د. محمد بولوز يتساءل: عن أي مجانية في التعليم يتحدثون؟



عدد القراءات 1510

د. محمد بولوز يتساءل: عن أي مجانية في التعليم يتحدثون؟

هوية بريس – د. محمد بولوز

ينص أحد بنود مشروع القانون – الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي، على إلغاء “مجانية التعليم” في المملكة، حيث جاء في مشروع القانون – الإطار أنّ “الدولة تواصل مجهودها في تعبئة الموارد وتوفير الوسائل اللازمة لتمويل منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، وتنويع مصادره، ولا سيّما تفعيل التضامن الوطني والقطاعي، من خلال مساهمة جميع الأطراف والشركاء المعنيين، وخصوصاً منهم الأسر الميسورة، والمؤسسات والمقاولات العمومية والقطاع الخاص”.

وبحسب المادة 45 من مشروع القانون، فإنّ “الدولة تعمل طبقاً لمبادئ تكافؤ الفرص على إقرار مبدأ المساهمة في تمويل التعليم العالي بصفة تدريجية، من خلال إقرار رسوم للتسجيل بمؤسسات التعليم العالي في مرحلة أولى، وبمؤسسات التعليم الثانوي في مرحلة ثانية، وذلك وفق الشروط والكيفيات المحددة بنص تنظيمي، مع الأخذ بعين الاعتبار مستوى الدخل والقدرة على الأداء”.
وأقول:
أعلن الوطنيون فجر استقلال المغرب أربعة مبادئ للتعليم المغربي ليكون في مستوى طموحات المغاربة وجيل المقاومة والتحرر من نير الاحتلال الفرنسي: المغربة والتوحيد والتعريب والتعميم والذي يعني في عمقه المجانية إذا أردنا فعلا تحقيق التعميم، غير أننا إذا استثنينا المبدأ الأول المتمثل نسبيا في المغربة، فإننا نلاحظ أن مسار السياسات التعليمية ببلادنا ما بعد الاستقلال وكأنها أخذت على عاتقها محو ومحاربة تلك المبادئ والسير بتدرج ومكر حتى لإلغائها والتشطيب عليها، فالتوحيد عمليا أضحى حلما بعيد المنال فللأغنياء الواعين مسار تعليم أبنائهم الخاص بمعاهدهم وبعثاتهم ومدارسهم داخل المغرب وخارجه، ولعموم الشعب المدرسة العمومية الدنيا وللفئات المتوسطة كليات ومعاهد عمومية تكاد تكون خاصة بهم لا يكاد يصل إليها أبناء الفقراء إلا بشق الأنفس وبصفة استثنائية، وللفئة المتوسطة أيضا معاناتها مع نمط من المدارس الخصوصية تستغل حرقة هؤلاء على أبنائهم فتركز على جاذبية الشكل وتواضع المضمون، وضاع مبدأ التعريب منذ أن توقفت به سياسة مقصودة في حدود الباكالوريا ليجد المستفيدون منه صعوبات في التعليم العالي الذي بقي مفرنسا، وغياب تكافؤ الفرص مع من جاؤوا من مسارات مفرنسة، فاتخذ هذا الإشكال مرة أخرى ذريعة للنكوص الذي نشهده اليوم عن التعريب والتراجع المكثف عنه، ونصل اليوم إلى المبدأ الأخير المتمثل في التعميم الذي له علاقة وثيقة بالمجانية والتي يجري الآن الإجهاز عليها، أو بالأحرى على ما تبقى من صور المجانية وأشكالها.
وبالنظر العميق نجد أن القادرين على الإنفاق ينفقون أصلا بسخاء وبما يستطيعون على أبنائهم من أجل تمدرس أجود وتأهيل أفضل، فالفئة المتوسطة تستنزفها المدارس الخصوصية في مستويات التعليم الأساسي ثم تحاول فئات منهم تحمل نفقات التعليم الثانوي الإعدادي وبشكل أقل من هذه الفئة الثانوي التأهيلي، إضافة إلى الساعات الخصوصية للرداءة الموجودة، ولا يمتنع من الإنفاق من هذه الفئة على هذه المستويات إلى من عجز عن مسايرة متطلباتها أو متطلبات بعضها.

ويبقى التعليم العالي وهنا أيضا هذه الفئة المتوسطة محروم أبناؤها مبدئيا من المنح الدراسية، فتجدها تتولى نفقات باهضة تهم السكن والتغذية والتنقل ونحو ذلك وخصوصا وأن المعاهد والكليات تقتضي في الأغلب الأعم انتقال الطلبة إلى مدن أخرى، فلنتصور من عنده أبناء من الفئة المتوسطة في التعليم الأساسي والثانوي الخصوصي ثم الجامعي بغير منحة دراسية، كم من المصاريف تلزمه ليواكب تمدرس أبنائه، فعن أي مجانية نتحدث ونريد إلغاءها إلا إذا كان القصد مزيدا من تفقير هذه الفئة الحيوية في المجتمع؟

كما لا ننسى خلل التطبيق والتنزيل حيث قد يفلت الميسور من الأداء ويفرض على المتوسط وحتى على الفقير لاعتبارات غير مفهومة وهو ما يجري أحيانا في التطبيق والتنزيل بخصوص منح الطلبة الجامعية.

2 تعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق