فرنسة التعليم.. فعل خبير أم مجرَّد تخبيز؟



عدد القراءات 1436

فرنسة التعليم.. فعل خبير أم مجرَّد تخبيز؟

هوية بريس – زينب أحمد العيايطي

قبيل مدةٍ قصيرة من الآن لم أكن أستطيع الحسم في من كان الغبي.. اليوم أستطيع الجزم عن تجربة والقول بمنتهى المصداقية (التي لا تدفعني إليها إلا المصلحة العامة لأبناء هذا الوطن.. إفصاحا إلى أوليائهم بالصناعة التي تسعى إليها الأيادي التي تتمازج سياستها بين العبث وإرادة الفساد) أننا نحن الأغبياء..
أجل.. فنحن أغبياء جدا إذ صدّقنا بقدرة الطفل على استيعاب اللغات الكثيرة على حداثة سنه.. واستسلمنا -بالتالي- لفلسفة المجلس الأعلى الوصيّ -فقط وحصريا- على استمرار الفرنسية بيننا ولا اعتداد له بما يخدم ملكات الأطفال وتطويرها -وبالتالي- فمجلسنا لا يعنيه إنتاج جيل علمي قادر على العطاء والإبداع.. بقدر ما يعنيه ترتيب الأرقام التي تدعم إيجاد أرضية للفرنسة..
هكذا ببساطة.. استطعنا أن نكون بُلهاء ونحن نستمع لتقارير المجلس الأعلى.. ونقف أمام تهويلاته وقفة فاقد القدرة على التفكير في أبعد من اقراحاته التي يُقدِّمها في قالب مُعتنى به غاية الاعتناء لدرجة تبدو فيها -مقترحاته- القشة الوحيدة لغرقى سفينتنا..
أغبياء نحن يا سادة.. إذ سمحنا بتطاول اللغة الفرنسية المعقدة، على برنامجنا الدراسي بشكل معيق جدا لمسيرته الطبيعية التي من المفروض فيها السلاسة واليسر والمناسبة.. لتصبح مليئة بالضيق والعسر والصعوبات والتعثرات.. حتى بلغ بها المبلغ اليوم أن اعترضت سبيل تلاميذنا من الروض فأصبحت تقف كحروفٍ عسيرة على طفل لا يستطيع استيعابها إلا بشق النفس..
قالت لي مُعلِّمة الفرنسية بملامح اليائس: لا لا لا.. تلك الطفلة عندها تعثر لغوي (dyslexie)
قلتُ لها: لا تستطيع التّلفّظ بالحروف؟
– أجل وعندها مشاكل في جمع الحرف الصامت (consonne) والحركة (voyelle) في صوت واحد (syllabe)
– هل تقول معلمة العربية عنها نفس الشيء؟
– تقريبا..
-وهل تتحدث الدارجة بطلاقة؟
– نعم..
– يا عزيزتي.. عن أي تعثر تتحدثين.. الطفلة فقط بحاجة إلى مساعدة ممن يستطيع الإبطاء ابتداء والإسراع انتهاء.. نحن ابتُلينا ببعض معرفة بأمراض شبه وهمية والقدرة على إيجادها عنوة في الأفراد ثم ناسب بلاءنا وجود أطباء شَرِهين.. فكان النتاج أن نجعل أحيانا من المُعافى مريضا.. فإن كان طفلا ترعرع بهذا الإحساس وصار راسخ اليقين بمرضه كأنّه عقيدة ثابتة.. يا عزيزتي اللغة الفرنسية معقدة وكلُّ حرف فيها يكتب بأربع طرق مختلفة جدا أحيانا.. فحرف اللام ( L) مثلا، الكبيرة (majuscule) ليست هي الصغيرة (miniscule) والمتصلة cursive ليست هي المتفرقة script.. وطفلنا العربي الذي يتعرّف على الحروف اللاتينية -أوّل ما يتعرّف- عن طريق رسمها وليس عن طريق تداولها في خلال اللغة.. سيصبح عدد الحروف التي عليه تعلُّمُما هو (26×4= 104) حرف والرقم في حد ذاته مهول.. فإذا أضفتِ إليه العدد الكبير جدا للحركات الفرنسية (الحركة o مثلا تُكتَبُ o و au و eau) سيصدمك عدد الصور المرئية التي يكون على طفلنا ربطها بأصواتها في مرحلة عمرية لا يستطيع فيها التذكر إلا بالتكرار المتعدد.. ففي ظل غياب التصور ، إلا من رسم الحرف.. وفي ظل غياب المجال الزمني للتكرار، إذ لا تسمح الحصص الزمنية المقررة في البرامج الدراسية بتوفيره.. هل تسمحين لنفسك بالحكم على المصير النفسي والدراسي لهذه التلميذة أو ذاك؟.. بله أن تجعلي والديها يصدقون بعجز ابنتهم!!
كان هذا الإحصاء، وهو مجرد بعض من كلٍّ، الكلّ الذي تتداخل فيه سياسة فاشلة ورؤىً تخيُّلية وهمية لواقع التمدرس في عقل الطفل.. كفيلا بأن يجعل تلك المعلمة تُلقي الضوء على إشكالية أصبحنا في إطار الفتاوى المقدّسة لمجلسنا الأعلى ، نربطها في العجلة الدراسية لتلميذنا منذ بداياته..
في حين أنّني لو أحصيتُ عدد الإشكاليات التي أجدها، بعدما شاءت الأقدار الإلهية، أن أُدرِّس لأوّل مرة الثاني ابتدائي وأعاين بالتجربة حجم الكارثة التي نتّخذها حكما مصيريا لتلميذنا.. لملأتْ مُجلّداً بأكمله..
الإشاعة عن قدرة التلميذ على استيعاب اللغة.. منشؤها وسطٌ متحدِّثٌ بتلك اللغة على طول الخط وفي مواقف حياتية ملموسة.. وليس استيعابه للغة تنطقها معلمة لا تستطيع توظيفها إلا ضمن مواقف نصفها متخيّلٌ والنصف الآخر منطوقٌ عبر صورٍ جامدةٍ.. حيث تنبت اللغة الفرنسية عند طفلنا عبر صور الحروف وليس عبر معاني الكلمات..
نحنُ أغبياء يا سادة.. لأنّنا نُصدِّق في تجارب الآخرين وأرقامهم وتحليلاتهم.. دون أن نُعطي أنفسنا فرصة التفكير وتعليم طفلٍ صغير من حولنا أبجدياتِ اللغة لنرى مدى صدق التُّرَّهات الكثيرة التي تتّخذ لنفسها تاجا داخل تقارير تخدم بالأساس أجندات مُعدّة أصلا قبلها..
شكراً مجلسنا الأعلى للتربية والتكوين.. جعلتَ إحساس، أننا معشر معلّمي الفرنسية مجرّد كراكيز، يُلازمني طول مدة تدريسي لهذه اللغة داخل قسم مليء بأبناء وطنٍ يرزخون تحت عجز الأحرار عن معارضة حتى أبسط السياسات الناخرة في عود إصلاحه..
وبدوري أختم بهذه التوصية:
أيها الأساتذة.. على الأقل لا تضربوا تلاميذكم.. فكثيرٌ منكم لا يعرِفُ حتى كيف يستوعب تلميذه تلك المادة الجامدة.. كيف يُصوِّرُها عقله بعيدا عن أرض الواقع المعاش.. ارفقوا بالأبناء ما دمنا جميعا نتحرّك حصريا داخل تقارير المجلس الوصي على الفرنسية ومقترحاته!!

لا يوجد تعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق