رَهـج المـَولِـد..!!

22 ديسمبر 2015 17:22
رهج المولد

سيف الدين العسكري

هوية بريس – الثلاثاء 22 دجنبر 2015

لعلّك رأيتَ من رَهج “المولد” ممّا شُحن به كل مُحتفَل وأَطّ به كل نَاد، وإنها لردغة مُستوحِلةٌ غاصّة من آفات العلم والعمل -و الله العاصم-، فَهَاك سَنحات علميّة على هيأة الصُّوى الوَقّادة، والله أسأل أن يُودِعها مِنك قلبا واعيا:

– ليس القصدُ تقرير المذهب في حكم “المولد”، وما تجد من كلامٍ يستوي في القول بِه كل أحد.

– من لَسْعة الجهل ورُعونة النّفس عند كثير من القَائلين بالبدعيّة ظنُّ مجرّد القَول بها مُوجبا لأفضليّة الدّرجات بين الأعيان، فالمُواقع للبدعة -في ظنّه- مُتَسفّل عن عَليّ الدرجات عند الله، وهو يَفضُلُه إذ لم يُحدِث، وهذا تلبيس من الشيطان عظيم، بل قد يُجري الله للعبد المحتفِل بالمولد أجرا عظيما ودرجاتٍ منه ومغفرةً ورحمةً، وذلك لما يحصل في قلبه من التّعظيم للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم، لا لذات الاحتفال.

ولا يرِد على هذا -يرحمك الله- أصلُ ردّ ما لم يكن عليه أمر الدين، من مثل قوله صلى الله عليه وسلم للذابح قبل صلاة الأضحى: “شاتُك شاة لحم”، فإن الرد لذات العمل، والقَصدُ من خارج، ومما يُستدل به في هذا الباب حديث من وصّى أهله إن هو مات أن يحرقوه ثم يطحنوه ثم يذروه، فذاتُ فعله مُنكر، إلا أنّ الله غفر له لما قَام في قلبه من خوفه سبحانه.

وحُب النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه عمل صالح قائم، للمكلف أجره استقلالا دون الاتباع، قال الله تعالى: “إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا“، وقال النبي في مُدمن شرب الخمر: (لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله).

قال شَيخ الإسلام رحمه الله: “فتعظيم المولد، واتخاذه موسمًا، قد يفعله بعض الناس، ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده، وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم”.

– حَشد أدلة الشرع، وآثار خير القرون، وكلام الأئمة، في ذمّ البدعة والمبتدِعين في مَقام بيان حكم “المولد” مما يجب أن يُقدر قدره، ويُضبط بضابطه، فالمسألة اجتهاديّة لا يكون لمثل ذلك فيها موضع، ولَيس كلُّ من قال بها كان متساهلا في باب البِدع أو مُفرطا في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما يُجعل ذلك لمن اختل عنده ميزان الشّرع في هذا الباب، فَطوعّت له نفسه فتح باب الإحداث في الدّين، وهو في ذلك يَعشُو إلى نور خَافت من أنوار العلم والأَثر، طمسه حَنْدس الجهل والقول في الدين بالتَّشهي.

وأَهمِل من يُراوِح المسألة بين أهل البدعة وأهل السُّنة طَردا لذاتها، عادًّا إياها من “أُصول المنهاج”!

إجعَلهُ هَمَلا كأن لم يُخلق!!

-إِن كنت ممن لم يُحكم المسألة بحثا وتحقيقا فَأقبل على شَأنك ودعك مِن هذا، ولا تَكن خائضا مع الخَائضين، وإنَّ رجلا يُخالفني أراه مُقارفا بدعة، وهو في ذلك مقيمٌ لها عَلى بناء عِلميّ مَتين، خير من إمّعة جَاهل تراه يَزعق مع الزّاعقين!، وكثير من الثّرثارين في هذا البّاب لو جُعلت أَمامه أدنى “شُبهة” لكان لسانه مُضغة لحم في حَوبة حَنكه ساجيا لا يُبين!

-كُن حكيما في دعوتك ذَا أَرابة، مُمعنا النّظر في حال المدعوين، وفي هذه خُذ نصّا غَميسا لشيخ الإسلام أبي العبّاس -أَمدّ الله بالرحمات مضجعه-: “واعلم أن من الأعمال ما يكون فيه خير، لاشتماله على أنواع من المشروع، وفيه أيضًا شر، من بدعة وغيرها.. فعليك هنا بأدبين:

أحدهما: أن يكون حرصك على التمسك بالسنة باطنًا وظاهرًا، في خاصتك وخاصة من يطيعك. وأعرف المعروف وأنكر المنكر.

الثاني: أن تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكان فإذا رأيت من يعمل هذا ولا يتركه إلا إلى شر منه، فلا تدعو إلى ترك منكر بفعل ما هو أنكر منه، أو بترك واجب أو مندوب تركه أضر من فعل ذلك المكروه، ولكن إذا كان في البدعة من الخير، فعوض عنه من الخير المشروع بحسب الإمكان، إذ النفوس لا تترك شيئًا إلا بشيء، ولا ينبغي لأحد أن يترك خيرًا إلا إلى مثله أو إلى خير منه.. كما قدمته لك أنه يحسن من بعض الناس، ما يستقبح من المؤمن المسدد.. فتفطن لحقيقة الدين، وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية، والمفاسد، بحيث تعرف ما مراتب المعروف، ومراتب المنكر، حتى تقدم أهمها عند الازدحام، فإن هذا حقيقة العلم بما جاءت به الرسل، فإن التمييز بين جنس المعروف، وجنس المنكر، أو جنس الدليل، وغير الدليل، يتيسر كثيرًا.

فمن تعبد ببعض هذه العبادات المشتملة على نوع من الكراهة: كالوصال في الصيام، وترك جنس الشهوات، ونحو ذلك، أو قصد إحياء ليال لا خصوص لها: كأول ليلة من رجب، ونحو ذلك، قد يكون حاله خيرًا من حال البطال، الذي ليس فيه حرص على عبادة الله وطاعته”.

والله مِن وَراء المَعونة..

آخر اﻷخبار
3 تعليقات
  1. لماذا كل هذا التكلف ؟ هون عليك وانزل من برجك
    متى ظهرت هذه البدعة ومن أحدثها ؟ وفي أي بلد ؟ ومتى خرجت من ذلك البلد ؟ وكيف كان الاحتفال آنذاك ؟ ومتى تكلم عنها ابن تيمية ؟ ثم كيف أصبح في أيامنا هذه ؟ فهل يعقل أن تستدل بكلام ابن تيمية عن ما يحدث في زمننا هذا ؟
    ثم دع ما في القلوب لعلام الغيوب ، يؤجر أو يؤزر .. أقبل على شأنك ودعك من هذا ..وتكلم على ما تراه يحدث في الزوايا والأضرحة ، فذلك أولى .. أو اجعل لسانك مضغة لحم ، ولا تلبس وتداهنهم وأنت عندهم -من شكلك- وهابي جلف ..

  2. بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله،
    إلى صاحب المقال : احترت من مقالك ثم انتبهت أن الحيرة مآل القارئ للمقال، ولولا حسن الظن لقال قائل هي مبتغاك، وقد أدرجت في مقالك من المتناقضات ما أوجب التعقيب ( المقتضب ),
    – متى كان الاعتذار لجاهل وقع في محظور أو مكروه أو كفر حتى مانعا من بيان حكمه الشرعي ؟
    – أقوال ابن تيمية في حكم الاحتفال مبثوثة معروفة، والتماسه العذر لمن احتفل بالمولد جاهلا أو متأولا لا يعني إقراره بجواز الاحتفال، وانظر صريح عبارة ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم : “… فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيرًا محضاً أو راحجاً لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا,” إلى خر كلامه، ولولا الاقتضاب لأوردت مزيدا من كلامه.
    (يتبع)

  3. (تتمة)
    -قولك :”وإنَّ رجلا يُخالفني أراه مُقارفا بدعة، وهو في ذلك مقيمٌ لها عَلى بناء عِلميّ مَتين …”: تبدو منه الحيرة يأخي هداك الله، فكيف تقر له بالبناء العلمي المتين ثم تخالفه ؟ فإما أن تتبعه إذا تبين لك الحق من كلامه أو ترده عليه إن استطعت سبيلا، فجمهور أهل العلم على أن الحق واحد لا يتعدد.
    -اكثرت يأخي من “القدقدات” إن صحت العبارةـ ولا يعلم نية العبد إلا خالقه، فقد يثيبه وقد لا يثيبه، وليس هذا من العلم في شيء، ولم يقل القائل ببدعية الاحتفال بالمولد بوقوع البدعة على أعيان المحتفلين، والقاعدة المشهورة عندهم :”ليس كل من وقع في البدعة وقعت البدعة عليه”.
    وكما قال كاتب التعليق الأول : “هون عليك”. فإن تزويق الكلام وتنميق العبارات ليس مبتغى في حد ذاته بقدر ما هو مطية لبيان الحق والدلالة عليه، وكان أولى بك بيان بطلان ما يقع في الزوايا والأضرحة.
    و لعل الوقت يسع لمزيد من التعقيب في القريب.
    والله اعلم

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حديث الصورة

صورة.. من هنا مر الفرنسيون أصحاب "السترات الصفراء"!!

كاريكاتير

كاريكاتير.. مناظرة بين الكتاب والهاتف