طارق رمضان.. وفرنسا

06 مارس 2018 19:27
القضاء الفرنسي يفرج عن طارق رمضان بكفالة

هوية بريس – طارق الحمودي

كنت دائما من المتابعين للقاءات المفكر والأكاديمي المسلم ذي الجنسية السويسرية طارق رمضان الإعلامية والثقافية، وكنت أفضل منها تلك التي يكون فيها مواجها للطرف “الآخر”، سواء كان هذا الطرف الآخر سياسيا أو فكريا، وقد كان له أكثر من طرف مخاصم، حتى كادت الدولة الفرنسية كلها بمؤسساتها وأطرافها السياسية والثقافية والإعلامية أن تكون خصما له… أي له ولمن يمثله.

تعرف فرنسا جيدا أن نسبة الحاملين للبشرة البيضاء في تناقص لحساب ذوي البشرة السمراء بل والسوداء والصفراء، وقد صدقهم فيلسفوهم المشاكس ميشيل أونفراي بذلك غير ما مرة، بل نبههم إلى سقوط الحضارة الغربية والفرنسية على وجه الخصوص بسبب المد الفكري الإسلامي على وجه الخصوص، وهو أمر تلقفته الدولة الفرنسية العميقة بجدية أو لعلها تعرفه جيدا ولكنها تتجاهل ذلك لحين ولأسباب قاهرة.

​تعد مشكلة الجيل الثالث الذي يمثله أحفاد المهاجرين المغاربيين والأفارقة السود وغيرهم من المشكلات الكبرى في ملفات المشاكل الفرنسية التي لا تزال تقلب أوراقها على مكاتب الساسة الفرنسيين، فرغم كل المحاولات المبذولة لم تستطع فرنسا أن تمحو الذاكرة الهوياتية عند هؤلاء كما لم تستطع أن تفعل مع غيرهم في بلدانهم التي احتلوها، ربما بسبب حرص الأصول على الفروع أو ربما أيضا بسبب الانفتاح الإعلامي وشبكات التواصل الاجتماعية التي قربت الحفيد من ثقافة الجد المهاجر، وأن هذا الجيل لم يستطع الاندماج جيدا في “الحظيرة” التي تريدها لهم.

ومع فشل السياسات الفرنسية الاجتماعية والاقتصادية وجدت الدولة سكان الضواحي في كبريات المدن وخاصة باريس الحل لستر فضائحها الناتجة عن سوء التدبير قصدا أو خطأ، فجعلت منه إنسان القش، فاختلقت قضايا إسلاموفوبيا واتهمت هذا الجيل بعدم الرغبة في الاندماج، وربما رمته بالإرهاب ومخالفة مبادئ الجمهوربة الفرنسية العلمانية، وقد كان طارق رمضان غالبا عند فوهة المدفع… والطريف أن الانفجارات دائما كانت تحدث في داخل المدفع.. فقد كان طارق رمضان ذكيا ومؤهلا لذلك ومن هنا بدأت قصته وتهمته.

​حينما تكون لئيما ولا تستطيع الانتصار على خصمك بالفكر تنتقل إلى شيء آخر تحسنه ولا يحسنه.. وهو الفجور في الخصومة الذي يميز أهل النفاق والشقاق، وحينما تعجز مؤسسات الدولة الفرنسية العميقة بفروعها الصهيونية والماسونية فإنها تنتقل إلى أساليب أخرى تحسنها وتتقنها بالخبرة والممارسة الطويلة، وهو ما قد يبدو من محاولة سجن طارق رمضان وتشويه صورته بنوعية خاصة من التهم وهي التهم الأخلاقية.. فالرجل كتب كتابا عن الأخلاق الإسلامية وليس أفضل من إصابته في أنبل ما يدعو إليه لكن هذه المرة من وراء ظهره أو تحت الحزام كما يقولون.

​كان طارق رمضان يتهم دائما بازدواجية الخطاب، وكان هو دائما ينفيه ويستدل على بطلانه بتصريحات نستنكرها عليه، ولكن القوم كانوا دائما يصرون على رميه بذلك، في اللقاءات الإعلامية والمجالس الفكرية بل حتى في لقائه بأعضاء من البرلمان الأوروبي، ووصل الأمر بهم إلى أن جعلوه غرضا لكل طعن في الإسلام وأهله، وحملوه تقريبا كل شيء، بل اتهموه بالإرهاب كما يتهم خروف ببادية إسبانية بأكل ما في طبق لحم عجل مشوي لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب الذي زاره مؤخرا إيمانويل ماكرون بعد أن أعلن البدء في صناعة إسلام فرنسي !

​لقد أثبت طارق رمضان لفرنسا أنهم غير مؤهلين على الإطلاق لمواجهة الفكر الإسلامي عموما، فإن كانوا عجزوا أمام شخص واحد.. فكيف بثلة مثله إن تمكنوا من المنابر الإعلامية والثقافية بل والسياسية الفرنسية، لقد أظهر كثير من المفكرين العلمانيين الفرنسيين قدرة حقيقية على الثبات أمام هذا الابتلاء، وشككوا في القصة كلها، بل وهددوا بأنه عند عدم ثبوت التهمة فسيكونون ألسنة مسلطة على كل إعلامي وسياسي ومفكر ومثقف تورط في هذه الحملة المسعورة والموجهة على طارق رمضان أو على ما يمثله طارق رمضان، فما يحصل له اليوم دليل على فشلهم وضعفهم، بل وضعفنا نحن وعجزنا عن أن نخاطب الفرنسيين خطاب دعوة إلى الله، لأننا أنفسنا نحتاج إلى ذلك أولا، ولو كان فينا أمثال أبي الوليد الباجي لتمكنا من فضح أمثال راهب  كنيسة كلوني الفرنسية.

​سننتظر نتائج محاكمة طارق رمضان، وسننظر في مآلاتها ونتائجها، سنكون مستعدين لقراءة ما جرى لمعرفة ما قد يجري، أتوقع نتائج كبيرة وصادمة، والامتحان العسير بعدها.. ماذا نحن صانعون حينها؟​

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حديث الصورة

صورة.. من هنا مر الفرنسيون أصحاب "السترات الصفراء"!!

كاريكاتير

كاريكاتير.. مناظرة بين الكتاب والهاتف