علامات الفكر المتهافت.. العلامة السابعة: البتر في المادّة*



عدد القراءات 555

علامات الفكر المتهافت.. العلامة السابعة: البتر في المادّة*

هوية بريس – الشيخ مولود السريري

المراد بالبتر في هذا الموضع هو أنَّ المعلومات الجاري مقتضاها في محلِّ النَّظرِ وبناء الحكم لم يُؤخذْ بها كاملة، وإنَّما أُخِذَ ببعضٍ منها دون بعضٍ، وهذا التَّصرُّفُ قد يكون عن جهل وقصور في الاطِّلاعِ، وقد يكون عن استخفافٍ بقدر تلك المعلومات المتروكة وجهلٍ بقيمتها، وقد يكون لغرض التَّضليلِ، والتَّمويهِ.

وعلى أيِّ وجهٍ حصلَ هذا البترُ وبأيِّ موجبٍ وقعَ فإنَّهُ قادحٌ قويٌّ؛ إذ هو من موجبات الفساد في الأحكام المبنيَّة على ما جرى فيه من مادَّة كيفما كانت، إذ من المعلوم أنَّ النَّظرَ الصَّحيحَ يستقصي في سبيل تحصيل كلّ ما يمكنه من الفهم المطلوب في كلّ نظر، بل إنَّه يكون ذا نفاذ إلى الحقائق العلميَّةِ العميقة بالأمور التي تظهرُ لنا عادية وبسيطةً، ولكنَّها في واقع الأمر هادية إلى هذه الحقائق، وقاضية بها.

نعم، الاختلاف بين النَّاس فيما انطوتْ عليه قلوبُهم من أحوال وما ضمنته عقولهم من معارف يوجب أن لا يطّلع بعضهم على أحوال بعض منهم ومعارفهم، وبذلك يسير كلُّ امرئ في نظره وفي سبيل بنائه للأحكام على وفق ما عنده من ذلك ومقتضاه.

وهذا حاجزٌ يجبُ أن يتخطَّاه الباحثُ عن الحقيقة، والصَّوابِ، وذلك لأنَّ النَّاسَ متفاوتون فيما هم عليه من علوم ومعارف، كما أنَّ بعضهم يزيد عن بعض بأحوالٍ باطنيَّةٍ وذلك بموجب الخصوصيَّة التي قد تُمكِّنُ من قامتْ به من درك معارف لا سبيل لمن كان خلوًا منها من درك هذه المعارف أو الاطِّلاعِ عليها، وبذلك فإنَّه قد يمضي في بنائه للأحكام على خلاف مقتضاها.

ولا يخفى ما يترتَّبُ على ذلك وهو سقوطُ هذه الأحكامِ ووجوبُ عدم الاعتداد بها.

والمطويُّ من الأمثلة تحت هذا الموضوع كثير جدًّا، ومنه:

أـ غير المؤمن الذي يحكم على المؤمن فإنَّه دائمًا يحكم عليه بمادَّةٍ مبتورة، لأنَّه غير مطَّلِعٍ على ما به تمام تصوُّره الحقيقي.

وذلك أنَّ المؤمنَ تردُ على قلبه ونفسه منافعٌ وأحوالٌ خاصَّةٌ بسبب إيمانه، وغيره ليس مدركًا لهذه الحقيقة، وبذلك فإنَّه في مجرى حكمه عليه لا يعرِّجُ عليها، فجميع المنافعِ الإيمانيَّةِ يلغي اعتبارَها. ولا يخفى ما يترتَّبُ عن ذلك من خطأ.

وقد يكون لغير المؤمن -أيضًا- بحكم خصوصيَّته ما ينفردُ به من أحوالٍ نفسيَّةٍ عن المؤمن، وهو -أي غير المؤمن- يعتبرها منافع، والمؤمن يلغي اعتبارَها في مجرى بنائه للحكم عليه، فيكون مقصرًا في ذلك، وبذلك يسقطُ حكمُه ذاك.

إلَّا أنَّا على جزمٍ نعلمُ أنَّ المؤمنَ قد يدركُ هذه المنافع ويتصوَّرُها، لأنَّه قادرٌ على تحصيلها، لأنَّها لا تعدو أن تكون منافع مادِّيَّة مقصورة على حظوظ النَّفسِ، وبذلك فإنَّ عدم اعتباره لها قد يكون عن غفلةٍ، وقد يكونُ عن كرهٍ لها منه، لأنَّه يراهَا لا تستحقُّ الاعتبارَ لكون الاتِّصافِ بها يصدُّ عن طلب الكمال الإنساني والجمال الباطني، والطَّهارة النَّفسيَّة.

وأمَّا غير المؤمن فإنَّه لا يكون متأتِّيًا له إدراكُ ما انطوى عليه قلبُ المؤمن وما قام بنفسِه من ثمراتِ إيمانه، وإنَّما كان غير المؤمن كذلك لأنَّه غير مؤهّل بحكم خصوصيَّة حاله التي تصدُّه عن هذا الإدراك، وتمنعه عن الإحساس به على الحقيقة، وبذلك فإنَّ حكمه على الوجه الصَّحيح على المؤمن أمرٌ متعذّر عليه.

وهذا الأمر كما هو جارٍ على المنافع هو – أيضًا – جارٍ على الآلام والأوجاع الباطنيَّة بلا فرقٍ.

ب- أمر التَّفقُّه في النُّصوصِ الشَّرعيَّةِ، وفي التَّنزيلِ لها على الوقائع والأحداث فإنَّه ممَّا قد يقع فيه هذا القادح -البتر-. وذلك أنَّ اعتبارَ جميع الجهات التي يجبُ اعتبارها في هذا الشَّأنِ قد يقعُ الإخلالُ به، فيترتَّبُ عنه هذا البترُ.

والموجب لهذا الإخلال متعدِّدٌ، فمن ذلك عدم المعرفة بما يجب الأخذ بمقتضاه من الأدلَّة الحالية القائمة بالأشياء المنظور في شأنها، ومن جهات الأدلَّة الشَّرعيَّة الدَّالَّة على الأحكام. ومن ذلك عدم المضيِّ على ما يوجبه قانونُ التَّرتيبِ الطبيعيّ بين أجزاء أو جزئيات المحكوم به، أو المحكوم عليه، أو الحكم، وفي ذلك طمسٌ للمعالم المهتدى بها في هذا الشَّأنِ.

ومن ذلك -أيضًا- صرم الوصلة بما قد ينبّه على الأمور الخفيَّةِ في الواقع والانعزال النَّفسيّ الذي قد يكون عن الاغترار بصحَّة الشُّعورِ والإدراك لحقائق الأشياء، وهذا يسري حكمُه على كثير من المفتين الذين بهم ضعفٌ في شأن العناية بفقه الواقع، وتلمس الأحوال التي ينبني على مقتضياتها التفصيل في الأحكام.

ومن المعلوم المقرَّر في الشَّريعةِ الإسلاميَّة أنَّ الأفعال البدنيَّة تسري عليها الأحكام الفقهيَّة الخمسة بالتَّعاقبِ إذا اقتضتْ أحوالُ المكلَّفين ذلك، لكن أرباب هذا الانعزال يجرون على الأفعال الأحكام الشَّرعيَّة الأصليَّة فقط في جمود يوقع في الحرج المرفوع شرعًا، وقد يوصلُ إلى الخروجِ عن الحدود الشَّرعيَّة بالكليَّة، لأنَّ ذلك فيه مخالفة لما بني عليه هذا الدِّين من رفع التَّكليف بما لا قدرة للعبد عليه.

وبذلك يكون هؤلاء مخطئين من جهتين:

إحداهما: مخالفة ما قامت هذه الشَّريعة عليه من مراعاة الأحوال النَّفسيَّة والذَّاتيَّة للنَّاسِ، والمعتبرة شرعًا في تنزيل الأحكام.

ثانيتهما: إيقاع الحرج على النَّاسِ، وتفجير غرائزهم بفقد الاعتدال النَّفسيّ والتوازن السُّلوكي الذي يحصل عنهما القدرة على الاستمرار في الالتزام بالأمور الشَّرعيَّة على الوجه المطلوب، وكلُّ ذي فقه في الدِّينِ الإسلاميّ يعلم أنَّ الحكم الفقهيَّ مرتبطٌ بالمعتبر شرعًا من المصالح والمفاسد، وبشروط التَّكليفِ: -الإرادة، والاختيار، والقدرة البدنيَّة- وعدم المبالاة بذلك في مجاري بناء الأحكام يعدُّ بترًا في المادَّة يرجع على تلك الأحكام بالنَّقضِ.

والفقيهُ قد يستفيدُ من كلِّ شأن إنسانيّ معتبر شرعًا وإن كان من لفتَ إليه النَّظرَ علمانيَّا، لأَّنَّ العبرة بثبوت ذلك الشَّأن وليس بمن ذكّر به.

ج- الكلام على بنية الشَّريعة وأحوالها من غير تنبّه إلى الخيط النَّاظم الجامع بين جزئيَّاتها وهو إقامة نظام العالم والنُّفوس على صلاحٍ وسدادٍ، ومن غير تفطُّن إلى التَّكامل الذي بين كلّ جزئيّة عباديَّة أو عاديَّة شرعيَّة وما قورب بها شرعًا من وجوبِ وجود شروطٍ محدَّدة لهَا، وارتفاع موانع معينة عنها، كاملاً تامًّا، إذ من المعلوم أنَّ كلَّ جزئيَّة ممَّا ذكر للشَّارع في شأنها مقصدٌ، إلَّا أنَّه يتوقَّف تحصيلُه على تحقُّقِ هذا الذي قورب به.

ولا يخفى ما في ذلك وما ماثله ممَّا قامتْ عليه هذه الشَّريعةُ السَّمحةُ من دقَّةٍ في البناء وحكمةٍ بالغةٍ في الوضعِ، ومناسبةٍ دقيقةٍ بين جزئيَّاتها بعضها مع بعض، وبين كليَّاتها كذلك.

وهذا أمرٌ يوجبُ على النَّظَر الوقوف عليه، وأخذ ما دلَّ عليه من حكم، وما اقتضاهُ من مقتضى.

ومن كان في ريبٍ من هذا فلينظرْ إلى علاقة الشُّروطِ بمشروطاتِها، والأسبابِ بمسبَّباتِها في شرائع وشعائر هذا الدِّين، ثمَّ لينظرْ في الاعتباراتِ المرعيَّة في بناء الأحكام الشَّرعيَّة، وليدقّقِ النَّظرَ فيما يخفى فيها عن الأنظار والعقولِ؛ والشَّرعُ يراعيه في ذلك على وجه دقيقٍ.

وبعض من لم ينفذ إلى درك ذلك تَرِدُ على ذهنِه توهُّمات بأنَّ العقلَ قد يخالف الشَّرعَ في بعض الأمور، وإلى ذلك -أيضًا- يصيرُ إلى من غلَّبَ حظوظَ النُّفوسِ وما يتّفق مع الأمزجة في النَّظرِ.

وكلُّ ذلك مبتناه على عدمِ استتمام النَّظرِ، والبتر في المعلوماتِ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ المراد بالمادة: المعلومات المستحضرة والمعتمدة في بناء الأحكام.

لا يوجد تعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق