سعي فرنسا لإنشاء خلافة إسلامية غربية

12 يوليو 2020 18:42

هوية بريس – ذ.إدريس كرم

تقديم

بعد بسط الحماية الفرنسية على المغرب سنة 1912 اعتبرت فرنسا بأنها أكبر دولة إسلامية ومن حقها إنشاء خلافة إسلامية بدل الخلافة العثمانية، مقترحة سلطان المغرب كخليفة باعتباره من آل البيت، وقد خطط لذلك مقيم فرنسا بالمغرب ليوطي الذي يعتبر (رائد السياسة العربية الفرنسية) كما جاء في كتاب lyautey le resident الصادر سنة 2014 وفي مجلة العالم الإسلامي الصادرة في أواخر العشرينيات المتعلقة بالموضوع والتي سبق لنا تناول موادها في مقالات سابقة نشرت في “هوية بريس”.

………………….

في سنة 2014 أصدر كيوم جبين كتابا بعنوان “ليوطي المقيم”

“المغرب ليس سوى مقاطعة في حلمي” هذا ما قاله ليوطي الذي كان مقيما عاما بالمغرب بين 1912-1925، مقاطعات أخرى كانت في أحلام المقيم العام أقل شهرة بما في ذلك الرؤية لعموم العرب في السياسة الإستعمارية الفرنسية، لكن اليوطي لم يكن أول سياسي فرنسي في أعلى مستويات المسؤولية الفرنسية كشف عن تقاطعات هذه السياسة فقد سبقه النابوليان (مفرد نابليون) في القرن التاسع عشر، لكن الذي كشف عنها بفعالية وعقلانية هو ليوطي بيد أنه مع الأسف لم يكن لها تداعيات ملموسة.

عروبة القلب:

ابتداء من سنة 1877 أول زيارة قام بها ليوطي للجزائر كسائح سحر بالأبعاد العربية للثقافة المغربية المنضبط ارتباط مخططها السببي بالأبعاد السياسة للإسلام في تقليده الثقافي بالعالم المعيش للجزائريين.

وعندما سيصبح لاحقا حاكما عسكريا بوهران ومقيما بالمغرب، سيجد نفسه في وضعية معارضة لواقعية سياسية تهدف لفصل البرابرة عن القبائل العربية المتشابكة بشكل حقيقي لأكثر من ألف عام سكانيا وثقافيا.

الإسلام كأداة للسلطة

كما أن الإسلام مرتبط جوهريا بالعالم العربي فإن السياسة عند ليوطي ارتبطت بدورها بالإسلام، عكس ما كان قبل دخوله كموظف سامي في إفريقيا الشمالية سنة 1907 حيث كانت أبعاد السياسة الإسلامية عند الفرنسيين تكاد تكون معدومة، وقد استمر ذلك التوجه طيلة عمله بالمغرب لمدة 13 سنة كمقيم عام بالرباط.

سجلت الإقامة العامة في السنوات الأولى من 1920 تحركات للتأطير الوطني قادمة من الشرق عبر صوت السوري شكيب أرسلان الوطني الدرزي الذي صرح بعد بضع سنين من مغادرة ليوطي الإقامة العامة بقوله “ليوطي عدو لا يرتكب أفعالا مشينة، فهو من وجهة نظر أهلية من أخطر الفرنسيين الذين عرفتهم إفريقيا الشمالية، لأنه الأكثر نضجا، فقد عرف بحكمته الهادئة العرب، وجرهم بكل الوسائل نحو فرنسا، كما دبر بشكل جيد احترامهم لذاتهم، وقتل استقلال المغرب من غير إذلال”.

فقط تنمية روابط ثقافية ودينية غير مسيسة بتشجيع وتأطير من قدور بن غبريط الجزائري الذي يعتبر الرقم الثاني الحقيقي للحماية المعول عليه من قبل الإقامة.

في 1915 بضع آلاف من المغاربة أقاموا في القاهرة؛ في فاس الجريدة المصرية المعربة (المنار) لم يتجاوز مشتركوها الخمسين حسب مصطفى بوعزيز جامعي بالدار البيضاء.

الوحدة العربية ليست حقا عامل نشوء الوطنية بالمغرب، بل ستظهر بسبب حماقة مرسوم إنشاء نظام قضائي بانفصال البرابر المغاربة.

مساندة العرب ضد الأتراك

أول اختبار حقيقي نشيط من ليوطي لصالح سياسة العرب بقي في مجال الخيال بالرغم من مساعدة الفرنسيين للإنجليز لاختراق الحجاز في الحرب العالمية الأولى ودعم الشريف حسين عسكريا لإضعاف الأعداء العثمانيين، بيد أن الفرنسيين ضويقوا من قبل الإنجليز ولما صار ليوطي وزيرا للحرب سنة 1916 سيعمل على تنشيط الدور الفرنسي في الحجاز.

أسطورة لورانس العرب

لورانس مع الأسف هو الوحيد الذي كانت له ذكريات جزئية وممجدة للذات متعلقة بالاختراق الأنجلو فرنسي للحجاز، لقد بقي الجزء الفرنسي من الصراع ضد تركيا غير معروف في الوقت الذي لم يبخل ليوطي بالموارد اللازمة لذلك.

لقد أرسل تحت قيادة اثنين من نوابه المباشرين بن غبريط والكولونيل بريموند مع مجموعة من الضباط السامين الأهالي ذوي المكانة الرفيعة مغاربة وجزائريين المتواجدين في قواعد إفريقيا الشمالية.

قدور بن غبريط بناء على تعليمات سرية من ليوطي سيقوم بدور سفير غير رسمي لفرنسا في مكة، خاصة كممثل حقيقي سياسي وديني للملحق الفرنسي.

لقد رافق كل من الكولونيل بريمند المسؤول الثاني العسكري للمقيم العام بالرباط وبن غبريط كما سبقت الإشارة له خمسين ضابطا وضابط صف جزائري ومغربي لجدة.

بعد ذلك سيبعث بنغبريط خفية باقتراح من ليوطي على الحكومة الفرنسية للمشاركة بالمؤتمر الإسلامي في مكة سنة 1926، وذلك لإضفاء الطابع الرسمي على حضور المسلمين بفرنسا في المؤتمر.

وبتحريض من ليوطي سيتم إلحاق بنغبريط بمكتب وزاري من أجل إقامة مسجد بباريس والإشراف على معهد العالم الإسلامي بنفس المدينة التي شهرت فكرته سنة 1841 ووضعت قيد التنفيذ سنة 1916، ومولت من قبل الأحباس المغاربية التي كانت تحت مراقبة فرنسا.

المغرب نقطة دعم السياسة العربية لفرنسا

الحماية بالمغرب ليست إلا واجهة سياسية وقانونية تسمح للنخبة المغربية بعدم “ضياع الواجهة” فيما يمكن القول باعتباره ملحق استعماري للعمالة (من عميل).

في الواقع مارس ليوطي السلطة بالكامل من 1912 إلى 1925 تحت شكل حكومة حقيقية رسمية بحيث لم يكن يغيب أي شكل منها في الإدارة الخارجية لتعيين كل موظفي الدولة لكن المقيم لم يرد لعب هذه الورقة كموظف، إنما ينميها ويطورها باسم السلطان بشكل موسع عالميا بكفاءة بالاعتماد عند الحاجة على العلاقة مع طنجة والمنطقتين الإسبانية والعربية التي توجد بها الأماكن المقدسة للإسلام ولم يرد تغيير شيء في طبيعة الحماية لكن فرنسا تريد الاستفادة من مكانة دولية في إفريقيا الشمالية وفي العالم العربي والإسلامي.

ليوطي لم يكن يتمنى لا هو ولا المسؤولين الأهالي للمستعمرة الأوروبية سوى وضع سيادة مغربية على نفس النسق.

بالنسبة له السلطان مقدس وشرعي، أحلام عظيمة يريد من بلده أن تتبناها “إنها أيضا تخيل تأسيس علاقة مع المغرب”؛ كتب جيوفرويgeoffroy الذي تابع “لقد توسل في 1922 من أجل إقامة فدرالية فرنسية عربية للبلاد المتوسطية وطلب بأن يكون المغرب إما من الموقعين على معاهدة فرساي ولاحقا يمكن للبلد الانخراط في عصبة الأمم وهو ما لم يتم بسبب تحفظات بريطانيا”.

مشروع خليفة الغرب

ما هو الوضع الأخلاقي في مسألة السلطة الأخلاقية بالنسبة للمسلمين في 1919 حول قضية الحرب العالمية الأولى؟

في سنة 1916 بعث بممثل فرنسي سفيرا للعربية قرب الشريف حسين، سلطان تركيا اختفى والهاشميين قاتلوا ضد الوعود الكاذبة.

أية سلطة شريفة؟ بمعنى تنحدر من الرسول بقيت؟ ليس هناك إلا سلطان المغرب.

ليوطي حذر الحكومة من صعود قوة العرب تحت مراقبة البريطانيين.

“فرنسا لها الحق في أن تكون قوة إسلامية كبيرة”، الهالة التي أعطيت للانطلاقة هي تنشيط الصراع ضد الأتراك بجانب لورانس العرب، وضعه كقوة احتلال لشمال إفريقيا لكنه أخفق على مستوى المخطط السياسي مما ضيع الفرصة لإقامة سلطة أخلاقية في العالم الإسلامي أو على الأقل العرب.

محمد الخامس (السلطان وقتها هو مولاي يوسف وليس محمد الخامس) الذي كانت له لهجة جيدة ليوصف بأنه غير مذنب أخطأ عندما انتهز الفرصة وقدم نفسه كـ”أمير المومنين” لإخوانه المسلمين.

ليوطي لم يتمكن من الحصول على موافقة اللجنة المشتركة بين الوزارات لشؤون المسلمين والوزير جولي كامبو على مشروعه المتعلق بخليفة الغرب يمكن من إنشاء شكل أولي للمسلمين يعوض الذي في اسطنبول غير شخص سلطان المغرب فاقترح كمنافس في مواجهة شريف مكة المطالب بهذه المسألة بتنسيق مع البريطانيين لكن الأمنية لم تتحقق لأنها طرحت للنقاش من وجهة سياسية بدل النظر إليها من خلال الدين

الشؤون الخارجية نشرت النص بحذر بين المفوضين الفرنسيين مما أدى لردود فعل الشركاء نتج عنه قتل المشروع في مهده سنة 1915.

لماذا لم تنتهز فرنسا هذه الفرصة المناسبة لإقامة سلطة معنوية بين يديها من وراء واجهة شريفة وسياسية في العالم العربي؟ خاصة في البلاد التي تراقبها بإفريقيا الشمالية وسوريا ولبنان الأكراد وشرق تركيا لغاية الوسط الثقافي الفرنكفوني المصري؟

ربما لغياب النظرة السياسية في باريز، لأن هذه الفلسفة تتماشى بشكل متواز مع الخط المستقيم لليوطي.

أثناء الحرب العالمية الأولى الألمان بحسهم الاستراتيجي حاولوا فعل هذه المغامرة لحسابهم مع أمير المؤمنين الترك بإستنبول لكن الخليفة همش من قبل البريطانيين فشلوا مع الهاشميين المتعطشين البترول المهم بالنسبة للجيوبولتيك.

بدون شك لو أن هذه الاستراتيجية وضعت على سكة التطبيق لأسقطت الوضعية الماكرة للإنجليز.

انظر: lyauty:precurseur de la politique arabe de la france نشر في 14/5/2014 في الأنطرنيط.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
19°
24°
أحد
25°
الإثنين
26°
الثلاثاء
26°
الأربعاء

كاريكاتير