سليمان الريسوني يكتب عن: الجنرال حسني بنسليمان



عدد القراءات 1424

سليمان الريسوني يكتب عن: الجنرال حسني بنسليمان

هوية بريس – سليمان الريسوني
وأخيرا، أُحيل الجنرال حسني بنسليمان على التقاعد، هو الذي كان آخر كبار رجالات الحسن الثاني امتدادا في حكم محمد السادس. قضى 34 عاما في خدمة الأب، و18 عاما في خدمة الابن. وطيلة أزيد من نصف قرن من الرياضة والسياسة، ظلت كل طلقات الجنرال تخرج من سلاح كاتم للصوت، فكان أكثر “حراس المعبد” لوذا بالصمت وتجنبا للضوء.
حتى عندما بدأ اسمه يتردد مقرونا بحدث حساس مثل اختطاف واغتيال المهدي بنبركة، أو بواقعة غريبة من قبيل حبس إدريس البصري، يوم بيعة محمد السادس، في إحدى قاعات القصر، حافظ الجنرال الصامت على هدوئه واحتفظ لنفسه بحقائقه، غير آبهٍ لما يُقال عنه في الصحافة والمجالس المغلقة من حقائق مغايرة.
ارتفع سهم حسني بنسليمان عقب المحاولة الانقلابية لسنة 1971، عندما كان عاملا على مدينة طنجة. ففي الوقت الذي احتل فيه عساكر اعبابو والمذبوح مقر الإذاعة والتلفزيون بالرباط، وأرغموا الملحن الضرير عبدالسلام عامر، الذي كان يسجل رفقة عبدالحليم حافظ أغاني عيد الشباب، على تلاوة “بيان الثورة”، خاضت إذاعة طنجة ثورة مضادة على الانقلابيين، وبقيت إلى جانب الملكية.
ثلاث سنوات بعد المحاولة الانقلابية الأولى، وسنتان بعد المحاولة الثانية، سيعيِّن الحسن الثاني عامله على طنجة قائدا للدرك الملكي، وسيضيف إلى باقي مهام هذا الجهاز مهمة أخرى، هي الإشراف على أمن ومراقبة الجيش بكل أصنافه.
إذا كان المغرب متميزا عن الملكيات الخليجية، وحتى عن بعض الجمهوريات شبه الملكية في الشرق، بعدم إسناد مناصب حساسة مثل القيادة العليا للدرك الملكي، إلى أفراد من العائلة الملكية، فإنه أسندها إلى شخص أقرب من قريب وأضمن من غريب؛ فالجنرال حسني بنسليمان هو الوحيد داخل الجسم العسكري الذي يمثل امتداد القصر داخل الشعب؛
فجده الأكبر عبدالكريم بنسليمان كان وزير خارجية المولى عبدالعزيز، وجد أمه هو الصدر الأعظم (رئيس الحكومة) في عهد المولى يوسف، وجدته لأمه هي “السانطا” مريم الكباص، المرأة النافذة داخل بلاط الحسن الثاني، التي رفضت الزواج من مولاي عبدالحفيظ وهو على العرش، وعمه هو الفاطمي بنسليمان، رئيس أول حكومة مغربية بعد الاستقلال، وخاله هو الإسلامي عبدالكريم الخطيب، وابن خالته هو الشيوعي مولاي إسماعيل العلوي، وابنة عمه هي زوجة الاستقلالي امحمد بوستة، وابن عمه توفيق بنسليمان صهر للأمير مولاي عبدالله. وقس على ذلك العديد من المصاهرات السابقة واللاحقة مع كبرى عائلات السياسة والمال بالمغرب.
اليوم، وضع الجنرال حسني بنسليمان سلاحه. وأمس، أسلم الجنرال عبدالحق القادري روحه، ولا أحد منهما تحدث عن حقائق اقتسماها مع الحسن الثاني، وقال محمد السادس في بداية عهده بالحكم إنه لا يعرف شيئا عنها لأن والده لم يخبره بتفاصيلها.
من حق الدولة أن تحمي رجالها، ومن حقنا عليها أن تحمينا من تجاوزاتهم وحتى من صمتهم، وتحمي ذاكرتنا الجماعية من التلف، فالتجارب أكدت أنه كلما غُيِّبت الذاكرة استمر أثرها العنيف، والدليل ما يحدث في الريف منذ 1958 وإلى اليوم.

لا يوجد تعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق