كما يصنع العدو ويفعل اليوم بالمستضعفين بأنواع الإهانة التي لا تتصل بالإنسانية في شيء من تنكيل وقتل وحرق للمكتبات وإتلاف الأراضي والقضاء على العِرض والنسل بدعوى تحقيق الديمقراطية والحرية.

يصقل الصيام النفس ويطهرها من الأدران، فتزول أسباب الهزيمة القوى السلبية عن الروح لتحل محلها القوى الفاعلة الإيجابية، يقول الله تعالى:”وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً”[9]، إنه وعد من الله للمؤمنين في كل زمان ومكان بالاستخلاف في الأرض والتمكين والأمن، إن هم حققوا شروط الخيرية والاستخلاف في الأرض، “وَلَن يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ”، فمن يُقيمُ الدينَ في نفسه يَقُم في واقعه، ومن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتمسك بمنهج القرآن الكريم في حياته، لن يضِلَّ أبدا ولن يهلِكَ أبدا”[10].

إن النصر يبدأ أولا بالانتصار على النفس، وإن الإنسان السلبي الذي استسلم لشهواته نفسه، وينتظر حلولا طوباوية، ولا يدافع الأقدار ولا يعمل بالسنن الإلهية والكونية، يمثل ثغرة تنخر المجتمع، ويكون سببا لهزيمة في ذاته، وهزيمة  لمجتمعه وإن صام وأقام الليل وتلا القرآن الكريم، لأن صلاحه لا يتجاوز عتبة تفكيره الذاتي،  ثم يرفع يديه إلى السماء  فلا يستجاب له، لأنه لم يحقق شروط قَبول الدعاء، ويولي وجهه قبلة من يملكون الزعامة الحضارية، فيدخل بذلك في حجر لا يستطيع الخروج منه إلا بالعودة الصادقة إلى الله تعالى والقيام بالشرائع الدينية في بعدها الروحي والوجودي، فالنصر انتصار على النفس واستسلام لله في الأمر والنهي في شؤون الحياة كلها، ومخالَفَة الهوى والشيطان، وإلا فالنصر يكون ظلما للمستضعفين وقهرا واستخفافا بإنسانية الإنسان، كما تصنع القوى المتغطرسة، فهي جاهلية تنتصر على جاهلية.

إن التأمل في مشاهد بدر وغيرها من الغزوات والمعارك التي قادها المسلمون في رمضان، نستفيد منها معية الله تعالى وتأييده لعباده المؤمنين، يقول الله: “إِنَّ اللهَ مع الذينَ اتَّقَوا”[11]، وتعلمنا قيمة الأخذ بالأسباب الممكنة مع التوكل على الله تعالى، وتعلمنا أيضا أن قوة الاستقامة على الدين وقوة الإيمان سبب في الاستخلاف في الأرض والتمكين فيها.

إن شهر رمضان بلا منازع شهر يقوي العزيمة والإرادة، شهر الانجازات، شهر   تنتصر فيه النفس على جميع الأمراض المعنوية العالقة بالنفس من إفراط في الشهوة والملذات والبخل والشح وسوء الخلق والدعة والإمعة والانهزامية وكل ما يتعلق بالجوارح إلى مشاركة الناس في أحوالهم الاجتماعية والإحسان إليهم معنويا وماديا. يمنح الصيام الأمل في الاستخلاف والتمكين الذي وعده الله عباده المؤمنين “ويومئذ يفرح المومنون بنصر الله”[12].

إن أحداث بدر تعلمنا درسا عميقا في موازين القوة، وتكشف لنا حقيقة أسباب النصر وأسباب الهزيمة، “ألا وإنها لكتاب مفتوح تقرؤه الأجيال في كل زمان وفي كل مكان، لا تتبدل دلالتها ولا تتغير طبيعتها. فهي آية من آيات الله، وسنة من سننه الجارية في خلقه، ما دامت السماوات والأرض.. ألا وإن العصبة المسلمة التي تجاهد اليوم لإعادة النشأة الإسلامية في الأرض – بعد ما غلبت عليها الجاهلية – لجديرة بأن تقف طويلاً أمام (بدر) وقيمها الحاسمة التي تقررها؛ والأبعاد الهائلة التي تكشفها بين ما يريده الناس لأنفسهم وما يريده الله لهم”[13]. يريد الله تعالى ليحق الحق، ويبين للفئة المؤمنة من خلال غزوة بدر، أن تمضي بكل عزم وثبات في مواجهة الضلال مهما تملك هذه الفئة من قوة مادية، وتعلم أن النصر من تدبير الله تعالى ومن توجيهه، وأنه كلما توفرت القيم الروحية والأخلاقية واكتملت تكرر النصر للفئة المؤمنة وإن كانت قلة.

إن الأحداث التي سبقت بدر بقليل والحوار التي صدر من المهاجرين والأنصار ومواقفهم القوية في نصرة الحق وأقوالهم التي تدل على صدق الإيمان، تخلت العناية الربانية لتطفئ من حرارة الاضطراب وطمأنة قلوبهم “إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ”[14]. والتقى الجمعان وانتصر الحق على الباطل.

ويستمر درس بدر لتستوعبه القلوب الضعيفة لتبحث عن وسائل تقوية الإيمان التي يحقق المصر الحقيقي، لأن النصر لا معنى له، إن لم  يقم على منهج الله وعلى طاعة الله تعالى، فكل نصر هو نصر لله ومن الله وفي سبيل الله، وأن ميزان النصر بعد الأخذ بالأسباب المادية والنفسية المتاحة، يتحقق بتدبير الله تعالى.

نستوعب درسا آخر من بدر، أن الولاء لله ولرسوله قيمة أخلاقية تتجلى  في حياة الإنسان الروحية والمادية معا، فالمؤمن في حياته كلها يبذل ما بوسعه وطاقته، ويمضي ويقبل على الله تعالى غير مدبر في إعلاء كلمة الحق، وينصر الحق في سره وعلانيته في السراء والضراء، ولو كان وحيدا، ويترك مجال التدخل للقدرة التي تنتظم لها السموات والأرض ومن فيهم ليتحقق معها “كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ”[8][15]. لكن عندما نتخلف على كتاب ربنا بالعمل على الحقيقة، وتغيب القيم الروحية والأخلاقية لتحل محلها القيم المادية النفعية، فالغلبة والنصر يكون بجانب الأخذ  بالأسباب المادية، فيكون النصر نصرا للجاهلية على أخرى، فيأخذ الله تعالى المؤمنين بالسنن الكونية الجارية، ويعاقَبوا بسبب تفريطهم لعلهم ينتهون عما آلوا إليه من تخلف عن أسباب النصر، وإما يرضون بالذلة والتبعية لغيرهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  سورة البقرة  الآية

[2]  مسند الإمام  أحمد، 14/445

[3]  سورة البقرة الآية …

[4]  سورة محمد الآية 7

[5]  سورة الأنفال الآية 7-8

[6]  سورة الأنفال الآية 60

[7]  خواطر الشعراوي

[8] سورة الإسراء الآية 81

[9]  سورة النور الآية 55

[10]  انظر السلسلة الصحيحة للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، 2/338

[11]  سورة النحل الآية 128

[12] سورة الروم الآية 4

[13]  في ظلال القرآن، لسيد قطب رحمه الله،3/ 1482

[14]  سورة الأنفال الآية 11

[15]  سورة البقرة الآية 249

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M