قراءة في كتاب: “لماذا ينبهر الغربيون بالإسلام؟!”

31 مارس 2018 16:13
قراءة في كتاب: "لماذا ينبهر الغربيون بالإسلام؟!"

هوية بريس – فريد لطفي أحمد

مدخل:

مِن أصحاب الأقلام مَن تنظر في كتبه، فتجدها كأمواج البشر التي تسير في الميادين العامة؛ لا صلة بينهم، ولا غاية تجمعهم، ومثل هذا: يكتب لمجرد أن يحصِّل منفعةً، أو يحقق مأربًا.

ومنهم مَن كُتُبه كأولاد العَلَّات: أبوهم واحد، وأمهاتهم شتى، وهذا الكاتب صاحب قضية و”هَمٍّ معرفي”، يسير به في طريق منتظمة، يدل أولها على آخرها.

دارت هذه المعاني بخاطري وأنا أتقلب بين صفحات الكتاب الثاني للكاتب المبدع “السنوسي محمد السنوسي”، الذي جعل عنوانه “لماذا ينبهر الغربيون بالإسلام؟”.

ولقد أعادتني فكرة هذا الكتاب وقضيته إلى الكتاب الأول لصاحبه، وعنوانه: “إضاءات في الوعي”، فوجدتُ بذور وخمائر الكتاب الثاني كامنةً بين سطور الكتاب الأول؛ حيث عقد فصلًا كاملًا حول علاقتنا بالغرب، حلَّل فيه أساس المواجهة، وإمكانات اللقاء، وآفاق المستقبل، وهذا عندي يدل على انشغال الكاتب بقضية واحدة يخدمها من كل اتجاه، ويعيش على تحمل همها، وهي في حالة صاحبنا السنوسي: قضية استعادة الذَّات للأمة الإسلامية، واكتشاف موقعها في الحياة، والنضال من أجل النهوض الحضاري، ومقاومة عوامل التخلف الداخلي والاستعماري الخارجي.

ويقول د. عبدالستار فتح الله سعيد، في مقدمته الضافية: “هذا كتاب جليل القدر، من حيث موضوعه عن دين الله في كل العصور، ومن حيث معالجة المؤلف الفاضل لبيان كثير من أسباب إعجازه وامتيازه، التي ينبهر بها كل مُنصِف عاقل في أرض الله عز وجل، خاصةً من الغربيين أصحاب الحضارة المعاصرة التي تشكل فتنة تغشى العقول والأسماع والأبصار”.

مفاتيح معرفية:

من أجل حسن تجلية قضيته، وضع الكاتب في التمهيد لدراسته مداخلَ معرفية مهمة بين يدي موضوعه، تمثَّلت في الحديث عن:

♦ تاريخ العلاقة بين الإسلام والغرب، وتحدث فيه عن رؤيته لتلك العلاقة في مراحلها المتتابعة، ومن خلال تلك المراحل تتبين لنا صفحةُ الإسلام البيضاء؛ حيث لم تمتد يده لتبدأ أحدًا بالعدوان.

ثم ذكر موقف الإسلام من الغرب، وفيه يميز – بذكاء ووعي شديد – بين موقف الإسلام مِن كل من:

♦ الإنسان الغربي، الذي هو – في التصور الإسلامي – محل للدعوة، ويؤكد الكاتب على أن هذا الإنسان ما زال قادرًا على تمحيص الحق والوقوف بجانبه، بل والاستجابة له.

♦ والعلم الغربي، الذي لا حرج في الاستفادة منه، شريطة أن نفرق بين العلوم التجريبية المحايدة، وبين فلسفتها وتطبيقاتها التي تتغير وتتبع عقائد كل أمة وثقافتها.

♦ والمشروع الغربي الاستعماري، الذي هو محل خلافنا مع الغرب؛ ذلك لأنه يوظف كل شيء – بما في ذلك القيم الدينية – لتبرير أطماعه وتحقيقها، وهو المشروع الذي زرع الكيان الصهيوني في قلب العالم الإسلامي؛ ليكون حارسه وعينه على البلاد العربية.

ثم يؤكد الكاتب على أن منهج الإسلام يقوم على ضرورة التواصل والتكامل بين الحضارات، مع احترام خصوصية كل حضارة في الوقت نفسه.

وفي حديثه عن حاجة الغرب إلى الإسلام: يؤكد شدة حاجة الغربيين إلى نور الإسلام بعد أن نقلوا عن المسلمين المنهج التجريبي ورفضوا الجانب الروحي، ومن هنا: ظهرت تلك المفارقات العجيبة، التي مزقت المجتمع الغربي وأغرقته في دوامة القلق النفسي والخواء الروحي، وكان من آثار ذلك: أن ظهرت في مجتمعهم الوفرة من الجرائم، من مثل الانتحار، ونبذ الأبناء للآباء، والاستعلاء بالعنصر والدم، وتصور الأمم الملوَّنة وكأنها من طينة أخرى! وقد نقل الكاتب عن الغربيين الذين أسلموا نصوصًا دالَّة تبينُ حجم الأزمة وعمقها؛ مما يجعل الحاجة إلى العلاج الإسلامي أشد وأقوى، وفي ذلك ينقل لنا الأستاذ السنوسي قول محمد أسد: “إنه – أي: الإسلام – ليس سبيلًا بين السبل، ولكنه السبيل، وإن الرجل الذي جاء به ليس هاديًا من الهداة، ولكنه الهادي”.

الأفكار لا الأشخاص:

كثيرة هي المؤلَّفات التي كتبت عن الغربيين الذين دخلوا في الإسلام وخالطت بشاشتُه قلوبَهم، غير أن تلك المؤلفات كانت تنطلق دومًا من حياة أولئك الأشخاص وتجاربهم الذاتية، وقد آثَرَ السنوسي أن ينطلق من الأفكار لا الأشخاص، فمضى في الباب الأول – الذي يمثل أكثر من نصف الكتاب – يرصد أسباب انبهار الغربيين بالإسلام؛ وهي: العقيدة والعبادات والأخلاق والتشريع والإعجاز العلمي، دون أن يعني ذلك إهمال الأشخاص؛ فمع كل سبب من تلك الأسباب يذكر الكاتب نماذج من المفكرين الغربيين الذين أسلموا، مع طرف من أقوالهم أو حياتهم، وقد أجاد الكاتب أيما إجادة في اختياره للنصوص التي نقلها عن هؤلاء الذين انشرحت صدورهم للإسلام، فأشرقت أنواره على ألسنتهم ببيان رائع.

بين نموذجين معرفيين:

تحمل إلينا سطور الكتاب أصداء ذلك الوعي العميق لدى الكاتب بـ «تمايز المشروعين الإسلامي والغربي»، بحيث يمكن القول: إن الكتاب في مجمله بحث في بنية النموذج المعرفي الإسلامي بمكوناته المختلفة، وكيف يمكن لهذا النموذج أن يجتذب الناس، ويجعلهم يؤمنون به؛ لذا كان أكثر هؤلاء الذين أسلموا – من المفكرين الذي أتاحت لهم ظروفهم وتكوينهم العقلي التأمل والموازنة.

ففي الإسلام: تجيب العقيدة عن الأسئلة الوجودية الكبرى للإنسان: مِن أين؟ وإلى أين؟ ومَن أنا؟ وهي في النموذج المعرفي الإسلامي تمثل أسئلة “أولية” “ابتدائية” لا ينطلق الإنسان إلا بعد الإجابة عنها؛ فالإسلام عقيدة ينبثق عنها نظام شامل ينتظم الحياةَ والأحياءَ.

أما العبادة، فهي سبيل الطمأنينة والسكينة؛ حيث تطهِّر القلب، وتزكِّي النفس، وترتقي بالخُلق والسلوك، وتنمِّي روابط المجتمع.

أما الأخلاق، فقد منحها الإسلام منزلة عظيمة، ومكانة سامقة؛ فهي فريضة إسلامية بقدر ما هي ضرورة اجتماعية.

أما التشريع الإسلامي، فقد جاء متسمًا بالشمول والواقعية والقدرة على معالجة مشكلات الإنسان – كل الإنسان – في كل البيئات والظروف، وقد أبدع الباحث السنوسي حين أشار إلى تميز النظام الاجتماعي في الإسلام باعتباره الجانب الأكثر جذبًا للغربيين الذين عانوا كثيرًا من تفكك نظامهم الاجتماعي، مشيرًا في ذلك إلى بعض تلك الجوانب التي لفتت الأنظار؛ مثل احترام المرأة، والترابط الأسري، وشيوع روح الأخوة بين المسلمين؛ مما يؤدي في النهاية إلى تماسك المجتمع.

هذه هي أسباب إسلام القوم، وهي السمات الكبرى للنموذج الإسلامي، وكاتبنا القدير يخلع عليها جميعًا سمات الإسلام الكبرى وملامحه الرئيسة، من الربانية والشمول، والإنسانية والوضوح.

ويضيف إليها في النهاية الإعجاز العلمي الذي أصبح شاهد صدق للإسلام، وأحد أهم وسائلنا في دعوة الغربيين الذين حققوا تقدمًا كبيرًا في مجال العلم؛ لذا حَسُنت إشارة العلامة د. عبدالستار فتح الله في مقدمة الكتاب؛ حيث ذهب إلى أنَّ: “الحضارة المعاصرة أولى الأمم بحسن الاستجابة للإسلام؛ لأنها حضارة قامت على العلم والبحث والدراسة والمقارنة، واستعمال العقل والفكر والنظر والملاحظة والتجريب”.

وعلى امتداد ذلك الباب – والكتاب كله – يوازن السنوسي ويشير إلى الوجه المقابل في النموذج الغربي والحضارة الغربية التي زعمت “موت الإله” في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع العشرين، ثم انتهى بها الحال إلى “موت الإنسان” الذي أعلنه فوكو في عام 1970م.

كيف نتعامل مع المسلمين الجدد؟

وفي هذا الباب الأخير يبين الكاتب الموقف الأمثل ممن أكرمه الله باجتياز العقبات إلى نور الإسلام، ويوضح ضرورة توظيف تلك الطاقات، وكيفية الاستفادة منها، وذلك من خلال النقاط الآتية:

1- القيام بواجب الأخوة نحوهم؛ فهذه الأخوة – التي تجب لمن يسلم – تجعله يشعر بحلاوة المبادئ التي اقتنع بها، ويجد هذه المبادئ مجسَّدة في سلوك المجتمع المسلم.

بالإضافة إلى هذا الحق المعنوي، من المهم أن نكون على استعداد لمد يد العون لمن يسلم، وألا نبخل عليه ببعض المال إذا احتاج إليه؛ فالكثيرون منهم – خاصةً الشباب – يتعرضون للطرد من الأسرة والحرمان من الميراث، مما يجعل بعضهم يتردد في إعلان إسلامه، ومن يسلم منهم يجد نفسه في مأزق، حيث لا مُعين له، ولا مأوى لديه!

2- الاستفادة من جهودهم في الحوار بين الحضارات؛ فالكثير من المفكرين الغربيين الذين أسلموا يؤكدون ضرورة الحوار بين الحضارات والثقافات المختلفة بدلًا من الصراع والمواجهة، وقدموا في ذلك رؤية وأفكارًا تصلح للبناء عليها، ويدعو الكاتب إلى الاستفادة من هذه الجهود، بل وإشراك هؤلاء المفكرين في مؤتمرات الحوار بين الحضارات كممثلين عنا، خاصةً أنهم من أبناء الحضارة الغربية: يعرفون لغتها، ويستوعبون ثقافتها؛ فهم بمثابة “همزة الوصل”، ويضرب الكاتب مثلًا بكل من “رجاء جارودي” و”مراد هوفمان”.

3- الاستفادة من جهودهم في نقد الحضارة الغربية؛ فقد كتب هؤلاء المفكرون – من قبل إسلامهم ومن بعده – عن ضجرهم من واقع الحضارة الغربية، وعن ضيقهم مما وصلت إليه من تناقض؛ حيث الرقي المادي، والانحطاط الروحي غير مسبوقين! فتلك الكتابات والأفكار قد خرجت من رحم المعاناة، بعدما خبروا الحضارة الغربية أيما خبرة، واستوعبوا ثقافتها غاية الاستيعاب، واكتوَوا بنارها كأشد ما يكون الاكتواء، وبعدما طالت رحلتهم في البحث عن الحقيقة الناصعة المجردة من هوى النفس وكدر الشهوات وزيغ العقول، حتى اطمأنت نفوسهم وعقولهم في رحاب الإسلام.

4- النصح لهم وتصحيح أخطائهم؛ فإذا كان من السائغ أن نقبل من علماء الإسلام – وهم على قدر كبير من الإحاطة بعلوم الدين – أن يصيبوا ويخطئوا؛ فمن الأولى أن نتفهم ما قد يصدر من خطأ من المفكرين الغربيين الذين أسلموا، حين يتعرضون لتفسير بعض الأحكام الإسلامية، دون أن يُعد هذا الخطأ طعنًا في دينهم أو ارتدادًا عن الإسلام، ومرة أخرى يتخذ السنوسي من “رجاء جارودي” مثلًا لما يذهب إليه.

وهذه الواجبات – التي يشير إليها السنوسي – لا يصلح الأفراد وحدهم للقيام بها؛ وإنما لا بد من تكاتف الحكومات الإسلامية ومؤسسات المجتمع المدني، مع الجامعات الإسلامية الكبرى – كجامعة الأزهر وجامعة الإمام محمد بن سعود – للقيام بذلك الواجب الكبير.

والكتاب في النهاية يؤكد على الكثير من القيم الأساسية:

♦ منها: أن الإسلام ينتشر بقوته الذاتية، وأنه يملك أسباب البقاء والتحدي، دون اعتبار لكثرة الأعداء وقوتهم، ولا لتخاذل المسلمين وضعفهم.

♦ ومنها: أن الهجوم على الإسلام غالبًا ما يكون سببًا في معرفة الناس به، ومن ثَمَّ دخولهم فيه.

♦ ثم هو يشي بثقافة الكاتب الواسعة، وفهمه العميق لموضوعه، واقتداره في معالجته.

(المصدر: موقع الألوكة).

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M